رحلتي مع الخضوع الاختياري

0
227
Google search engine

بالأمس أثناء رحلة عودتي إلى المنزل بعد انتهاء عملي سمعت أمًا تتحدث مع طفلتها وتطلب منها الاختيار بين نوعين مختلفين من الأجبان، وعندما سرت قليلًا تجاه السوق وجدت أبًا يحاول أن يأخذ قرارًا من ابنته حول أي فاكهة تُفضل أن تأكل. وجدت نفسي أفكر في معضلة الاختيار وتبعاتها، وتذكرت طفولتي وسذاجة اختياراتي في هذا الوقت، وتذكرت أيضًا كم كان من السهل علينا أن نختار بين أمرين كلاهما محبب إلينا. من منكم لا يتذكر كم كانت اختيارات مرحله الطفولة سهلة هينة رغم شعورنا وقتها بأنها اختيارات صعبة ومصيرية؟

فلكل منا رحلته مع الاختيار واتخاذ القرار، والتي تبدأ منذ نعومة أظافرنا، ولكن مع تقدم أعمارنا تصبح قدرتنا على الاختيار أصعب وأصعب، ولأني هنا أتحدث عني وعنكِ ابنة حواء سنبحر في رحلة قصيرة مع اختياراتنا في مجتمع شرقي يحاول الانفتاح.

بدأت رحلتنا عندما كنا صغارًا محاطين باعتقاد أن الآباء هم فقط مصدر القرارات، فهم دائمًا الأدرى بمصلحتنا، ولهم حق تقرير ملابسنا ومدارسنا والرياضة التي سنمارسها، ووصل الأمر أحيانًا إلى اختيارهم لدائره أصدقائنا. ورغم نوايا الآباء الحسنة، أورثتنا هذه الطريقة كسلًا في اتخاذ القرارت، وهنا أتحدث عن مرحلة الطفولة وحتى انتهاء المرحلة الإعدادية، ثم يبدأ الصدام مع أول قرار مصيري يجب علينا اتخاذه، وهو «علمي ولا أدبي»، وبالطبع لن نغفل جزء «هتبقي دكتورة قد الدنيا» و«الأدبي ده بتاع اللي مالهمش في المذاكرة»، غافلين أهم نقطة وأهم سؤال، وهو «أنتي عايزة إيه؟».

قليلون من يكترثون لرغبتنا في هذا العمر، ولأننا لم نعهد التفكير المنطقي كنا ننساق خلف رغبات أهالينا، وكيف لا نفعل وثقافة بر الوالدين هي المسيطرة؟ وغالبًا ما يكون اختيارنا في هذه اللحظة مبني على مشاعر متناقضة بين الطفولة والبلوغ، بين حيرة هذه الفتره وثورة مشاعرها، ولم نكن حتى قد تعرفنا بعد على مشاعر الندم واختبرناها.

ومع تمرد المراهقة تولد أنثى جديدة تكتشف نفسها، وتحاول أن تشكل أفكارها ومعتقداتها الخاصة، ولكنها تصطدم بجبلي الـ«عيب» والـ«حرام»، وأنا هنا لا أتحدث عن جيل السوشيال ميديا، أتحدث عن جيلي  بأواخر العشرينات حتى منتصف الثلاثينات، جيل ما قبل ظهور التربية الإيجابية.

وحتى لا نبتعد عن رحلتنا في الاختيار واتخاذ القرار، وننجرف نحو نوستالجيا جيل الثمانينات والتسعينات، سنعود لصدام العيب والحرام والقوالب التي صُنعت حتى نصبح كلنا نفس الشخص باختلاف الملامح، سلسلة من القرارات الإجباريه المُغلفة بطابع اختياري نقنع بها أنفسنا أننا أحرار وأصحاب اختيار حقيقي. تسمعين «اتحجبي»، «حرام تبقي بشعرك»، «كل اللي حواليكي محجبات» و«هتفضلي كده لإمتى؟»،  فتتحجبي، ونبدأ في تداول قصه أنك قررتي ارتداء الحجاب بإرادة حرة، وكذلك مجال دراستك، ماذا ستدرسين؟ وأين موقع دراستك من مسكنك؟ ولا تجوز الغربة طبعًا، حتى وإن كانت هي فرصتك لدراسة ما تحبينه، ويظل شبحا الـ«عيب» و«الحرام» يطاردانك دائمًا وأبدًا، حتى نصل إلى المرحلة الفاصلة، مرحلة العريس.

عزيزتي الأنثى المخيره ظاهريًا والخاضعة داخليًا، سننقسم هنا إلى مذهبين، الأول سيضع لك مقاييس العريس المناسب، وسأسميه «كين» تيمنًا بالنسخه الذكورية من «باربي»، وهو وسيم غني مفتول العضلات شيك يجيد دلالها، كما يعمل بمركز مرموق، ويتناسوا أهم الصفات الجوهرية التي على أساسها تقام البيوت، ويتجاهلوا أن هناك ما هو أهم وأعمق من صفات «كين».  وفي وجهة نظري الشخصية أهم صفات يجب البحث عنها في شريك الحياة أن يكون متزن نفسيًا، قادر على الحوار والمناقشة، ويعترف بكونك مكملة له في الحياة ولست تابعة.

أما المذهب  الثاني يرفع أنصاره شعار «يلا بسرعة مفيش وقت خلصتي دراستك اتجوزي عشان تخلفي بسرعة»، وغالبًا ما ينتهي الأمر بطلاقها بنفس السرعة. وفي كلا المذهبين نجد امرأة تبدأ حياتها طبقًا لاختيارات من سبقوها.

للأسف كتب علينا بنات حواء أن نحارب في معارك لم نختر خوضها، وأن نكون النغمة الشاذة بداخل معزوفة لا ننتمي لها، تخيلي أن تسمعي مهرجانًا وتجد صوت بيانو وسط الآلات!

نسبة صغيرة منا فقط هن من يمكنهن اتخاذ القرار، ونسبة أصغر تستطيع تحمل تبعات اختيارها، وتبقى أسوأنا من تتملص من اختياراتها برميها على الآخرين. وفي النهاية الاختيار مُعضلة، وكلما تقدم بنا العمر ذهبت بنا الحياة إلى الاختيار بين السيء والأسوأ.

كم أفتقد اختيارات الطفولة!

مصدرأميرة الجهيني
المقالة السابقةالمستقبل لونه أخضر
المقالة القادمةلماذا يطلق البعض على «نتنياهو» الساحر؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا