إفلاس لبنان.. كيف وضعت الزبائنية السياسية البلد على حافة الإنهيار؟

0
259
Google search engine

كريم فرحات

تبدو الأوضاع في لبنان بعد إعلان نائب رئيس الحكومة، سعادة الشامي، إفلاس الدولة قد بلغت درجة من الانسداد غير مسبوقة. ومن الأمور التي فاقمت حدة المخاوف كان الحديث عن تحمل المودعين إلى جانب الدولة والمصارف اللبنانية الخسائر المالية والاقتصادية.

وقال الشامي: هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها ولا يمكن أن نعيش في حالة إنكار ولا يمكن أن نفتح السحوبات المصرفية لكل الناس وأنا أتمنى ذلك لو كنا في حالة طبيعية ولا يوجد قيود بالمطلق على التحويلات والسحوبات المصرفية الداخلية من مصرف إلى مصرف في قانون الكابيتال كونترول وأن وزارة المالية ستضع خطة لدفع المتأخرات لكن ذلك لن يحصل غداً ولدينا الوقت الكافي إن كان هناك إرادة سياسية جامعة وليس هناك تضارب بوجهات النظر حول توزيع الخسائر وسيجري توزيعها على الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين لكن الدولة أفلست وكذلك مصرف لبنان والخسارة وقعت وسنسعى إلى تقليل الخسائر عن الناس”.

ورغم تبرؤ حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، من الأخبار التي تشير إلى إفلاس الدولة، ونفي صحتها، إلا أن الحديث عن هذا الوضع المتفاقم لا يعد مباغتاً، بأي حال من الأحوال، خاصة مع مؤشرات اقتصادية عديدة ألمحت إلى الوصول إلى تلك النتيجة المأساوية والصعبة، على خلفية السياسات المالية والسياسات العامة للطبقة الحاكمة.

وقد سبق لمرصد الأزمة بالجامعة الأمريكية في لبنان، أن نشر تقريراً مع بدايات الأزمة الاقتصادية، قبل عامين، يحذر من أن “الأسوأ لم يأت بعد”، إذ إن التداعيات القادمة سوف تطاول كل المجالات في لبنان، وتصل حد ورجة الانهيار الشامل. والسبب الرئيسي للأزمة هو عدم توافر سياسة متكاملة للتعاطي مع الأزمة الاقتصادية، فضلاً عن غياب الإرادة السياسية الحقيقية للحل والمواجهة.

وقال سلامة في بيان رسمي، إن “ما يتم تداوله حول إفلاس المصرف المركزي غير صحيح”. وأضاف: “بالرغم من الخسائر التي أصابت القطاع المالي في لبنان، والتي هي قيد المعالجة في خطة التعافي التي يتم إعدادها حالياً من قبل الحكومة اللبنانية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، ما زال مصرف لبنان يمارس دوره الموكل إليه بموجب المادة 70 من قانون النقد والتسليف وسوف يستمر بذلك”.

النموذج الاقتصادي النيوليبرالي الذي تعتمد عليه الدولة، نجم عنه عدم عدالة في توزيع الثروات واللا مساواه في المداخيل، بحسب التقارير الدولية، ما خلق فجوة هائلة لا يمكن ترميمها، وهو الأمر الذي يعود لتسعينات القرن الماضي مع السياسات الاقتصادية والنقدية الريعية التي دشنها رئيس الوزراء، رفيق الحريري، حيث أفسح الأخير المجال لسياسة الخدمات على حساب الاقتصاد المنتج. وراكمت الطبقة السياسية والنخب المرتبطة بها ثروات هائلة وغير محدودة في ظل الامتيازات العديدة التي حصلوا عليها تبعاً لهذه السياسة ومنها الاستيلاء على أصول عقارية ومالية للدولة.

ومع الزبائنية والطائفية السياسية التي تحميها الديمقراطية التوافقية بين ملوك الطوائف والتي جرى تعميمها في لبنان، وجد أصحاب المصالح المشتركة في الحكم الوسيلة لإدارة السلطة والثروة معاً، وذلك تقديم خدمات فئوية لأبناء طوائفهم لجهة تعزيز بقاءهم ونفوذهم المالي والاقتصادي السلطوي.

واللافت أن أصول المصارف التجارية اللبنانية الرئيسية تسيطر على أكثر من نصفها أفراد مرتبطين بالنخب السياسية والطائفية الحاكمة، وذلك بنسبة تقارب الـ43%. وعليه، يمتلك نحو 1 في المئة على نسبة 25 في المئة من الدخل الوطني اللبناني، بينما تحصل شريحة الفئات الأكثر فقراً ونسبتهم 50 بالمئة على أقل من عشر بالمئة. ووفق معهد كارنيجي الأمريكي، فإنه في ما يتعلق بالثروات، تملك فئة الـ10 في المئة الأكثر ثراءً من السكان نحو 70 في المئة من مجموع الثروات. ويضاف لذلك أنه ليس أمام الطبقة الوسطى والفقراء سوى فرصة ضئيلة لتحقيق الارتقاء الاجتماعي.

ومع اندلاع الاحتجاجات المطلبية والفئوية في لبنان، في النصف الثاني من عام 2019، وتحديداً التي بدأت ضد ظاهرة انتشار النفايات وعدم مقدرة الحكومة على إيجاد حل لتلك الازمة التي تبطن عجز وانسداد شديدين، كان منحنى الاقتصاد يواصل هبوطه بينما تسجل الليرة اللبنانية متتالية السقوط والتداعي. ومع هذا الانهيار المالي المحتوم كانت تمر فصول شديدة المأساوية على حياة المواطن اللبناني الذي يقع تحت وطأة ضغوط مجتميعة ومعيشية. وقد حاولت الحكومة، خلال عام الأزمة، فرض برنامج تقشفي للتعاطي مع الأزمة، الأمر الذي تسبب في خفض أجور المواطنين الأكثر فقراً والمرتبطين بالدولة أو بالأحرى القطاع العام، ومنهم أصحاب المعاشات، كما شهدت الأسعار قفزة هائلة وبخاصة السلع المستوردة.

ومن الأمور التي زادت من تعقيد الأوضاع الاقتصادية والمالية، كانت الخطوات الإجرائية المباغتة بشأن زيادة الرسوم على خدمة الاتصالات الهاتفية بواسطة الانترنت، بما في ذلك تطبيق واتساب، ثم تدشين خطة لمضاعفة الضرائب على القيمة المضافة بنسب تتراوح بين 11: 15 في المئة مع العام الحالي. ومع هذه النقطة الأخيرة التي تزامنت وتسجيل الليرة اللبنانية سقوطها الحر، احتشد اللبنانيون في تظاهرات امتدت على مدار العام الماضي بهدف إسقاط الطبقة السياسية التي تحكم منذ نهاية الحرب الأهلية واتفاق الطائف.

وقد ألمح وزير الاقتصاد راوول نعمه، منتصف العام الماضي، إلى أن 60 في المئة من اللبنانيين سيصبحون دون خط الفقر بحلول نهاية عام 2020. ومن المؤشرات أيضا على هذا الاتجاه السلبي الذي كانت تذهب فيه لبنان بوتيرة سريعة التقديرات التي أوضحها رئيس جمعية تجار بيروت، حيث قال إن ربع المؤسسات الخاصة في بيروت أقفلت أبوابها، وهي نفسها المؤسسات التي تسجل أعلى أرقام خارج بيروت. كما رجح بقاء الأوضاع على حالها.

منظمة هيومن رايتش ووتش، قالت، في التوقيت ذاته، إن ملايين الأشخاص في لبنان معرضون لخطر المجاعة. ووثقت المنظمة ارتفاع نسبة الانتحار في أوساط الفقراء اللبنانيين على خلفية الإحباط والأوضاع الصعبة. وتابعت: “أما العاملات المنزليات الأجنبيات اللواتي يخضعن أصلًا لنظام الكفالة الاستغلالي وغالبًا ما يعشن في ظروف مروعة، فيتم التخلي عنهن بأعداد متزايدة أمام سفارات بلدانهن لأن “كفلاءهن” لم يعودوا قادرين على تسديد أجورهن. وقد سرعت أزمة كوفيد-19 وتيرة الانهيار اللبناني، وألحقت مزيداَ من الأذى بالفئات السكانية الأكثر هشاشة. ثم، وقع انفجار مرفأ بيروت ، فسدد الضربة القاضية للبلاد”.

مصدركريم فرحات
المقالة السابقةلماذا أحببت نوال السعداوي (٤_٥).. ولماذا لم يتحرر نصف المجتمع إلى الآن؟
المقالة القادمةالحزن يسيطر على الإعلام الجزائري بعد الإعلان عن غلق صحيفة”ليبرتي”

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا