!احذر من محاولات اغتيال إنسانيتك وأحلامك

0
437
Google search engine

محمد عيسى 

«خذ العبرة من أفواه المجربين»… ستبدأ حياتك مثل حياة أي إنسان ينتمي إلى هذا العالم، سيحاول أفراد المجتمع المحيط بك تلقينك أفكاره وقيمه التي تكون بالنسبة لهم القيم اللازمة لكي تستطيع أن تعيش في هذا العالم، والتي هي في الغالب تبعد كل البعد عن قيم الجمال والحق والعدل والحرية، فطرة الله التي فطرك عليها، حينذاك سيكون أمامك طريقان، إما أن تقبل بالأمر المفروض عليك وتحمل أفكار المجتمع المحيط بك، وساعتها ستكون من المرضي عنهم، بل ستحصل على إجازة للعيش في هذه الحياة، وأما أن تعزف عن اعتناق أفكارهم، وساعتها ستكون هناك حربان، حرب بينك وبين العالم الذي تحيا فيه، وحرب بينك وبين نفسك التي يوجد فيها جانب اسمه عيوب الطبيعة البشرية.

في بداية رحلتك ستكون متحمسًا للغاية، وستدأب على مقاومة محاولات استقطابك لمجتمعك بكل الطرق، التي تكون عن طريق إغرائك بمميزاته وما يمكن أن تظفر به، أو تخويفك من العقبات التي ستلاقيها ولن تستطيع أن تذللها ما دمت تحمل أفكارًا مثل أفكارك الهلامية على حد مزاعمهم، ستتصور في بداية الأمر أنهم يبالغون في تكهناتهم، وستستمر في محاولاتك للهروب من التطبع بطباعهم، حتى تصطدم ذات يوم بواقع كابوسي، ترى فيه من يمت من الجوع ومن البرد، ومن يقتل على مرأى ومسمع من الجميع، لأنه يعبر عن أفكار مستهجنة من قبل مجتمعك، وحين تعترض وتصرخ صرخة المستغيث المفجوع ستجد الجميع يرمقك بنظرة تخيرك بين أمرين؛ إما أن تصمت وتشيح بوجهك عن كل ما يحدث حولك، وإما تلحق برفاقك الحالمين، ليس عن طريق قتلك بالرصاص كما تظن، بل قتلك بالبطيء بواسطة الزج بك في وحشة الظلمات، وهذا ما ستدركه حين ترى أصدقاء يكبرونك في السن يستنزفون، ولكنك ستكتشف أنك في هذه السن المبكرة ستكون أتفه من أن يضعوك في رؤوسهم أو يسعوا إلى التخلص منك، لذلك سيتركون لك الحبل على الغارب، لتقول ما تشاء ما دمت لم تتجاوز الخطوط الحمراء.

سيترك الواقع الكابوسي في داخلك أثرًا لا يستهان به، وستتشبث أكثر بأحلامك، وستتمنى في كل لحظة وحين أن تكون أداة لجبر الضرر وتطيب الجروح المتقيحة للمعدمين في هذا العالم، ولكن ستدرك لاحقًا أن تحقيق الأماني ليست بالتمنى كما كان يخيل لك في أحلام اليقظة، لذلك ستحاول أن تبحث عن الطرق التي تجعلك الأداة المطيبة لجروح المعدمين، وستجد هذه الأداة، وستنبهر في بداية الأمر بنضال مستخدمي هذه الأداة المزعوم، ولكن الأمر لن يكون كذلك، فحينما ترى الواقع بعينيك، ستكتشف أن الأمر ليس كما كنت تتخيل، وستتذكر كلمات صديقك الذي استُنزف كثيرًا في هذا المجتمع حين أوصاك بعدم الإفراط في الإيمان بأشخاص حتى لا تكون صدمتك فيهم كبيرة، وستتثبت من صحة كلماته هذه حين ترى كيف تكون اليد الحانية هي اليد التي تنتفع على حساب معاناة المستضعفين في الأرض، بالطبع ستصعق وسيضيق صدرك وينفطر قلبك، وستبحث عن الملاذ، ستجده غالبًا في فتاة، سيجذبك لها طفولتها وجرأتها، وستفصح لها عن كل ما يدور في صدرك، ستحكي لها عن أحلامك الطوباوية، وعن الحرب الدائرة بينك وبين عيوب طبيعتك البشرية، ستقول لها كل ما لم تقله إلا لربك ولنفسك حين تنسى لماذا خلقها خالقها، وستسدرجك برقتها لكي تفصح لها عن مشاعرك تجاهها، لا لأنها تريد أن تشنف أذنها أو تمتع عينيها بالكلمات الغرامية، ولكن حتى يتسنى لها الفرصة لكي تدهس مشاعرك بقدميها، ستنظر إليها وهي تتفنن في دهسها نظرة ندم وستؤنب نفسك، لأنك لم تضع قلبك تحت قدميك لأنه دق لها في وقت من الأوقات، خاصة مع علمك المسبق أنها ابنة المجتمع المدللة، ستصعق وتصدم كما لم تصدم من قبل، وستتمنى وقتها لو أنك أخمدت أنين ضميرك وسلمت نفسك إلى المجتمع منذ اللحظة الأولى لتفتح عينيك على هذه الدنيا، وكففت عن التمرد على قيمه، وستتمنى لو أنك تستطيع أن تدير وجهك عن معاناة المستضعفين، ولو أنك تستطيع التطبيع مع الفساد، ولو أنك تستطيع دهس دماء رفقائك التي لم تبرد بعد، ولكن حين ستداهمك هذه الخواطر في لحظة يأس خرقاء سترى طيف عبارة سيدنا المسيح، عليه السلام، التي تقول لك «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟»، لكي تحذرك من محاولة جديدة لاغتيال إنسانيتك وأحلامك التي يقولون عنها إنها خيالية، وتقول عنها أنت إنها ستتحقق ولو بعد حين.

لن تستجيب لعبارة سيدنا المسيح عليه السلام «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟» كما سيخيل إليك للوهلة الأولى، ولكنك ستحاول أن تخدع نفسك وتقنعها بأنك استجبت إلى عبارته لكي تحافظ على أحلامك وعلى المعاني الإنسانية داخلك، ولكن في الحقيقة الأمر ليس بالسهولة التي كنت تتخيلها، وبدون أدنى موضوعية ستصب جام غضبك على سيدة قلبك حينذاك، التي طغى عقلها على قلبها وإحساسها في هذا الوقت، بعد أن كانت تشبهك مسبقًا بشخصية ثورية أحبتها شاهدتها في مسلسل تلفزيوني، تحديدًا في مسلسل «بنت اسمها ذات» المأخوذ عن رواية «ذات» للروائي العظيم صُنع الله إبراهيم، ولكن حين ستنظر إلى الأمر من الزاوية التي تنظر إليها هي له، ستعرف أن مثل هذه الشخصيات بالنسبة لفتاة مثلها لا تكون أكثر من محل إعجاب لها إذا رأتها أثناء مشاهدتها في عمل تلفزيوني أو قرأت عنها في رواية أدبية، وأنه لا يمكن لفتاة طغى عقلها على قلبها وإحساسها أن تقدم تضحيات أو تخوض مغامرة غير معلومة العواقب لمجرد أنها أعجبت بشخصية كهذه في وقت من الأوقات، فأهمية مثل هذه الشخصيات بالنسبة لها تكمن في التسلية بمشاهدة ما يمكن أن تقدمه في الحياة، والثمن الذي من الممكن أن تدفعه فحسب.

لحظة ما ستدرك هذه الحقيقة لا أخفي عليك أنك ستكتئب وستحبط، وستتخذ بينك وبين نفسك موقفًًا منها، وستنعتها بالقاسية، خاصة حينما تجدها ترتبط بغيرك، بل الأكثر من ذلك حين تجدها ترد عليك برقة في إحدى المرات التي كنت تريد أن تتجاذب معها أطراف الحديث بأنها لا تريد أن تسبب لك إحراجًا مع من سترتبط به رسميًّا، ساعتها ستأخذك المفاجأة ولن تدري بنفسك غير وأنت تقول لها «حاضر.. من عنيا.. أنا آسف والله مكنتش أعرف..مع السلامة»، ولكن حين تفوق من الصاعقة التي نزلت عليك مع كلماتها، ستصعب عليك نفسك، لا لأنها تحدثت معك بهذه الصورة، ولكن لأنك أحببتها كثيرًا، ولأن مشاعرك التي أفصحت عنها كانت في غير محلها، لأنها لو كانت في محلها لما كانت دهستها بقدميها بهذه السهولة، ولكنك حين ستهدأ وتتروى وتنظر إلى الأمر من منظور إنساني وموضوعي، ستكتشف أنها غير مجبرة على أن تتحمل منك ما لا طاقة لها، أو تحمل نفسها أكثر من وسعها، وأنها بحسابات العقل كانت على صواب، ولكن ما صدمك هو أنك حتى اللحظات الأخيرة كان يخيل إليك أنها لو أعطت لقلبها فرصة الاختيار لاختارتك أنت، لا لأنها أحبتك كما أحببتها، ولكن لأن قلبها سيحدس أنك أحببتها بالفعل من قلبك، حتى ولو تأخرت في الإفصاح عن مشاعرك إليها، بل حتى ولو خشيت من الإكثار في الحديث معها من فرط خوفك عليها وعلى مشاعرها في وقت من الأوقات.

لا أعدك بأنك ستستطيع أن تتعافَى بسرعة من الآثار السلبية التي انطبعت على نفسك وروحك، بل ستشعر بأن حياتك توقفت عند هذه اللحظة، وأنك لن تستطيع أن تستأنف حياتك بصورة عادية، خاصة أنها كانت بالنسبة لك المرسى الذي ترسى به عندما كنت تُستنزف وتستهلك في مجتمعك، وحين سيراك المقربون منك على هذه الحال، سيحاولون أن يخففوا عنك بأنها ليست آخر فتاة في هذا الكون، وأنك لا بد من أن تبحث عن رفيقة غيرها، حتى يتسنى لك الاستمرار في هذه الحياة، ساعتها ستنظر إليهم نظرات تنطق بأنهم لم يشعروا بك؛ لأنهم لو كانوا شعروا بمشاعرك الصادقة نحوها لما قالوا لك مثل هذه العبارات، ولما استخفوا بما تعرضت له بهذه الصورة، ولكنك ستلتمس لهم الأعذار؛ لأنهم لم يقولوا لك مثل هذه العبارات إلا بعد أن رأوا انطفاء روحك التي كانت مفعمة بالأمل والحياة، في الوقت نفسه التي تعيش فيه هي أسعد لحظات حياتها وهي تجهز لخِطبتها، فحين تستجيب لنداء الأحباء، وتحاول أن تجعل عقلك يطغى على قلبك للحظات، لن يكون أمامك إلا الاستجابة لنصائحهم، لا النصائح التي تحثك على البحث عن فتاة أخرى، فالأمر لم ولن يكون كذلك، ولكن إلى النصائح التي تحثك على محاولات الاستمرار في المُضي قدمًا نحو تحقيق ما تعتقد أنك خُلقت لكي تحققه في هذه الحياة، ولأنك لو استسلمت وسلمت نفسك إلى براثن اليأس، ستعرف وقتها حق المعرفة كيف يمكن أن يجري اغتيال إنسانيتك وأحلامك.

وحين تستعيد حياتك وتيرتها الطبيعية بعد أن سلمت للواقع المؤلم الذي أعانك المقربون على التسليم له، سيخيل إليك في بداية الأمر كما سيخيل إليها هي أيضًا وإلى المقربين منك، أن النسيان هو أمر بيد كل إنسان فما عليه إلا أن يتخذ قرار النسيان لكي يجد بعد ذلك أن كل ما حدث كأنه شيء لم يكن، ولكن الأمر لن يكون كذلك، فحينما تستهل حياتك من جديد ستداهمك جميع الذكريات التي جمعتك بالفتاة التي أحببتها، بالرغم من محاولاتك الدؤوبة لكبحها وتجاهلها.

وعندما تستسلم لتداعي الذكريات البسيطة، ستثتوثق من قناعاتك القائلة إنك مسؤول – مثلما هي مسؤولة بعدم تفهمها لك – عن الوصول للنقطة التي وصلتما إليها، وأنك لم تكن أبدًا الملاك الذي لا يخطئ، وأنك تعاملت معها بجفاء في كثير من الأوقات، حتى ولو كنت تؤنب نفسك بشدة حينذاك قبل أن تهرع إليها معتذرًا عما بدر منك، وأنك كنت تغلب عقلك على قلبك وإحساسك، مثلما اتهمتها أنت حينما تجاهلت هي مشاعرك التي أفصحت عنها إليها بعد سنوات بأنها رجحت عقلها على قلبها وإحساسها، وأنك كنت جاحدًا لمشاعرك تجاهها طيلة الوقت، بل كنت تتعمد أن تظهر هذا لها عندما كنت تتحدث معها، بل الأكثر من ذلك حين كنت تتحدث بينك وبين نفسك بصوت مرتفع، وعزاؤك الوحيد هنا أنك بالفعل كنت تخشى أن تتورط في الإعراب عن مشاعر لم تتثبت منها بعد، أو تطوق عنقك بوعود تكتشف لاحقًا أنك غير قادر على تلبية مقتضياتها، وعلى الرغم من محاولاتك المتكررة لإنكار أي مشاعر حب تجاهها، كان هناك شيء أقوى من محاولاتك الخائبة في قرارة نفسك كنت لا تفهم كنهه، شيء هي نفسها شعرت به دون أن تنبس عنه ببنت شفة، شيئء كالشيء الذي كنت تظن أنه يوجد مثله في حنايا صدرها على الرغم من أنها لم تفصح عنه صراحة، ولكنك كنت تشعر به حينما تلتقي عيناك بعينيها وتبتسم لك ابتسامة مليئة بالخجل الذي كان يظهر على وجنتيها.

وحين تفضي للمقربين منك بهذه الهواجس، ستتباين آراؤهم، فمنهم من سيتفق مع قناعاتك هذه، ومنهم من سينفجر في وجهك قائلًا لك إن كل هذه القناعات محض أوهام، وأنها لم تكن بداخلها تجاهك ثمة مشاعر صادقة من الأساس، لأنها لو كانت هناك مشاعر صادقة لما ماتت بهذه السهولة، ولكانت احترمت خوفك على مشاعرها حتى ولو بالغت فيه، واحترمت خوفك من أن تصرح إليها بمشاعر كنت تخشى طيلة الوقت أن تكون مشاعر مراهقة، واحترمت أرجاءك الإفصاح عن مشاعرك حتى تتأكد من أنها خارجة من ينبوع قلبك بالفعل، ثم سيختمون كلماتهم الموجهة إليك كالسهام، بأنك لم تكن أكثر من لُعبة بالنسبة لها، لذلك ينبغي لك أن تنساها وتمحو أي ذكرى تخصها من ذاكرتك، لأنك إن لم تفعل ذلك بعد كل الذي حدث لك ستقل من نظرهم هم أيضًا وستكون بالفعل (كما وصمت سابقًا) عبيطًا وساذجًا.

ستثير هذه الكلمات اللاذعة حَنَقُك، وستتمنى لو أنك تستطيع أن تصرخ في وجوههم قائلًا لهم إن من المستحيل أن تفكر هي بهذه الصورة المُخيفة، أو أن تكون رقتها زائفة، أو أن يكون ما كنت تشعر به عبارة عن أوهام، أو أن تكون هي قد تعمدت إيلامك، حتى ولو تعاملت معك بقسوة دون أدنى مبالاة، فينبغي لنا دائماًً أن نحسن الظن بالآخرين، وأن ننظر إليهم من خلال منظور إنساني، حتى ولو استبد بنا الغضب في أحيان، ودفعنا هذا إلى تنحية هذا المنظور جانبًا، فلا بد أن يكون هذا الغضب عبارة شعور وقتي فقط، لا قاعدة عامة في التعامل مع الآخرين، لأننا لو جعلنا غضبنا يطغى على أفعالنا وعلى نظرتنا للأمور، سيتم اغتيال معنى من المعاني الإنسانية داخلنا، وبالتالي سيتحطم حلمنا في أن نغادر هذا العالم دون أن نفقد شيئًا من هذه المعاني

مصدرمحمد عيسى
المقالة السابقةالحكاؤون يكتبون التاريخ
المقالة القادمةالنيابة تستأنف ضد براءة رشا عزب 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا