عالم بلا جيوش

هل يمكن للعالم أن يصبح يوما.. بلا جيوش؟

لا ألومك البتة ان كنت ترى هذه الفكرة خيالية أو مغرقة في التفاؤل أو مستحيلة التحقق، فلو أننا سألنا أحد سكان أثينا منذ ثلاثة آلاف عام – أى قبل أن يقوم فيليب المقدوني بتوحيدها تحت حكمه عام 337 قبل الميلاد – عن منطقية احتمال أن تصبح بلاد اليونان كلها بلد واحد تحكمها حكومة واحدة بجيش واحد يواجه أعداء الخارج، ولا يمكن له التدخل في النزاعات الداخلية لأتهمنا بالخرف والمبالغة في التفاؤل. فالأصل والمنطقي بالنسبة لهذا الشخص الذي لم يعاصر توحيد اليونان أن تقوم كل مدينة بحكم نفسها بشكل مستقل، وأن تمتلك جيشها الخاص للدفاع عنها ضد الأطماع التوسعية لباقي المدن والممالك.

وعلى العكس من ذلك، فلو أننا سألنا مواطنا فرنسيا اليوم عن احتمالية نشوب حرب بين فرنسا وألمانيا أو فرنسا وانجلترا لاتهمنا بعدم المنطقية وتجاهل حقائق التاريخ، التي قضت بأن تتوحد أوروبا رغم ما يزيد عن الالف عام من الحروب الطاحنة بين شعوبها، خاصة الشعب الفرنسي والشعب الإنجليزي ثم الشعب الألماني. اليوم ورغم خروج إنجلترا من الاتحاد الأوروبي إلا أنه لا يمكن لأشد المتشائمين أن يتصور أن تندلع حرب بين الجيوش التي يتكون منها حلف الناتو وتتكون من دولها أحد أهم وأقوى التكتلات السياسية والاقتصادية في التاريخ.

قد يقول قائل أن هذه الأمثلة ليست دليلا على أن العالم يتجه نحو الوحدة وأن الحاجة لوجود الملايين من الجنود المدججين بكل أشكال الأسلحة لمواجهة بعضهم البعض لن تنعدم قريبا، بل ان الدافع وراء تلك النماذج الوحدوية كان مواجهة عدو خارجي، أي أن الحاجة للجيوش وجاهزيتها تزداد ولا تقل، وربما يكون هذا صحيحا على الأقل على المدى القريب والمتوسط.

لكن إذا نظرنا للتاريخ بشكل شامل نستطيع أن نجد بسهولة أن هناك نمطا يتكرر على مدار التاريخ البشري، حيث تتجه الجماعات البشرية إلى التقاتل عندما تقل الموارد المتاحة عن اشباع حاجات ورغبات الجميع، وقد تطول تلك الحروب لسنوات أو حتى قرون ويستخدم فيها كل المعارف التقنية والعسكرية لهزيمة واخضاع “الأعداء” الذين قد يكونون أفراد جماعات أو ديانات أو أعراق اخرى.

لكن مع التطور في المعارف البشرية تزداد قدرة الجماعات البشرية على استغلال الموارد بشكل افضل لإشباع حاجاتها، مما يمهد بشكل عام إلى أن يصل المتحاربون إلى صيغ جديدة للتعامل فيما بينهم، فيتحول أعداء الأمس إلى أصدقاء أو حلفاء اليوم، بل وفي الكثير من الحالات تندمج الكيانات المتقاتلة في كيان أكبر يوحد صفوفهم أمام الكيانات الأخرى ويسهل تنظيم عملية استغلال الموارد لتكفي الجميع في ذلك الكيان الجديد.

على سبيل المثال ظلت مصر لآلاف السنين عبارة عن قرى بدائية لكل منها كبرائها وعاداتها وتقاليدها ومعبوداتها الخاصة، حتى تطورت تلك القرى لتكوين كيانات اكبر تستطيع أن تنظم مواردها – خاصة النيل – بشكل أفضل، ثم يخبرنا التاريخ – الذي لم يكن قد بدأ تدوينه بعد – عن تكون دولتان قويتان تجاورتا، أحدهما في الشمال والأخرى في الجنوب، وكان لكل منهما نظامه السياسي والديني الخاص به وحاربت جيوشهما بعضها البعض حتى قامت دولة مصر الموحدة تحت حكم الملك نارمر، أول مصري يحكم القطرين الشمالي والجنوبي حوالي عام 3100 ق. م. ليبدأ التاريخ وتبدأ دولة مصر الموحدة.

وهذا النموذج تكرر كثيرا بعد ذلك, فاليابان مثلا عاشت معظم تاريخها عبارة عن دويلات متقاتلة حتى توحدت تحت حكم حكومة امبراطورية موحدة ما بين القرنين الرابع والتاسع الميلادي، ولا يمكن لأحد أن يتصور اليوم أن تعود اليابان لدويلات متفرقة مرة أخرى لأن الفوائد التي تعود على الشعب الياباني من الوحدة أكبر بكثير من التفرق والتناحر الداخلي.

فهل يمكن أن يحدث ما حدث في مصر واليابان وأوروبا وغيرهم بشكل أكبر، على مستوى الأرض كلها؟

هذا ما سنجيب عنه ان شاء الله في مقالنا القادم

1 تعليق

  1. بلا ادني شك لدي
    فإنني على قناعه بأن الجيوش ستنتهي
    من باب العقل والمنطق وليس من باب التمني والاحلام

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة