التعويم وآثاره

0
79
Google search engine

سيؤدي التعويم في ظل الوضع الاقتصادي المتدني وقلة النقد الأجنبي إلى رفع الأسعار بشكل كبير، كما يقلل من القوة الشرائية للجنيه المصري، مما يرفع أسعار المنتجات أكثر سواء كانت مستوردة أو محلية، ويرتفع معه مستوى التضخم. ولذلك تسعى الحكومة لزيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي، ليس عن طريق تنشيط السياحة، ولا من خلال زيادة التصدير وتقليل الاستيراد، ولكنها سلكت الطريق الأسهل وهو الودائع والقروض من عدة أماكن، مثل السعودية والصين والإمارات، وقرض صندوق النقد الدولي. وتسبب الانخفاض المستمر في قيمة الجنيه في معاناة المصريين من أزمة اقتصادية مزدوجة، تتمثل في فقدانهم معظم قيمة مدخراتهم بالعملة المحلية من جهة، وارتفاع أسعار السلع والخدمات من جهة أخرى.

فالجنيه المصري كان مقدرًا بأكثر من قيمته بنسب مختلفة، ولكنها في كل الأحوال لا تقل عن 15%، قبل الأزمة الروسية الأوكرانية، حيث كان البنك المركزي يتبع سياسة التعويم المدار، أي أنه هو الجهة الوحيدة التي تقرر سعر صرف الجنيه، وليس آليات العرض والطلب، وهو ما أدى في النهاية إلى نتائج عكسية.

وإذا أرادت الحكومة تحديد سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأخرى، يجب أن تمتلك سيولة كبيرة من العملات الأجنبية تستطيع من خلالها التحكم في قيمة الجنيه إداريًا، بدلًا من اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، وهذا غير متحقق حتى الآن. ولكن بتحليل سياسة البنك المركزي المصري فإن خفض الجنيه لا تتحكم فيه أسباب اقتصادية فقط، بل سياسية أيضًا، وهذه الأسباب السياسية لها علاقة بالارتفاع الكبير للأسعار وما يترتب عليه من آثار اجتماعية سلبية.

تظل مسألة قيمة الجنيه محل شد وجذب بين مصر وصندوق النقد الدولي، فتخفيض الجنيه قد يقلل من الفجوة التمويلية، من خلال تقليل الواردات التي ستصبح أغلى، وزيادة الصادرات التي ستصبح أرخص، لكن لهذا التخفيض أعراضًا جانبية كبيرة، أبرزها غلاء الأسعار، خاصة في وجود معدلات تضخم مرتفعة.

وتتحمل الحكومة المصرية المسؤولية بسبب قيامها بتثبيت سعر الصرف منذ عام 2017، رغم أزمات الدول الناشئة وأزمة وباء «كوفيد 19» وصعود أسعار الفائدة وارتفاع تكلفة الطاقة والغذاء، واعتمادها فقط على الأموال الساخنة لتمويل عجزها، وبالتالي تراكمت الصدمات حتى احتاجت إلى تغيير كبير في سعر الصرف، بدلاً من التعديل التدريجي على عدة سنوات.

وتتوقف إيجابية تدخل البنك المركزي على معدل التضخم المستهدف ومعايير الاستقرار المالي المحددة من قبل، ولكن في ظل الاقتصاد العشوائي غير المنضبط، وعدم وجود سياسة اقتصادية ومالية واضحة، يتحول دور البنك المركزي إلى ذراع إداري للسلطة التنفيذية، وهو ما يتعارض مع قوانين إنشاء البنوك المركزية التي تنص على ضمان استقلاليتها عن الحكومة، فيجب ألا تتحكم الدولة في سعر الجنيه وتمنعه من الخضوع لآليات السوق والعرض والطلب، ولكن يجب أن يوازي ذلك إعادة هيكلة للاقتصاد المصري ليصبح اقتصادًا منتجًا، بدلًا من الاقتصاد الريعي أوالجبائي، بحيث تضاف إيرادات جديدة بالعملة الأجنبية ويزداد الإنتاج والصادرات وتنمو السياحة مما يساعد الدولة على سداد ديونها وتحسين وضعها الاقتصادي.

ولتعويم الجنيه آثار كبيرة على كافة القطاعات الاقتصادية المصرية، وخاصة القطاع السياحي، سواء بشكل إيجابى أوسلبي، فالجانب الإيجابى لتحرير سعر الصرف يتمثل في ارتفاع معددلات الشراء من قبل السائحين للسلع المصرية، وزيادة نسبة إشغال الفنادق بسبب انخفاض فرق العملة، مما يؤدي إلى زيادة الحركة السياحة والسفر إلى مصر، نظرًا لانخفاض تكلفة معيشة السائح الأجنبي الذي ينفق بالدولار مقارنة بالمواطن المصري، بالإضافة إلى زيادة التعاقدات بين الشركات السياحية خارج مصر، مما ينعش سوق السياحة المصري.

أما الجانب السلبي لارتفاع سعر صرف الدولار أنه سيؤدي إلى ارتفاع قيمة تذاكر الطيران. وتكمن الأزمة هنا أن شركة مصر للطيران التزمت في كافة العقود المبرمة مع الشركات العالمية بدفع قيمة الوقود ورسوم المطارات بالدولار الأمريكي، كذلك تقوم بدفع مرتبات الطيارين بالدولار، مما يزيد الأعباء بالسحب من الاحتياطي الدولاري الذي تمتلكه الدولة. ومن السلبيات الأخرى ارتفاع تكلفة الحج والعمرة، ما أدى إلى انخفاض أعداد الرحلات السياحية الدينية، بسبب ارتفاع التكلفة، إلى جانب زيادة تكاليف الأجور على الشركات السياحية.

وفي النهاية إن تحرير سعر صرف الجنيه المصري «التعويم» له جوانب إيجابية وسلبية على الاقتصاد المصري والاستثمار، إذًا يجب على الدولة استغلال فرصة تحرير سعر الصرف بفتح أسواق جديدة للسفر إلى مصر لتقليل الآثار السلبية للتعويم، كما لا بد من قيام البنك المركزي بدوره في مساندة المشروعات الاستثمارية السياحية المتوقفة والمتعثرة وزيادة معدل الإنتاج المحلي، من خلال تشغيل المصانع بكامل طاقتها، مما سيؤدي إلى زيادة الصادرات وزيادة المعروض بالسوق، والعمل على حل جميع مشكلات الاستثمار وتذليل العقبات أمام المستثمريين الأجانب وجذب رؤؤس الأموال الأجنبية، وهذه الأموال تحقق فائضًا في العملات الأجنبية في السوق سيؤدي إلى ارتفاع قيمة الجنيه المصري.

مصدرشادى العدل
المقالة السابقةالعبور الجندري ما بين سياسات الإفقار والتمييز الاقتصادي
المقالة القادمةالحرية لهُن.. نرمين حسين قيد الحبس الاحتياطي للمرة الثالثة في 7 سنوات

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا