الجولاج السوري

0
295
Google search engine

تعد سوريا منذ عهد الأسد الأب واحدة من أعتى الديكتاتوريات في الشرق الأوسط والعالم عمومًا, حيث اتبع نظام البعث في سوريا العديد من الوسائل الوحشية لكبح جماح معارضيه وترويض الشعب، كحال غالبية الأنظمة المستبدة في المنطقة، ويظل أكثرها بشاعة ووحشية «تجربة الاعتقال القسري»، كما أسلفنا في العديد من المقالات السابقة، تحت وطأة «قانون الطوارئ» الذي يسري العمل به في منذ انقلاب البعث على السلطة في عام 1963، والذي يعطي لقوات الأمن وأجهزة المخابرات الصلاحية المطلقة لمسائلة واستجواب وزج من تشاء في السجون، من دون العودة إلى أي سلطة تشريعية أو قضائية، أو حتى إعطاء تصاريح لذوي المعتقلين، فيما يطول الاحتجاز من دون محاكمات إلى مدة تتجاوز العقدين من الزمن، وربما أكثر، وهذا ما حدث بالفعل في الكثير من الأحيان.

لسنا بصدد التعمق في الماضي، ولكن من أجل فهم الواقع يجب علينا المرور باقتضاب على تاريخ «الجولاج السوري», وهو معسكر اعتقال سوفييتي في «سيبيريا»، بني في عهد «فلاديمير لينين»، وذاع سيط وحشيته في عهد «ستالين»، حيث كان يزج بالسياسيين والأدباء والمتمردين وغيرهم فيه, وجرت عليهم أساليب تعذيب وأنماط حياتية قاسية وبشعة، تشبه تلك التي سوف نتحدث عنها في هذه المقالة عن سوريا.

في يناير 2022 فوجئ السوريون والعالم بشهادة أدلاها أحد الأشخاص، عرفته المحكمة الإقليمية الألمانية في مدينة فرانكفورت باسم،وأطلقت عليه بعض الوكالات الصحفية والإعلامية العربية اسم «حفار القبور»،  «Z30»

وهو مواطن مدني من دمشق كان يزاول أعمال البناء في ما مضى، حتى تم استدعاؤه من قبل الحكومة في سوريا في مارس آذار 2011 , وكانت مهمته حفر قبور جماعية حتى عام 2018، وهو العام الذي توقف به عن العمل. وحسب شهادته ظن «حفار القبور» خلال الفترة الأولى بأن الجثث لأشخاص لقوا حتفهم في الشوارع، نتيجة القصف والعمليات العسكرية, لكن سرعان ما تبين له أنها لمعتقلين قضوا تحت التعذيب في أقبية سجون الأسد، بعدما وجد مع الجثث المتعفنة أرقامًا وأوراق ثبوتية, حتى أنه دفن ثمانية من أصدقاء طفولته بيده، وهذا ما كان يمنعه  في الكثير من الأحيان عن الطعام من هول ما يراه.

تحدث «حفار القبور» عن الروائح التي كانت تفوح من سيارات نقل الجثث التي كانت تخرج بمعدل مرتين إلى ثلاث مرات كل أسبوع, حيث كان باستطاعة المارة شم الروائح التي تفوح من الجثث المتعفنة, وعن مشاركته في عمليات دفن 150 مواطن سوري بشكل أسبوعي، من مختلف الأجناس والأعمار، جميعهم سقطوا شهداء تحت وطأة ماكينة التعذيب الأسدية المرعبة.

وأكد الشاهد للمحكمة على دراية بشار الأسد شخصيًا واطلاعه على كافة التفاصيل، حيث رصد اتصال بينه وبين العميد عمار سليمان، أحد أهم المسؤولين عن القضايا التي تتعلق بالتخلص من جثث المعتقلين، وأحد مساعدي حافظ الأسد القدامى.

لم تكن شهادة «حفار القبور» هي الأولى من نوعها، حيث سبقتها العديد من الشهادات المروعة، وأهمها الصور التي سربها مصور سوري منشق كان يعمل في شعبة التوثيق لدى الأمن العسكري، والتي عرفت لاحقًا بـ«وثائق قيصر».

استطاع قيصر تسريب ما لا يقل عن 55 ألف صورة لضحايا قتلوا تحت التعذيب منذ عام 2011 حتى عام 2013 ، وهو عام انشقاقه وخروجه من سوريا حاملًا معه هذه الصور الثقيلة على الوجدان السوري والبشري عمومًا. ومن جانبها أكدت منظمة «هيومان رايتس ووتش» صحة الوثائق المسربة.

أوضح قيصر أنه كان يتم كتابة رقم على كل جثة، يدل على الفرع الذي اعتقله وقضى تحت التعذيب في أقبيته، ورقمًا آخر كان يتم كتابته في المستشفى العسكري للتدليس على ذوي المعتقلين، ما يأخذنا لسؤال: لماذا يتعمد النظام في سوريا على توثيق ضحاياه لا سيما الذين قضوا تحت التعذيب ؟

الإجابة لأن الأجهزة التي تقوم بهذه الأعمال الوحشية هي مؤسسات لها بروتوكولات بيروقراطية خاصة بها، وهي مؤسسات قائمة على القتل والتعذيب والتشنيع في المواطن السوري.

فلتتخيل معي أيها القارئ، وقت باتت فيه مقرات الاحتجاز مثل السجون المدنية وأقبية أفرع الأمن غير كافية، بسبب الأعداد الهائلة والمتزايدة للمعتقلين، حيث تشير التقديرات إلى تجاوز عددهم 230 ألف معتقل, ما جعل النظام يلجأ إلى تحويل بعض المرافق العامة كالمدارس والملاعب إلى مراكز اعتقال سرية, ومن بين أبشع هذه المراكز «سجن جورين» سيئ السمعة والصيت، والذي خرجت منه بعض الناجيات بشهادات تقشعر لها الأبدان، حيث تمارس فيه عمليات الاستعباد الجنسي كأحد أسلحة الحرب لتحطيم كل من يعارض النظام.

لينا إحدى الناجيات أدلت بشهادتها وما تعرضت له بعد اعتقالها على أحد الحواجز في منطقة سهل الغاب بمحافظة حماة وسط غرب سوريا, واقتيادها ومن معها إلى جورين، وبعد ثلاثة أسابيع أمضتها في زنزانة منفردة نقلت لينا إلى التحقيق، وهناك تعرضت إلى حفلة تحرش جنسي من قبل ضباط في المخابرات السورية والعناصر المتواجدين في السجن.

لم تكن لينا وحيدة، فهناك مئات السيدات اللاتي تعرضن – ولا زلن – لأبشع أنواع الاتجار والاستعباد الجنسي على يد وحوش بشار الأسد، منهم آلاء، 34 عامًا، والتي اعتقلت على أحد الحواجز أثناء عودتها من جامعتها باللاذقية إلى محافظة إدلب، والتهمة «شقيقة مخربين». تعرضت آلاء للعديد من الاعتداءات الجنسية، ونقلت ليلاً إلى أحد المزارع المجاورة للسجن حيث تعرضت إلى اعتداءات جنسية متكررة، وقبل ساعات من نقلها خارج السجن جاء أحد الضباط وهمس في أذنها ببعض الكلمات وختمها بعبارة: «اليوم يومك بيض لينا وجهنا». بالطبع كانت عمليات النقل هذه تتم بغرض الإتجار بأجساد المعتقلات، تحت إشراف الضباط الأمنيين المشرفين على السجن, وكانت أموال هذه النشاطات تعود إلى الضباط والعناصر المسؤولين في جورين.

وبالعودة للحديث عن التخلص من جثث المعتقلين والأساليب العديدة التي اتبعها النظام، من الدفن في مقابر جماعية، إلى المحارق المستوردة من إيران عبر ميناء اللاذقية، والتي شاهدها المدنيون بالفعل أثناء عملية نقلها من الميناء، إلى غرف الملح في «سجن صيدنايا» في ريف دمشق، والذي يعد صاحب التاريخ الأكثر دموية في سوريا، بعد سجن تدمر في عهد الأسد الأب، فبحسب تقارير نشرتها وكالة الأنباء الفرنسية، ووثقها الناشطون، تحدثت بعض الشهادات عن «غرف ملح»، وهي بمثابة غرف للحفاظ على الجثث لوقت أطول في سجن صيدنايا، بدأ النظام باستعمالها منذ الأيام الأولى لاندلاع الثورة في سوريا، ومع تزايد أعداد الجثث في الأقبية الأمنية، مع عدم وجود برادات كفاية بسبب الأعداد المتصاعدة.

يتحدث أحد المعتقلين في تقارير الوكالة الفرنسية أنه في أحد أيام شتاء 2017، وأثناء فترة احتجازه بالسجن، زج به أحد الحراس إلى غرفة لم يرها من قبل، فإذ به يغوص بكمية مهولة من الملح الصخري، ولأنه لم يتذوق الملح منذ دخوله إلى صيدنايا، حيث كان ممنوعًا عن المعتقلين، ما كان منه إلا أن غرف بيده الملح ليتذوقه، حتى كاد قلبه أن يقف رعبًا بعدها بلحظات، لتعثره بجثة نحيلة ملقاة على أرض الغرفة مغمورة بالملح، وبجانبها جثتان أخريان.

وبناء على تقرير الرابطة، ومقابلات أجرتها وكالة الأنباء الفرنسية مع معتقلين سابقين، تبين أن في سجن صيدنايا العسكري غرفتي ملح على الأقل، توضع فيها الجثث حتى يحين وقت نقلها، في حين يغيب الملح تمامًا عن كميات الطعام القليلة التي يحظى بها المعتقلون، لإضعافهم جسديًا.

وفي ظل كل هذا العبث بكرامة الأنسان السوري والاستهانة بدمائه،  وكم البطش غير المسبوق في التاريخ، تحاول بعض الدول العربية إعادة تعويم المشهد العربي، ومن ثم العالمي، غير مكترثة بكل ما حدث للسوريين، ولا تزال بعض الأنظمة العربية تحاول كسر العزلة الدولية عن النظام المجرم في دمشق، ضاربة بكل المجازر التي ارتكبها بحق السوريين عرض الحائط, من أجل مصالح اقتصادية وسياسية غاية في السخف، حيث حاولت الخارجية الجزائرية قبيل انعقاد القمة العربية المنتظرة في نوفمبر المقبل إيجاد توافق عربي على دعوته إلى القمة، ما كان أيضًا الموقف الرسمي لمصر تجاه بشار الأسد ونظامه، قبل أن يتغير منذ عدة أشهر نتيجة ضغوطات خليجية والله أعلم.

في النهاية تبقى قضية المعتقلين هي القضية الأهم بالنسبة لكل سوري، حيث يكاد لا يخلو بيت سوري من معتقل أو اثنين على أقل تقدير، ويبقى لذويهم الحسرة والأمل من دون معرفة أي مصير ينتظر أبنائهم بعد هذه السنين الطويلة. وتبقى عبارة الداخل مفقود والخارج مولود هي العبارة السائدة على أبواب الجولاج السوري إلى يوم الناس هذا.

مصدرعبد المجيد الخطيب
المقالة السابقةإعادة دمج المفرج عنهم.. محاولة لرد الاعتبار
المقالة القادمةالتغيرات المناخية والصحة النفسية

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا