المؤتمر الاقتصادي ورحلة الخروج من عنق الزجاجة

0
194
Google search engine

اختتمت الثلاثاء الماضي فعاليات المؤتمر الاقتصادي، والتي استمرت لمدة ثلاثة أيام تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وشارك فيها وزارات ومؤسسات وخبراء اقتصاد ومفكرين، إلى جانب أحزاب سياسية، فيما انقسمت الفعاليات إلى ثلاثة محاور، الأول: السياسات الاقتصادية الكلية، الثاني: تمكين القطاع الخاص وتهيئة بيئة الأعمال، والمحور الثالث: خارطة طريق للقطاعات ذات الأولوية بالاقتصاد القومي.

افتتح المؤتمر بكلمة لرئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، تحدث فيها عن مؤشرات أداء الاقتصاد المصري، وقدرته ومرونته على المواجهة في خمس أزمات عالمية، على الرغم مما عاناه على مدار أربعة عقود سابقة. وتحدث الرئيس السيسي في الجلسة الثانية عن التحديات التي تواجه الدولة المصرية، محملًا تردي الوضع الاقتصادي إلى الزيادة السكانية والأوضاع السياسية عقب ثورتي يناير ويونيو.

لماذا الآن؟

يأتي المؤتمر الاقتصادي في الوقت الذي تشهد فيه مصر أزمات اقتصادية ضخمة تراجع فيها الجنيه أمام الدولار إلى حد كبير، كما شهدت الأسعار ارتفاعًا كبيرًا، فضلاً عن أزمة توفرالعملة الأجنبية التي أثرت سلبًا على الكثير من القطاعات الصناعية والتجارية.

يرى الخبير الاقتصادي محمد شيرين، أن المؤتمر محاولة لشرعنة عمليات البيع والخصخصة التي لجأت لها الدولة من فترة وقوبلت بانتقادات حادة، لافتًا إلى مرور الاقتصاد المصري حاليًا بمرحلة حرجة، حيث يشهد الاستثمار حالة من الجمود، مع ارتفاع العجز في الموازنة والدين العام، فضلاً عن أزمة العملة، لهذا احتاجت السلطة إلى جمع رجال الأعمال مع الحكومة لإرسال رسائل طمأنة ودعوات مباشرة لدفع عجلة الاقتصاد من قبل المستثمرين، الذين لا يخفى على أحد أنهم في انتظار قرض الصندوق النقد، والذي على أساسه سيتم تحديد سعر العملة.

يشدد شيرين على أن الحكومة كانت تحتاج التزامًا من رجال الأعمال لضمان ضخ الأموال في السوق المصري، وخصوصًا أن الاستثمارات الخليجية توقفت بالفعل بعد الاستحواذ على نسبة من بنك التجاري الدولي وشركات الأسمدة والبتروكيماويات والشحن والتفريغ.

ويوضح شيرين أن الدولة تحتاج إلى أن ترسل إشارة للخارج غير الخليجي المؤثر في صندوق النقد بأن المستثمر المصري مهتم بضخ الأموال والاستثمار بالداخل، فهناك تخوفات من الصندوق بسبب بدء بعض المستثمرين في سحب أموالهم من السوق المصري خلال الفترة الماضية.

من جانبه يقول خالد داود المقرر المساعد في لجنة شئون الأحزاب بـ«الحوار الوطني»، إن أحد فوائد المؤتمر الاقتصادي أنه بمثابة تمهيد للجلسات الاقتصادية التي ستحدث في الحوار الوطني، حيث تناولت جلسات المؤتمر إجراءات تفصيلية من خبراء واستشاريين يجب العمل على تفعيلها في أسرع وقت ممكن، لأن أثار الأزمة تقع على كافة المواطنين، لافتًا إلى أن ما قاله الرئيس والخبراء والاستشاريين والوزراء ومحافظ البنك المركزي في فعاليات المؤتمر سيثري المناقشات التي ستتم في الحوار الوطني، والبدائل التي سيتم طرحها من قبل الحاضرين في المحور الاقتصادي.

توصيات

اختتم المؤتمر بمجموعة من التوصيات في عدة محاور، وتضمنت التوصيات الخاصة بـ«السياسات المالية والنقدية» العمل على استمرار خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وإطالة أجل السداد، والاستمرار في تحقيق فائض أولي لتعزيز قدرة الدولة على سداد التزاماتها، إلى جانب سرعة الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وأهمية مرونة سعر الصرف ليعكس ديناميكيات السوق من العرض والطلب، كأداة لامتصاص الصدمات الخارجية، فضلاً عن العمل على تفعيل سوق المشتقات للعملة، والعقود الآجلة، كأداة تحوط ضد مخاطر تذبذب سعر الصرف، بالإضافة إلى إصدار مؤشر للجنيه المصري مُقوماً ببعض العملات لأهم الشركاء التجاريين والذهب.

وفي إطار «تعزيز مشاركة القطاع الخاص»؛ شملت التوصيات توسيع قاعدة الملكية بالتركيز على التخارج من خلال تبني الطرح بالبورصة كأولوية، ويليها زيادة رأس المال، من خلال دخول مستثمر استراتيجي، وكذا تعزيز دور صندوق مصر السيادي من خلال نقل عدد من الشركات التابعة للدولة إليه، فضلاً عن تحديد فترات زمنية للموافقة على الطلبات المُقدمة من المستثمرين، بحيث يعتبر تأخر رد الجهة موافقة ضمنية لبدء مزاولة النشاط، إلى جانب الإسراع في صرف دعم الصادرات للقطاعات المُستحقة للدعم، بمجرد التقدم بالمستندات الدالة.

وفيما يتعلق بمحور «القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية»، تضمنت التوصيات إصلاح منظومة التعاونيات والاتحادات المرتبطة بالنشاط الزراعي، من خلال إصلاح هيكلي ومؤسسي ومالي وإداري، بما يدعم قدرتها على القيام بدور أكبر في ملف الأمن الغذائي بما يشمل: التسويق التعاوني، ومستلزمات الإنتاج، والزراعات التعاقدية، والإرشاد الزراعي، والتجميعات الزراعية، وغيرها، إلى جانب إيجاد خطوط نقل سريع لتمكين الصادرات الزراعية الطازجة من النفاذ إلى الأسواق المستهدفة باعتبار هذه المنتجات سريعة التلف، مع التركيز على الخطوط التي تُمثل أهمية نسبية، ولها وزن نسبي في حجم الصادرات الزراعية.

كما شملت التوصيات الخاصة بمحور «القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية»، تسهيل الحصول على قروض تمويل للمشروعات الصحية، خاصة في المجتمعات الجديدة بقروض ميسرة وفائدة مميزة، فضلاً عن تسهيل إجراءات الشراكة مع الدولة في المستشفيات القائمة والجديدة، وذلك من خلال إدارة القطاع الخاص للمنشآت الصحية بنظام حق الامتياز، إلى جانب تقديم حزمة متكاملة من الحوافز الضريبية والتمويلية؛ وذلك لتشجيع القطاع الخاص على توفير خدمات تعليمية متنوعة تتناسب مع مختلف شرائح المجتمع، خاصة الطبقة المتوسطة، وبما يراعي أهداف التنمية المكانية في المحافظات المختلفة.

وكان من بين توصيات المحور نفسه دراسة إدخال تعديلات على عقود توصيل التيار الكهربائي للمصانع بحيث تصبح قابلة للتمويل البنكي، وكذلك اتخاذ إجراءات تنفيذية من شأنها تصدير العقار عالمياً، والترويج للمنتج العقاري من خلال الدولة والقطاع الخاص، مع أهمية وضع إطار تنفيذي داعم ومحفز، إلى جانب إنشاء منطقة اقتصادية خاصة لصناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عالية التقنية على المدى القريب، واللجوء إلى آلية القائمة البيضاء التي يتم تسجيل هذه الشركات بها، بالإضافة إلى توحيد الجهة الخاصة بتحصيل الرسوم على المستثمرين في قطاع السياحة، مع الإسراع بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون رقم 8 لسنة 2022، بشأن إصدار قانون المنشآت الفندقية والسياحية.

تضمنت توصيات «القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية» أيضًا التوسع في التصنيع المحلي للوحدات المتحركة للسكة الحديد والجر الكهربائي وقطع غيارها، لخلق قاعدة صناعية يمكن الاعتماد عليها وتوفير العملة الصعبة، وكذلك إشراك القطاع الخاص المصري والأجنبي في إدارة وتشغيل كافة مرافق النقل؛ لتبادل الخبرة وضمان تقديم خدمة جيدة للمستخدمين والمحافظة عليها، مع العمل على تعديل التشريعات والقوانين واللوائح المنظمة.

وفيما يتعلق بالمحور الأخير، وهو «تطوير قطاع الصناعة»، شملت التوصيات سرعة الانتهاء من الرؤية المتكاملة لاستراتيجية الصناعة الوطنية، واستهداف بعض الصناعات المهمة، وتعميق التصنيع المحلي، وخاصة في الصناعات الهندسية والكيماوية والنسيجية والغذائية، إلى جانب تنمية الصادرات الصناعية من خلال برامج رد الأعباء التصديرية، وتسهيل إجراءات النفاذ إلى الأسواق الجديدة، وتفعيل دور مكاتب التمثيل التجاري والمعارض الدولية، مع تعزيز دور مبادرة «ابدأ» لدعم القطاع الصناعي، وكذا تفعيل قانون تفضيل المنتج المحلي بهدف تعزيز المنتج المحلي في المشروعات القومية للدولة، وأخيراً تحويل المناطق الصناعية إلى مدن سكنية متكاملة والعمل على توفير سكن للعاملين لتقليل تكلفة انتقالهم ومنح أراضِ للمصانع.

هل التوصيات كافية لإنقاذ الاقتصاد المصري؟

يرى الخبير الاقتصادي محمد شيرين أن أبرز التوصيات الإيجابية جاءت في المحور الثالث، الخاص  بالقطاعات الاقتصادية ذات الأولوية، وتحديد ما تضمنته خارطة الطريق للقطاع الزراعي، مشيرًا إلى أنها تساعد على النهوض بالمنظومة الزراعية من خلال الربط بين الإصلاح الهيكلي والمؤسسي والمالي والإداري، بما يدعم القدرةعلى القيام بدور أكبر في ملف الأمن الغذائي.

في المقابل استنكر شيرين التوصيات الخاصة بقطاعي الصحة والتعليم، والتي ظهر فيها بشكل كبير توجه الدولة لتحميلها للمستثمرين.  ويقول إن المقلق في التوصيات عدم امتلاك الدولة لخطط اقتصادية واضحة، واتجاهها بشكل كبير نحو الخصخصة والحديث حول تعديل وصياغة القوانين لفتح المجال أمام المستثمرين.

كما انتقد شيرين التوصيات الخاصة بالمحور الأول «السياسات الاقتصادية الكلية»، حيث تحدثت التوصيات الخاصة بالقطاع المصرفي عن تحرير سعر العملة تمامًا، ما سيجعل الدولار يصل إلى 25 جنيهًا تقريبًا بنهاية العام، وما لذلك من آثار سلبية على المواطنين، بالإضافة إلى مقترح تنشيط وتفعيل سوق مشتقات العملة «التجارة الآجلة في العملة»، والتي تمثل مجازفة كبيرة، لأن التجارة في العملة يقوم بها المضاربين في العملة فقط، ولا يجب أن تكون سياسة دولة، حتى وإن كان الغرض توفير عملة صعبة للبلاد، وهي مجرمة في معظم دول العالم لما تمثله من خطر على الاقتصاد الوطني.

يؤكد شيرين أنه بشكل عام لا تزال التوصيات غير كافية لإنقاذ الاقتصاد المصري، وخصوصاً أن توصيات قطاع الصناعة جاءت من دون استراتيجية أو آلية، ما يعكس أن الصناعة ليست ضمن أجندة الدولة، بالرغم من أنها هي الأساس والمنقذ الحقيقي لأي اقتصاد.

يختتم شيرين بأن اهتمام الدولة بما يجعلها تحصل على العملة بشكل سريع بات واضحًا، فلم تنظر إلى استراتيجيات طويلة الأمد لدفع الاقتصاد إلى الأمام، لافتًا إلى أن هذه الاستراتيجية من الممكن أن تخفف العبء عن الاقتصاد وتساعد الدولة على سد التزاماتها، ما سينعكس على المواطنين بالإيجاب لفترة قصيرة، لكن على المدى الطويل ستظل الأزمة مستمرة طالما تفتقد الدولة لاستراتيجية لتعزيز الإنتاجية بديلًا عن سياسة الخصخصة وبيع الأصول.

مصدرفريق التحرير
المقالة السابقةمن يملك التكلفة؟
المقالة القادمةيعني ايه الحد الأدنى للأجور؟؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا