«المهرجانات» والنقابة.. تاريخ من الصراعات جوا وبرا

0
177
Google search engine

«ضبط الانفلات»،« تهديد بالإلغاء»، «خناقات» و«مجلس نقابة يستقيل»، تلك هي الكلمات الافتتاحية الرئيسية التي ستجدها حال بحثك عبر جوجل عن «المهرجانات»، ما يوحي بأن المسألة شديدة الخطورة أو خلافية إلى حد كبير، فيما نتحدث نحن فقط عن أداء غنائي مختلف، وإيقاع حركي وصوتي جديد خرج من الإسكندرية من قلب المناطق الشعبية، لينتشر بين المهمشين، وينطلق بعد ذلك مسيطرًا على سوق الأغاني المصري، حتى ذاع صيته عربيًا ووصل إلى العالمية، فيما يعتبره الكثيرون أحد فنون «الراب» المنتشر بشكل واسع منذ عشرات السنين في الغرب، والمنبثق في الأساس من فن الهجاء الشرقي العربي.

ومثل كل شيء، تغيرت المهرجانات وتطورت منذ بداية رحلتها الممتدة منذ 2008، وانقسمت إلى أشكال وأنواع مختلفة، كما تأثرت بالعديد من العوامل الداخلية والخارجية، وشاعت لأسباب مختلفة متعلقة غالبًا بسرعة إيقاعها وكلماتها الحادة الانفعالية المتسقة مع نمط الحياة اليومي لأغلب الطبقات الاجتماعية في مصر.

الخناقة بدأت فين؟

كانت البداية حول كلمات الأغاني ودعاوى الحفاظ على الذوق العام، وتحول الضجيج إلى انفعالات وخناقات متداولة إعلاميًا، اتخذت شكلًا أكثر حدة مع الوقت، في ظل تبني الفضائيات ووسائل الإعلام للتراشق اللفظي والخناقات المحلية التي وقعت بين عدد من مؤدي المهرجانات، وإفرادها مساحة إعلامية واسعة له في العرض والرد، وحملات الهجوم المستمر عليهم من موسيقيين، منهم حلمي بكر، لتنتقل بعد ذلك إلى مستويات نقابية ومهنية.

لم تتناول الخناقات نوع الموسيقى والنغمات أو الكلمات أو الصوت، بل كان الجدل دائمًا حول مستوى تعليم مؤدي المهرجانات وملابسهم وتسريحة شعرهم، ليظهر جليًا أن «الخناقة» في الأصل هي خناقة طبقية. وفي حواره مع حلمي بكر، طلب ميشو جمال، أحد مؤدي المهرجانات من الأول أن يعتبره بمثابة ابن له، وأن يسمح له بتوضيح نقطة صغيرة، ليرد حلمي بكر منفعلًا: « لا لا متجيبش سيرة ابني هنا، متجيبش سيرته هنا، أنا ابني اتعلم وخريج جامعات برا من الخارج، ومعاه ماجستير ودكتوراه».

خطوة لورا.. نظرة على صراعات «جوا» النقابة

من ناحيتها، تشهد نقابة المهن الموسيقية منذ سنوات صراعات داخلية متعلقة بالفساد ونقص الخدمات وقلة الفرص العمل وعدم القدرة على توفير رعاية صحية مناسبة لأعضائها. في 2011 وصل المطرب إيمان البحر درويش إلى مقعد النقيب، ثم فاز المطرب الشعبي مصطفى كامل  بالمنصب في 2013، ووصلت الصراعات بينهما إلى المحاكم في قضايا فساد وطعون بالتزوير، وبالطبع، انتقلت المشاكل إلى شاشات التليفزيون، وشاهدنا حوارات ومناظرات نارية بين الطرفين، لم يبعد الحديث فيها عن الفساد والشللية والمحسوبية وجبهات تدافع عن حقوقها المادية ضد جبهات أخرى.

واستمرت الخلافات داخل نقابة الموسيقيين متخذة أشكالًا مختلفة قطبيها درويش وكامل منذ 2015 وحتى 2017، حينما عُزل درويش من منصبه بقرار من مجلس الإدارة بالإجماع، وأسقطت عضويته برفع اسمه من جداول الأعضاء العاملين، وتحويله إلى جدول المنتسبين، خلفه كامل، ثم جاء هاني شاكر في 2019،  واستمر لمدة عامين تقريبًا قبل أن ينسحب بعد خناقة جديدة وطعون بالفساد وتلقي الرشاوى لمجلسه بسبب «المهرجانات»، ليعود كامل نقيبًا في 2022.

النقابة وصراعاتها والمهرجانات وتيارها.. هل تشمل الخناقة «الفن»؟

«من هنا ورايح أي حد هيشتغل أي مهنة خاصة بالفن، هيخضع لكل العادات والتقاليد والقيم المجتمعية

 بتاعتنا، أي خروج عن النص أقسم بالله أقسم بالله ما هيشوف الغنا تاني، أي حد هيخرج عن آداب المهنة أو يضر بأولادنا أو سمعة مصر قسمًا بالله ما هيغني تاني في فترتي على الأقل».

كان هذا هو الحل الذي وضعه كامل فور عودته نقيبًا في 11 أكتوبر الجاري، بعد انسحاب شاكر من النقابة بعد خناقة ضم حسن شاكوش، وكان الملف الأول الحاضر على مائدة الاجتماع الأول هو ملف «المهرجانات»،  فيما يبدو إلى من يتابع تطور الأزمات الداخلية في النقابة، والخلافات بين مسؤوليها ومؤدي المهرجانات، أن المشهد المؤذي للفن- والذي شمل ضربًا وبلطجة وتراشق لفظي واتهامات-  لم يتسبب فيه هذا اللون الجديد، وأن الصراع المشتعل كان صراع «فلوس»  و«سلطة»، وما ينتج عنهما من مصالح، بينما كان ضحايا هذه اللعبة  دائمًا «الغلابة» من مجلس عموم النقابة.

من جانبه، أعلنها هاني شاكر وهو نقيب صراحة، وأرجع المشكلة إلى أساسها والصراع إلى جذوره الطبقية ؛ أصحاب الياقات البيضاء يشعرون بالاشمئزاز من أصحاب الأيادي السوداء! وعمل على وقف تصاريح العمل الخاصة بمؤدي المهرجانات، ما حرمهم من الغناء بشكل قانوني، وعلى الرغم من عدم نجاحه في تنفيذ خطته على الأرض، أثر ذلك كثيرًا على عدد حفلاتهم داخل مصر.

يا واخد قوتي يا ناوي على موتي.. الخناقة على إيه؟

نجح مطربو المهرجانات، الذين انتقلوا من الأفراح الشعبية والحانات الرخيصة – بحكم العرض والطلب- إلى الأفراح الراقية وحفلات الساحل الشمالي، في احتكار أسواق الغناء، وكان لهم نصيب الأسد من المشاهدات، كما ارتفعت أسهمهم في «السوشيال ميديا» ومنصات الأغاني، لتحصد أغانيهم بسهولة المراتب الأولى في التقييمات والجوائز، ما عاد عليهم بمنافع مادية ضخمة، وظهر الثراء الفاحش على أغلبهم سريعًا، فجذب ذلك الكثيرين من أبناء الفئات المهمشة ممن أرادوا الحصول على شهرة وثراء سريع وسهل، وأصبح التحول لمغني مهرجانات معروف هو «الحلم المصري» في السنوات الـ10 الأخيرة، ما يرتبط في الأساس بسياسات الدولة في التعليم والتثقيف، والأوضاع الاقتصادية المتردية.

من ناحية أخرى، جاء ذلك الثراء وتلك الشهرة على حساب العاملين في قطاعات الموسيقي، من عازفي إيقاع وطبول وغيرهم ممن تقلصت فرص حصولهم على عمل بسبب طغيان المهرجانات على السوق وعدم حاجتهم لهم. حاول هؤلاء الدفاع عن لقمة عيشهم، وأيدوا القرارات التي أصدرها كامل بوقف تصاريح العمل من أجل درس الملف، وما تلاها من قرارات أهمها إلزام كل مؤدي بإلحاق 12عضو نقابي معه في أي حفلة.

مصدرشيماء سامي
المقالة السابقةعقبات في طريق الاستقلال .. سكن للبنات
المقالة القادمةمن يملك التكلفة؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا