في قضائي المصري النساء لا تطبق عليهن سلطة الرأفة لتخفيف العقوبة

إن السلطات التقديرية للمنصات القضائية التي تتكون من أشخاص عاشوا في ذلك المجتمع الذي يحكمه النظام الأبوي ويستندوا على قوانين وضعها هذا النظام، جعلتنا اليوم نرى أحكامًا غير منصفة، وكانت المقارنة واضحة عند الحكم على فتاتين لم يتجاوز عمرهما 18 عامًا بالحبس 10 سنوات، بسبب سعيهما لتوفير فرص عمل وتحقيق ربح مادي عن طريق استخدامهما لخاصية البث المباشر على وسائل التواصل، من دون استخدام الرأفة معهن طبقًا للمادة 17 من قانون العقوبات، فيما تم تطبيق تلك المادة على شاب قام بجريمة قتل عن عمد مع سبق الإصرار، جريمة لا تقبل الشك في أي تفصيلةً بها.

إن دعم الوصاية الأبوية على أجساد النساء برعاية القانون يزيد من الجرائم التي تُرتكب تجاه النساء سواء في الشارع أو أمام منصات القضاء، فأصبحت الآن النساء غير آمنة في المجتمع أو أمام القانون نفسه، ولذلك سوف نتناول قضايا متفاوتة وأحكام نرى من خلالها كيف استُخدمت المادة 17 من قانون العقوبات بحق استخدام سلطة الرأفة كسلطة تقديرية.

فتيات التيك توك

في إبريل 2020 أصدرت النيابة العامة أمر ضبط وإحضار لحنين حسام لاتهماها بالاعتداء على مبادئ وقيم الأسرة المصرية، وإنشاء وإدارة مواقع وحسابات خاصة عبر تطبيقات للتواصل الاجتماعي بهدف ارتكاب وتسهيل تلك الجريمة. هذا بجانب اتهامات بالإتجار بالبشر، باستخدام فتاتين – إحداهما قاصر – في أعمال منافية لمبادئ وقيم الأسرة المصرية، والحصول على منافع مادية في مقابل ذلك.

وحركت النيابة العامة دعويين: الأولى خاصة بالاتهامات المُسندة لقانون جرائم تقنية المعلومات رقم (175) لسنة 2018 وقانون العقوبات، وتم نظر الدعوى أمام المحكمة الاقتصادية، أما الثانية فكانت بموجب قانون مكافحة الإتجار بالبشر وقانون الطفل وقانون العقوبات أمام محكمة الجنايات. مع العلم أن تحرك النيابة العامة لم يأت وفق بلاغ رسمي من شخص بعينه لوقوع ضرر عليه، بل كان بعد رصد تفاعل واسع ومشاركات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وبناءً عليه تحركت الأجهزة الامنية وقامت بالقبض على حنين حسام، لتعلن النيابة العامة عن ذلك في بيان رسمي، مستخدمة نفس الألفاظ والمصطلحات التي استخدمها بعض (المبلغون) بعد ذلك والتي أدانت ووصمت الفتاة قبل صدور حكم قضائي ضدها. وفي 14 مايو 2020 ألقي القبض على مودة الأدهم لتنضم لنفس قضية حنين حسام.

وفي يوليو 2020، صدر حكم أول درجة من المحكمة الإقتصادية في الدعوي الجنائية رقم (479) لسنة 2020 جنح الاقتصادية، على كلًا من حنين ومودة و3 آخرين بالحبس لمدة عامين، مع تغريم كل منهما مبلغ وقدره ثلاثمائة ألف جنية، وجاء الحكم تأسيسًا على مواد قانون العقوبات وقانون تقنية المعلومات، وجاء في منطوق الحكم ما يلي: «وجب على كل أبٍ وأم حملا على عاتقهما أداء الرسالة تجاه أبنائهم الحرص كل الحرص على حمايتهم وتنشئتهم حافظين لتلك الأمة ومبادئها وأخلاقها، والنأي بهم عن أمور وضعت كذبًا وبهتانًا تحت مظلة التقدم والفضاء المفتوح والتي تحوي أفكارًا وممارسات ظاهرها التطور وباطنها الإثم والانحدار الأخلاقي».

وفي 12 يناير 2021، وبعد حبس تلك الفتيات ما يقرب من 9 أشهر، حكمت الدائرة الاستئنافية بالمحكمة الاقتصادية، حكمًا نهائيًا ببراءة حنين حسام واثنين آخرين، بينما تم إلغاء حكم حبس مودة الأدهم ومدير صفتحتها مع غرامة كل منهما 300 ألف جنية عن تهمة نشر فيديوهات فاضحة. وبالرغم من أن المحكمة الاقتصادية لم تأخذ بالتحريات والاتهامات الموجهة للفتاتين، أحالتهما النيابة لمحكمة جنايات القاهرة بمقطع فيديو مصور كدليل إدانة بناءً على الوصف القانوني للمادة الأولى من قانون مكافحة الإتجار بالبشر.

ثم في يونيو 2021 أصدرت محكمة جنايات القاهرة على الفتاتين في القضية رقم (4917) لسنة 2020 جنايات قسم الساحل، والمُقيدة برقم (2106) لسنة 2020 كلي شمال القاهرة، بالسجن المشدد 10سنوات غيابيًا على حنين حسام، والسجن المشدد 6سنوات وغرامة مائتي ألف جنيه على مودة الأدهم وثلاثة أخرين. وقال رئيس محكمة الجنايات في وصفه لمسسبات الحكم أن: «وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، أغلبنا يلج إليه في جانبه السلبي الهادم للقيم والأخلاق، والسعي الحثيث الأعمى للربح لهذه الشركات القائمة عليها، يحكمها قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، فكانت الرذيلة والفاحشة دأبها لتحقيق المعدلات القصوى لمتابعيها، وهدم قيمنا غايتها».

وفي 11 فبراير الماضي، رفضت محكمة النقض طعن مودة الأدهم وأيدت حكم حبسها 6 سنوات وغرامة 200 ألف جنيه، في القضية رقم 4917 لسنة 2020 جنايات الساحل، والمقيدة برقم 2106 لسنة 2020 كلي شمال القاهرة.

الرجال لهم نصيب من سلطة الرأفة

تلك الأحكام التي تكونت عقيدتها استنادًا إلى توجهات شخصية من نبع المجتمع، ذات اعتبارات أخلاقية ومنظومة أبوية تشبثت بما يفرضه ذلك المجتمع.  ونستعرض هنا قضايا كانت سلطة الرأفة في صالح رجال ارتكبوا جرائم عمدية.

ففي نوفمبر 2021، طالعتنا الجرائد بخبر الحكم بالسجن 3 سنوات لإبن قتل والدته بسبب انتشار فيديو إباحي لها، حيث جاء حكم الدائرة الثالثة بمحكمة جنايات أسيوط على المتهم بالسجن ثلاث سنوات لقتل والدته، بعد انتشار فيديو لها يتضمن علاقة مما أثار غضب ابنها (علاء.ن.م) المتهم، فقام بمواجهة والدته والتي أقرت بارتكاب هذا الفعل، لأن هذا الشخص زوجها، فلم ينتظرها حتي تقوم بإثبات ذلك وقام بالتخلص منها، حيث قام بمساعدة آخرين، بوضع سم لها في الشراب (مبيد حشري) وأجبرها على تناوله، وانتهت حياة تلك السيدة تحت ما يسمي الانتقام لشرفه.

وبما أن قانون العقوبات يُجيز للمحاكم الجنائية أن تستخدم الرأفة بحق المتهمين الذين تنظر محاكمتهم وفقًا لضوابط حددها القانون في شأن تخفيف العقوبات في مواد الجنايات، وهو ما يعرف في الأوساط القضائية بـ(المادة 17)، وهي المادة التي تتيح استخدام ذلك الحق من قبل المحاكم.

وفي 19 نوفمبر 2020 صدر حكم تخفيف العقوبة من السجن 6 سنوات إلي 6 شهور، في قضية مقتل نجل مذيعة قناة النهار مرورة ميمي، وأقرت تحريات المباحث في هذه القضية بأن المجني عليه توفي على يد المتهم بطلق ناري داخل شقة بالزمالك، وأن السلاح المضبوط مرخص ويخص والد المتهم، وهو ما قامت به السلطة التقديرية للقاضي بتخفيف العقوبة.

وتشير (المادة 17) من القانون إلى أنه: «يجوز في مواد الجنايات إذا اقتضت أحوال الجريمة المقامة من أجلها الدعوى العمومية رأفة القضاة تبديل العقوبة».

لنجد في نهاية المطاف أنه من المهين أن يتم توقيع أحكام شديدة غير منصفة ضد فتاتين لم يكملا الـ18 عامًا، في حين يتم استخدام الرأفة مع شاب ارتكب جريمة قتل مكتملة الأركان، استنادًا إلى أن الفعل الذي ارتكبه قد يراه البعض مدعومًا من المجتمع، وشاب آخر ارتكب جريمة قتل مكتملة الأركان، فهل للمنصات القضائية مراجعة سلطتهم التقديرية من أجل العدالة؟!

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة