الدين والقانون وموقفهما من العنف ضد المرأة

0
137
Google search engine

«منك لله، لا شرع ولا قانون يقولولك تعمل في ولاد الناس كده»، جملة اعتادت النساء في مصر على ترديدها عند اعتداء الرجال عليهن بدعوى حقهم الشرعي في تأديبهن، وساعدهم على هذا الفهم العجز والقصور الشديدين في آليات وإجراءات التقاضي في قضايا العنف ضد النساء في مصر، خاصة العنف الأسري، فما حقيقة هذا الجدل؟ وما هو موقف الشريعة الإسلامية من العنف ضد المرأة؟ وهل يواجه القانون هذه الجرائم ويجرمها؟

كلها أسئلة تتكرر الإجابة عليها ويتكرر البحث عنها، ورغم ذلك تستمر الظاهرة في التزايد داخل المجتمع المصري، حتى كشفت أحدث دراسة صادرة عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية في 2022، أن 75% من نساء مصر يتعرضن للعنف. رصدت الدراسة الصادرة عن جهة حكومية أرقامًا وممارسات مخيفة تعكس واقع ما تتعرض لها الكثير من النساء والفتيات، بينما تظل الأزمة قائمة وتتصاعد لغياب الحلول الجذرية.

الشرع يبيح ضرب الزوجة «الناشز» بشروط: حتى لا تغرق الأسرة

أكد الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر أن القرآن احترم المرأة وكرمها،  وقال في تصريحات إعلامية: «علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النساء شقائق الرجال، وأوصى بهن خيرًا، فيجب احترامهن وتوقيرهن. العنف ضد المرأة، أو إهانتها بأي حال، دليل فهم ناقص، أو جهل فاضح، أو قلة مروءة، وهو حرام شرعًا».

وعن موقف الشريعة الإسلامية من ضرب الزوجات، يقول الطيب إن المبدأ موجود بالفعل، لكن تم ذكره في ضرب الزوجة «الناشز»، مشيرًا إلى أن الموضوع قد أسيء فهمه بسبب ما تتركه كلمة «ضرب» من وقع ثقيل على النفس، ولكن جوهر حقيقة الأمر ليس كما هو مصور لمن يريد لنفسه إهانة المرأة التي أوصى الإسلام بحسن معاملتها.

عرف شيخ الأزهر الزوجة الناشز بأنها «من لا تطيع زوجها فيما يجب عليها طاعته فيه شرعًا؛ كالخروج من المنزل بغير إذنه لغير حاجة، والامتناع عنه قصدًا بغير عذر، ونحو ذلك». وأكد أن حتى ضرب الزوجة الناشز قد أسيء فهمه. وعن كيفية تعامل الدين الإسلامي مع هذه الحالة، أوضح شيخ الأزهر، أن علاج النشوز كما بينه القرآن ثلاثة أنواع، أولها يكون بالموعظة، فإن لم تنفع يأتي العلاج الأكثر منه صعوبة وهو الهجر في المضاجع، فإذا لم يثمر هذا العلاج أيضًا يأتي العلاج الثالث، وهو الضرب، حتى لا تغرق الأسرة أو تهلك.

ويكمل الطيب حديثه: «علاج الضرب يساء فهمه لدى كثيرين، رغم ما حددته له الشريعة الإسلامية من ضوابط وحدود، بحيث لا يحدث أذى جسديًا أو معنويًا، لأن غرضه التهذيب لا الإيذاء، فالإسلام يقدس الأسرة بشكل لم يسبق له مثيل».

قوانين بلا أنياب.. تمييز ضد المرأة في النصوص وغياب تجريم بعض أشكال العنف

يقر القانون المصري الحماية للمرأة في قضايا ومجالات كثيرة، بينما تحتاج قضايا أخرى إلى تدخل المشرع الجنائي لمواجهة قصور الإجراءات والتشريعات الخاصة بحماية النساء من بعض صور العنف التي لا تزال تمارس ضدهن، في ظل مواد متناثرة في قانون العقوبات العام تُعرف العنف بشكل قاصر، وغياب تجريم بعض أشكال العنف في القانون، إلى جانب التمييز في عقوبات بعض الجرائم بين الرجال والنساء. أي أن هناك قوانين بالفعل، ولكنها بلا أنياب عند التطبيق.

وخلال السنوات الماضية أُدخلت تعديلات تشريعية على بعض القوانين المتعلقة بتجريم الزواج المبكر للفتيات، وتغليظ عقوبات جرائم التحرش والختان، إلى جانب التعديلات الخاصة بالطلاق والنفقة وقانون الخدمة المدنية وحقوق المرأة العاملة وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، لكن المدافعات والمؤسسات النسوية ترى أن الجهود لا زالت محدودة وغير مؤثرة، خاصة مع تكرار حوادث القتل وتصاعد وتيرة جرائم التحرش والعنف الجنسي والابتزاز الالكتروني، هذا بجانب عدم وجود قانون موحد يواجه العنف ضد النساء، واستمرار تجاهل البرلمان لمشاريع القوانين المقدمة من المنظمات.

يؤكد المحامي رضا الدنبوقي، مدير مركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونية، في تصريحات تليفزيونية، أن هناك بعض القضايا التي لا زالت بحاجة إلى تشريعات جادة لإنصاف المرأة، بينها:

– عدم صدور قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء.

– ضرورة توثيق التطليق، وأن يكون بيد القاضي، بعد مراعاة مصلحة المطلقة واستيفاء كافة حقوقها، على أن تكون الدولة داعمة للمطلقة، وتوفير سكن ملائم وآدمي للمطلقات غير الحاضنات أو اللائي لم ينجبن.

– إسناد الولاية التعليمية للأطفال للأم، وهو قرار وزاري ولكن لا يأخذ قوة القانون.

– ضرورة سن تشريع يعاقب فيه الزوج حال عدم إخطار الزوجة، والتلاعب والتواطؤ مع الغير قاصدًا عدم إخطار الزوجة بالزواج بأخرى.

– ضرورة تفعيل النفقة المؤقتة والإغاثة العاجلة كأحد بنود صندوق الأسرة داخل بنك ناصر الاجتماعي، لمساندة النساء لحين الفصل في القضايا المنظورة أمام المحاكم.

– إزالة الارتباط بين نص المادة (306) من قانون العقوبات والخاصة بالتحرش وتحقيق منفعة جنسية، فكثير من الوقت يكون غرض التحرش هو إذلال المرأة بغرض التحقير من شأنها والتقليل من قدرها ولفرض السيطرة الذكورية عليها.

– ضرورة النظر في وقف العمل وإلغاء نص المادة (60) من قانون العقوبات والتي تبيح التعدي على الزوجة والإبنة تحت نطاق حق التأديب باعتباره عملًا مقررًا بمقتضى الشريعة.

– يميز القانون بين الرجل والمرأة التي يثبت زناها، فالأخيرة تعاقب بالحبس سنتين طبقًا للمادة (274) من قانون العقوبات، أما الزوج الذي يثبت زناه في منزل الزوجية يعاقب بالحبس ستة أشهر، وفقًا لنص المادة (277) من القانون.

يعد التمييز في عقوبة الزنا بين الرجل والمرأة أحد أبرز مشكلات القانون الحالي، الذي لا تقوم فيه جريمة الزنا في حق الزوج من الناحية القانونية إلا إذا كان قد ارتكب الفعل في منزل الزوجية، بينما تقوم الجريمة على المرأة المتزوجة أيًا كان مكان حدوث الفعل، أي سواء وقع في منزل الزوجية أو خارجه، وكذلك العقوبة المستحقة عن الجريمة، حيث تعاقب الزوجة التي ثبت زناها بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، بينما يعاقب الزوج الذي ثبت زناه بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور، فضلًا عن التفرقة بينهما في عذر التلبس بالزنا، وهو الحالة الخاصة بتخفيف عقوبة الزوج الذي يفاجئ زوجته حال تلبسها فيقتلها في الحال هي ومن يزني بها، ويعاقب بعقوبة الحبس، وحدَّها الأدنى 24 ساعة، ولكن المرأة إذا قتلت زوجها أو شريكته تعاقب بتهمة القتل العمد، أي السجن المؤبد أو المشدد.

كما رصدت العديد من المنظمات الحقوقية بعض أشكال العنف الأسري التي لا تشملها نصوص القانون صراحة، أبرزها حرمان المرأة من الميراث، ما يقتضي تدخلًا تشريعيًا لتعديل قانون المواريث، بإضافة مادة جديدة تعاقب من يحرم أحد الورثة الشرعيين، ذكرًا كان أو أنثى، من حقه الشرعي في الميراث، إلى جانب ضرب الزوجات والبنات بدعوى التأديب.

كما لا يوجد نص في القانون المصري يستعمل صراحة تعبير «التحرش الجنسي»، لكن هناك عدة نصوص في قانون العقوبات تغطي أغلب صور التحرش، بينها النصوص الخاصة بهتك العرض، والنصوص الخاصة بجريمة السب العلني، كما يعتبر اقتفاء أثر السيدات في الطرق العامة، وتوجيه عبارات الغزل إليهن، من قبيل الأمور الخادشة للحياء، سواء كان ذلك يتضمن مدحًا لهن أو حثًا على سلوك مخل بالحياء، وهناك النصوص الخاصة بالفعل الفاضح العلني المخل بالحياء (م 278ع)، والتي تُعرف الفعل المخل بأنه «يخدش في المجني عليه حياء العين والأذن، سواء وقع الفعل على جسم الغير أو على جسم المجني عليه».

من جهته لم يناقش البرلمان حتى الآن مشروع القانون الموحد لمناهضة العنف ضد المرأة، الذي قدمته النائبة المستقلة نشوى الديب في مارس الماضي، وأطلقته «قوة عمل المنظمات النسوية»، وهي مجموعة تضم عددًا من المنظمات العاملة على قضايا المرأة ومناهضة العنف ضد النساء.

مشروع القانون الذي حمل موافقات 60 نائبًا ونائبة، سبق وتقدمت به النائبة نادية هنري لبرلمان 2018، لكنه لم يعرض للمناقشة على اللجان النوعية وكان مصيره الحفظ، وهو ما حدث مع كافة القوانين المقدمة لتجريم العنف ضد النساء على مدار السنوات الماضية.

مصدرمعتز ودنان
المقالة السابقةس و ج.. متى تنتهي ظاهرة العنف ضد المرأة؟
المقالة القادمةالأخوات «ميرابال».. اغتيال تحول إلى رمز للمقاومة النسوية

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا