لماذا الحوار الآن؟..

0
200
Google search engine

(١)

ترى ‏القيادة السياسية في مصر، وفقًا لنص خطاب الرئيس السيسي في إفطار الأسرة المصرية أبريل الماضي، أن عملية الإصلاح السياسي قد تأخرت، وذلك نتيجة اهتمام الدولة ‏خلال السنوات الماضية بملفات أخرى ‏أكثر أولوية، على رأسها الأمن والاقتصاد، وتركيزها على خلق استقرار ‏أمني، سواء على محور محاربة الإرهاب أو محور الأمن العام، وكذلك نجاحها في ‏إحراز تقدم مهم على مستوى البنية الأساسية اللازمة لتمهيد ‏بيئة ومناخ الاستثمار، فضلًا عن المشاريع القومية التي تبنتها الدولة في أكثر من مجال.

‏وبالتالي فإن اللحظة ‏الحالية هي الأكثر مناسبة ‏من أجل اتخاذ خطوات في الملف السياسي، وتحديدًا مع تعاظم التحديات الاقتصادية ‏وارتباك المشهد الدولي والإقليمي.

(٢)

فيما ترى المعارضة؛ أن دعوة القيادة السياسية للحوار ‏جاءت كتعبير عن أزمة الحكم التي تعيشها مصر منذ سنوات، ‏وكانت أبرز نتائجها أزمة اقتصادية طاحنة، وتعاظم كبير في الدين الخارجي، وهروب الاستثمارات الحقيقية.

‏إدارة سياسية فردية لكافة القضايا الوطنية، في ظل تأميم شامل للمجال العام ‏وكافة منافذ وقنوات التعبير السلمي بداخله، ‏مثل الإعلام والصحافة و الثقافة والإبداع، ‏بالإضافة إلى إماتة السياسة وخنق الحياة الحزبية، والتنكيل بكل مختلف ‏مع التوجهات السياسية القائمة أو ‏الأولويات الاقتصادية الحاكمة.

(٣)

رغم هذه الاختلافات ‏في تحديد ‏دوافع دعوة السلطة السياسية إلى الحوار؛ فإن المشترك الأعظم يكمن في:

أولًا؛ إدراك خطورة اللحظة التي تمر بها البلاد سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، فضلًا عن ‏تأثيرات الصراعات الدولية ‏على الجبهة الداخلية.

ثانيًا، إدراك أهمية الحوار كأفضل آلية من شأنها ‏تحسين شروط الواقع القائم.

وبالتالي فإنه لا بديل للحوار، فالحوار هو الأصل، وما كانت المشكلة القائمة طوال السنوات الماضية إلا بسبب غياب الحوار، واعتماد الحل الأمني بديلًا وحيدًا ودائمًا عن الحوار.

فإذا ما كان هناك أي دعوة للعودة إلى الحوار، وفي ظل انغلاق تام للمجال العام وإسكات النقاش العام، فإن هذه النافذة السياسية التي وجدت وسط جدار الصمت لا بد أن يتم استغلالها من كافة الأطراف.

كما تأتي دعوة الحوار الحالية في ظل مجموعة من بوادر حسن النوايا التي أطلقها النظام خلال الفترة الأخيرة، بداية من إلغاء قانون الطوارئ، وإصدار الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ثم الإفراج عن عدد من المحبوسين احتياطيًا في قضايا الرأي، قبل إعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي، وأخيرًا إطلاق الدعوة للحوار.

(٤)

ماذا ننتظر من الحوار؟..

فتح المجال العام

إن الحاضنة اللازمة لأي عملية إصلاح سياسي حقيقية هي مجال عام مفتوح، آمن ومستقر، بالإضافة إلى مجال سياسي يسمح بالتعددية والمشاركة، ويحمي الاختلاف والمنافسة والفرص المتكافئة.

ولا يمكن الحديث عن مجال عام مفتوح ولا يزال هناك محبوسين ومحكومين على ذمة قضايا رأي، كان من الاولى أن يكون بعضهم على رأس قائمة المدعوين إلى طاولة الحوار السياسي اليوم.

لذلك فإن إنهاء ملف سجناء الرأي يمثل الركيزة الأساسية الأولى لعملية الإصلاح السياسي. وبينما أؤكد على أهمية الدور الذي تلعبه لجنة العفو الرئاسي، والجهود الكبيرة التي تبذلها في هذا الشأن، إلا أن ملف المحبوسين احتياطيًا والمحكومين على ذمة قضايا رأي يحتاج إلى تدخل سياسي بالأساس، من خلال قانون للعفو السياسي الشامل، يمكن بموجبه إطلاق سراح جميع ‏السجناء على ذمة قضايا رأي أو قضايا سياسية.

(٥)

«يقوم النظام السياسي على أساس التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسئولية مع السلطة، واحترام حقوق الإنسان وحرياته». المادة 5 من دستور 2014.

إن الوفاء بالالتزامات الدستورية؛ باعتبار دستور 2014 الوثيقة التي يجب أن ننطلق منها نحو أي عملية إصلاح سياسي يمثل الركيزة الثانية والأهم في عملية الإصلاح، وهو ما يتطلب تنشيط حقيقي للحياة الحزبية بما يضمن رفع يد الأجهزة الأمنية عنها؛ والسماح لها بالعمل بحرية وفق الضوابط الدستورية.

(٦)

أرى أن استعادة مشهد 30 يونيو، والذي عمدت السياسات الأمنية خلال السنوات الماضية على تفكيكه، يمثل الركيزة الثالثة لعملية الإصلاح السياسي، فأهمية مشهد 30 يونيو لا تكمن في مشهد الاصطفاف الوطني فحسب، بل تتعداه إلى فضاء عام رحب، ومجتمع مدني حي، ينتج ويشارك في صياغة الرؤى والسياسات، ويساهم في تحديد الأولويات بشكل يثري من البدائل والخيارات المتاحة في مواجهة كافة التحديات، والتعامل مع الأزمات، ويحسن  فرص الدولة في مواجهتها.

إن تحديد أولويات العمل الوطني، وطرح الحلول لكافة القضايا الوطنية، لا يأتى إلا من خلال حالة حوار وطني دائمة ومستمرة، عبر القنوات التقليدية التي يوفرها المجال العام لكل الأطراف. وقد عبرت دعوة الرئيس لإجراء حوار سياسي عن إرادة واضحة في عدم إقصاء أو تهميش أي من الأطراف السياسية. وانطلاقًا من اتفاقنا على العودة إلى حدود 30 يونيو بكافة طيفه السياسي، بما يشمل إعادة استيعاب «حزب مصر القوية» ضمن المشهد السياسي، وهو ما سيكون له أثر كبير ومهم على جدية ومصداقية عملية الإصلاح السياسي، خصوصًا أن الاتفاق العام هو نبذ كل من تورط في عنف أو حرض على الدماء.  

.

وهو ما يستدعي بالضرورة العفو الرئاسي عن رئيس الحزب د. عبد المنعم أبو الفتوح، ونائبه محمد القصاص، فيما يتولوا فك تجميد الحزب وعودته للنشاط من جديد، ولتكن البداية مع مشاركتهم في فعاليات الحوار الوطني.

مصدرمصطفى شوقى
المقالة السابقةلماذا يطلق البعض على «نتنياهو» الساحر؟
المقالة القادمةإيه الفرق بين المنطقة «الزرقاء» و«الخضراء» فى قمة المناخ؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا