السقا مات.. فلسفة الموت والحياة

ينقذ المعلم “شوشة” شحاتة أفندي من “قلع” محقق ويدفع له ثمن الطعام، حيث أمرت المعلمة زمزم صبيانها بتجريد شحاتة من ملابسه، كما ولدته أمه لأنه أكل ” فتة وجوهرة وجبهة ونص لسان وممبار ومخ وكرشة” ولم يدفع الحساب، ظنًا منه أنه سيدفع أشياء أخرى بدلًا من المال، فقد بدأ خطته بمغازلة المعلمة بعد غمزٍ ولمز، وقال: “أموت أنا في العجالي” ضحكت زمزم فاطمئن قلبه وأكل نصف المسمط تقريبًا.

من مسمط المعلمة زمزم تبدأ رحلة شوشة مع شحاتة أفندي، وهنا نجد مفارقة كبرى، شحاتة الذي يعمل “موصلاتي” على حد وصفه، يوصل الأموات ويعدد عليهم في الجنازات، ويصاحب الموت أينما ذهب، مفعم بالحماس وحب الحياة والناس، يعيش حياة سعيدة شعاره فيها “اضربها صرمة وعيشها بالطول والعرض”، بينما المعلم شوشة “السقا” الذي يحمل سر الحياة فوق ظهره داخل تلك القرية المصنوعة من الجلد، فيسقي منها الناس أينما حل، لا يبتسم ابتسامة واحدة حتى، يعيش كالميت في غرفة كالقبر، زاهدًا في الحياة فلا يشتهي طعامًا ولا شرابًا، ولا تغويه عزيزة نوفل أشد النساء فتنة في الحي، رغم محاولاتها التي لا تنتهي، فقط يعيش على ذكرى زوجته التي خطفها الموت من سنوات طويلة فخطف حياة شوشة معه بالخوف، ولم يعش بعدها لحظة واحدة.

فلسفة الموت

يبدأ شحاتة في القاء فلسفته الوجودية على آذان شوشة ليخلصه من شبح الموت الذي سيطر عليه وجعله حيًا ميتًا.

شحاتة أفندي: “أوعى تفتكر اللي بيبكوا في المياتم بيبكوا على المرحوم، أبدًا معظمهم بيبكوا على نفسهم، خايفين من الموت علشان كده بيبكوا مقدمًا، وفي ناس تفضل تبكي لحد ما تموت فعلًا، وياما ناس عايشة على وش الأرض ميتين، مع إن ربنا خالقهم عشان يعيشوا، الناس من كتر خوفها من الموت عايشين ميتين”.

يسترسل شحاتة في “حدوتة” لم تحكى في الفيلم، ولكن يبدو أنها حكاية كوميدية عن جنازة من جنازاته.

يسأله المعلم شوشة: “لكن قولي إزاي سابوك تشتغل معاهم بعد كده؟”

فيرد عليه شحاتة أفندي : “لا منا مسيبتش نفسي على كده، اتمرنت”

شوشة: “اتمرنت على ايه؟”

شحاتة أفندي: “على مقابلة الموت بقلب جامد، حاكم الموت ده أجبن من بني آدم”

المعلم شوشة: “انت بتقول إيه!”

شحاتة أفندي: “اسمع.. عمرك سمعت عن واحد جاله الموت قبلها بيوم وقاله جايلك بكرة، طبعًا لأ، لأن الموت نفسه جبان، ميجلناش إلا على غفلة، أدام هو جبان أخاف منه ليه! خليك أشجع من الموت تغلبه، الواحد لو قلبها في دماغه يلاقي العملية متستاهلش، لا خوف ولا دموع، انت مش عارف إن هيجيلك الموت؟

المعلم شوشة: يعني هو مين هيخلل فيها”.

شحاتة أفندي: “خلاص أدام عارف تتفاجئ ليه، ماهي معروفة، اضربها صرمة وعيشها بالطول والعرض”.

فلسفة الحياة

يؤمن شوشة أخيرًا بالحياة ويتغلب على شبح الموت الذي يطارده للمرة الأولى منذ وفاة زوجته، ويتجاوز ذلك الفقد، ذلك الموت الذي طارده عشر سنواتٍ كاملة، ويبدأ في رؤية الحياة بالألوان، بعدما كان يراها سوداء دائمًا، قبل ظهور شحاته الذي غير حياته وبث فيه الحياة من جديد.

في مشهد أخير بين شحاتة وشوشة، يكمل شحاته رسالته، ويلقي على آذان شوشة وصيته الأخيرة، عندما دخل عليه “شوشة” ووجده يعد العدة لمقابلة عزيزة نوفل – عاملة جنس – التي طالما تمناها شحاته في أحلامه ويقظته، فيقول له شوشة: “بقى عامل المولد ده كله عشان كده؟”

شحاتة أفندي: “مفيش كلام، عزيزة في سوق الحريم يسموها طويلة التيلة”

المعلم شوشة: “حد الله ما بيني وما بينهم، أنا كافي نفسي شرهم”

شحاتة أفندي: “أهبل، لامؤاخذة يعني”

المعلم شوشة: “لكم دينكم ولي دين، أنا أكبر دعوة بادعيها في صلاتي اللهم اكفني شر غواية النفس، آه حاكم ما فيش حاجة تذل البني آدم قد الغواية، أمّال، غية البني آدم للأكل بتذله لبطنه، غيته للحريم، بتذله ليهم وتخليه يجري وراهم.. لكن البني آدم التمام لازم يتغلب على مشتهوات نفسه ويدوس عليها”.

شحاتة أفندي: “يا سلام! هي الدنيا فيها إيه غير شوية المشتهوات اللي بتتكلم عليها، لما تدوس عليها، تعيش ليه! ما تروح تندفن أحسن”.

لعبة الموت

في رواية يوسف السباعي يموت السقا بانهيار البيت عليه، بينما أراد له “صلاح أبو سيف” أن يعيش في فيلمه، ليغير ذلك المصير المأسوي ويترك لنا أملًا في الحياة، فبدلًا من أن يتوفى السقا يموت شحاته، ويلعب الموت لعبته المفضلة مع “شوشة” من جديد ويخطف صديقه ومعلمه الذي علمه الحياة، مات شحاته وترك شوشة في مواجهة صعبة مع الموت
يضيف هنا “صلاح أبو سيف” مشهدًا خارج الرواية، حيث يذهب “شوشة” غاضبًا مكلومًا إلى المقابر ليواجه الموت وحده، ويصرخ فيه بأعلى صوته قائلًا:

“جبان ، الموت جبان، مش عارف.. مش عارف ألاعيبك وعمايلك تحب تستخبى ورا شومة، ورا سكينة، ورا صرخة عيل بيتولد، بتنزل علشان تخطف أمه، مش دى لعبتك؟ مش هى دى؟ استفدت إيه؟ إيه اللى بتكسبه لما تفرق الحبايب و تيتم العيال؟ إيه؟”

“اظهر ، اظهر يا جبان مش خايف منك، عارفك مش ممكن تيجى لما نطلبك بتيجى وقت لما نكون مش عايزينك، وزى البهلوان تخطف الروح بإيد خفيفة، تسرقها و تهرب وتختفى تانى علشان نفضل العمر كله مستنيين لعبتك اللى جايه”.

“بتستفيد إيه؟ إيه اللى بتكسبه لما تفرق الحبايب و تيتم العيال؟! تعالى خلصنى منك و من ألاعيبك السخيفة، تعالى زود اليتامى ما أنت بتفرح بمناظرهم، تعالى انشر رعبك و الخوف منك مادام دا بيبسطك، مادام الحزن لعبتك اللى بتعجبك اشرخ.. اشرخ فى القلوب زى ما أنت عايز، يتم العيال زى ما أنت عايز، العب بينا يا موت، إلعب لعبتك”.

مذهب الشيخ سيد

يترك شحاته حلته التي كان يحضر بها الجنازات فيعود بها شوشة إلى الحانوتي الذي كان يعمل معه شحاته ليتصدق بها رحمة ونور على روحه، ليقابل الشيخ سيد كبير المعددين ويقنعه أن يرتديها هو ويعمل بديلًا لشحاته ليجد شوشة نفسه وسط جنازة يبكي بكاءً شديدًا فيسمعه الشيخ سيد ويقول له: “بتعيط على ايه يامعلم شوشه على الميت ولا علي ايه؟”

شوشة: “على الميت طبعا”

الشيخ سيد: “ليه جعان ولا عطشان؟ ولايمكن بردان؟ طب ده الميت هو اللي حقه يعيط علينا، ياعالم اعقلوا بقى ماتضحكوش الأموات علينا، تصدق بالله.. عليا الطلاق أنا يوم ما ارقد رقدته دي لاكون

طالع لكم من الخشبه ومطلع لكم لساني يامغفلين”.

في سياق آخر يقول الشيخ سيد: “هو ربنا عايز ايه من النفر مننا غير إنه ميضرش أخوه، وبعدين يعمل زي ماهو عايز”.

2 تعليقات

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة