الأطفال المكفولة.. حقوق ضائعة في دوامة التمييز والتعنت

منذ 8 سنوات قررت الكاتبة دينا الغمري أن تكفل طفلًا من إحدى دور الرعاية، ذلك الحلم الذي راودها منذ أن كانت في العشرينات من عمرها، حيث أنها اعتادت حينها على زيادة دور الرعاية، وكان العائق أمام دينا هو القوانين.

تغير القانون وأصبح للسيدات الذين تخطوا سن الثلاثين دون الزواج حق الكفالة، وهو ما دفع دينا لتحقيق حلمها القديم في الكفالة، لتعيش من بعدها أسعد لحظات عمرها مع طفلها، لكن يظل هناك بعض العوائق التي تؤرق دينا، بسبب نظام الكفالة في مصر، وهو ما دفعها لإعداد مشروع لتنظيم الكفالة في مصر يضع مصلحة الطفل في المقام الأول.

دينا والتي هي في العقد الرابع من عمرها تحكي عن تجربتها قائلة: “إن الصعوبات والأزمات التي تواجه نظام الكفالة في مصر ليس خلال الإجراءات العادية، لكنها تظهر بعد الكفالة، بداية من النظرة لأولادنا وأن هناك حالة (استكتار) على هؤلاء الأطفال ما يقدم لهم من قبل الأسر الكافلة، مرورًا بالعوائق الروتينية التي تفرضها وزارة التضامن. على سبيل حينما أقدمت على إلحاق ابني بمدرسة وطلبت ورقة من الوزارة لهذا الأمر، رفضوا بحجة أن المدرسة مصروفاتها مرتفعة التكلفة”.

وأضافت أن حقوق الأطفال المكفولة (مجهولي النسب) مهدرة بشكل كبير، وأضافت: “أكثر ما يشعرني بالغضب هو البيروقراطية التي تهدم ما أحاول أن ابنيه لطفلي، فعلى سبيل المثال؛ أنا أحاول دعم طفلي في رياضته المفضلة، لكن في حال تفوقه لن يستطيع أن يمثل مصر دوليًا لأنه طفل مكفول، وهذا يندرج تحته أمثلة كثيرة جدًا”.

وأشارت الأم الكافلة إلى أن وزارة التضامن تتعامل مع الأطفال على أنهم ملك خاص لهم، والأمهات الكافلات عبارة عن مربيات أطفال وفقط. قائلة: “لو قررت أكتب حاجة لإبني من حر مالي مقدرش أتصرف فيها ولازم أرجع للوزارة في كل شيء ويا تسمح يا لأ”.

تتمنى دينا أن يتغير وضع الأطفال الموجودين في دور الرعاية، كما تتمنى أن يتم تحسين وضع نظام الكفالة في مصر. إذ تقول: “انتهيت من كتابة مشروع قانون للكفالة ينظر إلى الموضوع بطريقة مختلفة، وهو أن الطفل المكفول يعامل معاملة الطفل البيولوجي، له كل حقوق الطفل البيولوجي”. وأوضحت أن مشروع القانون يعلي مصلحة الطفل الفضلى، وينظر إلى البعد النفسي للأطفال وكيفية علاجهم من الترومات سواء تم كفالتهم أم لا.

يستهدف مشروع القانون الذي أعدته الغمري، غلق دور الأيتام بحلول عام 2040، وذلك لإعطاء فرصة لخروج الأطفال الموجودين حاليًا بدور الرعاية، ومن ثم إنشاء ما أسمته بأسرة صغيرة أو بيت العيلة وهو بديل لدور الأيتام وبنظام مختلف بحيث ألا يشعر الطفل بأنه موجود في دار أيتام وإنما هو جزء من عائلة.

عن القانون أيضًا تقول دينا: “أثناء كتابة مشروع القانون كان كل همي الطفل من وقت ولادته، ليس فقط الطفل المكفول، ولكن أيضًا الطفل الذي يتعرض للإساءة من أفراد عائلته، وكيفية حمايته من الانتهاك، بالإضافة إلى تقنين فصل الطفل عن عائلته ولا يكون الأمر متروك دون نظام أو قانون، فضلًا عن المعايير التي يتم بها اختيار أسرة بديلة”.

“للأسف وزارة التضامن تسمي الأسر الكافلة بالأسر البديلة، بينما الدول الأخرى تطلق أسم الأسر البديلة على الأسر التي تستضيف الأطفال المعنفة أو التي تتعرض للإيذاء من أسرها حتى يتم حل أزمته، كل هذا رعاه مشروع القانون الذي وضع فيه معايير لكل شيء ولم يترك شيئًا للتلاعب، لأن عدم وجود قانون وترك الأشياء للمسؤولين جعل هناك حالة من عدم النظام والتضارب في القرارات التي تتغير بتغير المسؤولين -بحسب الأم الكافلة.

تأمل دينا أن تتغير نظرة المجتمع والدولة للأطفال المحرومة من الرعاية الأسرية. وتختتم حديثها: “طول ما النظرة ملكية يبقى لا أمل في حل أزمة هؤلاء الأطفال”.

مبادرة كفالة طفل مسيحي

تشارك مارلين ناجح مؤسسة مبادرة كفالة طفل مسيحي دينا في أمنيتها بتغير نظرة الدولة والمجتمع للأطفال المكفولة، إذ أنها ترى أن هؤلاء الأطفال يستحقون أن يعيشوا حياة طبيعية لأنهم في النهاية ضحايا لم يختاروا ما تعرضوا إليه.

“بدأت في التفكير في المبادرة عام 2019، لكن على أرض الواقع بدأت في التنفيذ عام 2021، وجاءت الفكرة أثناء عملي في إحدى المؤسسات الخيرية، والتي كانت يتبعها دار تتيح كفالة الأطفال، وحينها كنت لأول مرة أسمع عن نظام الكفالة، شعرت بأهمية الفكرة وانسانيتها وخصوصًا مع علمي أن مصر لا يوجد بها تبني وفقًا لمعلوماتي حينها”. هكذا بدأت مارلين ناجح متحدثة عن مبادرة كفالة طفل مسيحي.

تقول مارلين: “خلال فترة عملي بدأت أطلع على المعلومات والتفاصيل التي تخص نظام الكفالة في مصر، وما شجعني أكثر هو متابعتي لحالة الأطفال التي تغيرت كثيرًا بعد كفالتها بأشهر أو سنة، من متابعتي للأطفال الذين تم كفالتهم وجدت أن هناك تغير كبير طرأ على ملامحهم وتصرفاتهم وشخصياتهم بسبب الكفالة على الرغم من صغر سنهم”.

 تستكمل: “خلال هذه الفترة تعرفت على أم كافلة مسلمة وتولد لدينا شعور بالمسؤولية تجاه هؤلاء الأطفال، ولذلك قررنا في بدء المبادرة والتي بدأنا العمل عليها عام 2021. لكن كان لدي سؤال عن الأطفال المسيحيين الموجودين في دور الرعاية وحقهم في الكفالة والعيش مع أسرة كافلة تساعدهم على تغيير حياتهم مثل الأطفال المسلمين”.

مع بدء المبادرة، بدأت عن طريق وسائل الاتصال المختلفة في استقبال قصص عن أسر مسيحية تتمنى أن تكفل طفل لكنها لم تعرف الخطوات والإجراءات المطلوبة، فبدأت في مساعدة كل أسرة على حدة، وبالتوازي كانت صديقتي وشريكتي في المبادرة المسلمة تفعل نفس الشيء مع الأسر المسلمة”.

“الأطفال المسلمة الموجودة في دور رعاية منهم معروف نسبه وله عائلة ولكن تم إيداعه في دار الرعاية لأسباب ما، ومنهم آخرون مجهولي النسب وهو ما يسهل من موضوع الكفالة، لكن الأطفال المسيحيين في دور الرعاية جميعهم معلومي النسب ولهم أسر، وهو ما يجعل أمر الكفالة صعب جدًا سواء على مستوى الشق القانوني أو المجتمع فيما يخص العادات والتقاليد، فالكثير من الأسر توافق على أن أولادهم يتربون داخل دور رعاية ولا يتم كفالتهم من أسر أخرى”. هكذا تقول ماريان.

وأوضحت أن من ضمن الأزمات التي تواجه الأسر المسيحية، أنه في حالة كفالة الطفل وهو بالطبع معلوم النسب لابد من حضور طرف من أطراف العائلة ذي صلة لتوقيع تنازل في مكتب الشؤون الاجتماعية بوزارة التضامن وهو كثيرًا ما يعيق إتمام عملية الكفالة. هذا بالإضافة إلى عدم وجود قانون يحمي حق الأسر الكفالة، فمن الممكن بعد كفالة الطفل بسنوات تطالب الأسر البيولوجية بعودة طفلها من الأسرة الكافلة، لكن وقتها يفصل في الأمر المحكمة التي تستعين حينها بعدد من المختصين في وزارة التضامن لإعداد تقرير مفصل والفصل في الأمر. منوهة إلى أن القواعد والقوانين التي تعوق الأسر فيما يخص المعاملات المالية للطفل المكفول نفسها سواء للأطفال المسيحية أو المسلمة.

تفرقة وتمييز ضد الطفل المكفول

عن الأزمات والمعوقات التي تواجه الأسر الكافلة تقول المحامية أية حمدي: “لا يوجد فرق في إجراءات الكفالة بين الأسر المسيحية والأسر المسلمة، فوفقًا للقانون الحالتين يخضعان لقانون الطفل، وبعض القرارات الصادرة عن وزارة التضامن الاجتماعي واللائحة التنفيذية للأسر البديلة”.

وأوضحت أن العقبات تكون فيما بعد الكفالة، أي بعد انتقال الطفل من دار الرعاية إلى منزل الأسرة الكافلة، إذ أن الأسر حينها تواجه مشكلات مع البيئة الخارجية مثل الجهات الحكومية أو النوادي، فهناك تفرقة وتمييز بين الأبن البيولوجي والأبن المكفول، فعل سبيل المثال بعض النوادي ترفض إعطاء أحقية في العضوية للطفل المكفول، بالإضافة إلى أنه في حالة انفصال الأبوين الكافلين المرأة حينها لا تستطيع رفع قضية نفقة على الأب الذي كفل معها الطفل بمحض إرادته، وهذا لكل الأسر، فضلًا عن أنه في حالة وفاة الأب الكافل لا يستطيع الطفل المكفول صرف معاش والده بعكس الطفل البيولوجي رغم عدم تعارضه مع الشريعة لأن المعاش نظام مدني في الأساس.

وأكدت المحامية أن الأطفال المكفولين لا يورثوا طبقًا للقانون الذي يستند في الميراث إلى الشريعة الإسلامية، لكن من الممكن أن يكون هناك هبة أو بيع وشراء من الأسرة الكافلة للطفل المكفول.

في السياق طالبت إلهام عيداروس وكيل المؤسسين في حزب العيش والحرية – تحت التأسيس، بضروة النظر إلى الأسر الكافلة بعين الاعتبار أكثر من ذلك، لأنها فئة كبيرة جدًا في المجتمع المصري، والتي ازدادت خلال السنوات الماضية.

وتعتبر إلهام أن توسع أعداد الأسر الكافلة مؤشر إيجابي جدًا، رغم المعوقات التي تواجه هذه الأسر. وأوضحت أن الأسر الكافلة ليس لها ولاية على أولادها، ولا لها حق التصرف حال قررت وضع أموال في البنك بأسماء الأطفال المكفولة، إلى جانب صعوبات ومشكلات أخرى تواجهها بعد الكفالة. مؤكدة على ضرورة وجود تشريع منظم للكفالة في مصر يراعي الأسر الكافلة ويضع مصلحة الطفل في المقام الأول.

وأشارت إلى أن الطفل المكفول محروم من الحياة الطبيعية، مثل دخول الكليات العسكرية والحربية وتقلد الوظائف التابعة للدولة والتي تتطلب قيد عائلي، كما أنه محروم من المسابقات الرياضية العالمية وفي نفس الوقت ملزم بالتجنيد حتى لو وحيد أهله، لأن الدولة لا تعتبر أن أهله الكافلين هم أهله. لذلك لابد أن تغير الدولة هذه النظرة وأن تتعامل مع الطفل المكفول معاملة الطفل البيولوجي “يعني مساواة كاملة في كل الأمور المدنية”.

وأكدت عيداروس على ضرورة إصدار تشريع كامل وشامل ينظم أوضاع الأطفال المكفولين، ويقر بتطبيق قانون الأحوال الشخصية عليهم سواء في النفقات أو الرؤية أو غيرها، فحاليًا لا يوجد ما يلزم الأب بالنفقة ولا ما يلزم الأب برؤية الأب للصغير.

كما أشارت إلى ضرورة تقنين الأمور المرتبطة بالدين في صورة مواد قانونية وليس مجرد فتاوى شرعية غير مقننة، فعلى سبيل المثال صدرت فتوى من شيخ الأزهر بأن أي عقار أو مال كتب للطفل المكفول يؤول لمن كتبه في حال وفاة الطفل بدون ورثة، وهذا أمر مهم لتعويض الأولاد عن الحرمان من الميراث. ولكن هذا الأمر غير مقنن في شكل قانوني يحميه.

واختتمت عيداروس حديثها قائلة: “من الضروري تيسير الكفالة على الأسر المسيحية التي ترغب ذلك، لكي يستفيد منها الكثير من الأطفال المسيحيين الذين فقدوا أسرهم وذلك بإصدار وزارة التضامن توجيهات واضحة لدور الأيتام المسيحية. وفي نفس الوقت يجب انتهاء الحرمان التاريخي غير المبرر للمسيحيين في مصر من التبني الذي تقره شرائعهم وتعتبره من الفضائل الكبرى”.

تجيز الشريعة المسيحية التبني، وفًقا لنص المادة 110 من لائحة الأقباط الأرثوذوكس الصادرة عام 1938، والتي تنص على أن التبني جائز للرجل والمرأة سواء كانوا متزوجين أو غير متزوجين وفقًا لعدة شروط أهمها أن يكون المتبني تجاوز سن الأربعين، وألا يكون له أولاد ولا فروع شرعيون وقت التبني، وأن يكون حسن السمعة.

وظل حق التبني مقرّا للمسيحيين المصريين في لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذوكس، حتى وضع نص المادة التي تقر أن مبادئ الشريعة مصدر رئيسي للتشريع لأول مرة في دستور 1971. ومع وجود هذا التعارض بين اللائحة والدستور، حظر قانون الطفل الصادر عام 1996 التبني بشكل قاطع.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة