أول فيلم تجريبي يمني يرى النور

0
200
Google search engine

محمد المهدي

يعد فيلم “1941” أول فيلم تجريبي قصير يرى النور أخيرًا من مدينة عدن جنوب اليمن. أخرج الفيلم وكتبه عاصم عبدالعزيز، مع مجموعة من الشباب الشغوفين بالفنون

البصرية وصناعة الأفلام، وإنما جمعتهم فكرة هذا الفيلم ومعاناتهم من حرب خيمت ظلالها منذ سبع سنوات.

في غضون سبع سنوات من الصراع والقتال في جميع أنحاء اليمن، يكشف الفيلم القصير ما تمر به مدينة عدن وسكانها من صعوبات عديدة، ويصوِّرهم عاصم في فيلم تجريبي قصير يتوقع أن يؤثر بشكل كبير وينقل ما يحدث في اليمن إلى شاشات السينما، خلال عرضه في المهرجانات ووسائل الإعلام.

حاول عاصم وفريقه نقل مشاعرهم وأفكارهم ورؤاهم خلال سبع سنوات من الحرب إلى فيلم عنوانه مقتبس من مقال قرأه عاصم في مجلة “التايم” عن الحرب العالمية الثانية. نشرت المجلة صورة غلافها عن نساء يحكن ملابس، بالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك تواجه الحرب العالمية الثانية. كانت الحياكة ملجىء الناس للهروب من فكرة الحرب وتبعاتها نفسيًا وعاطفيًا، فاليمنيين يحيكون كل يوم وبطرق مختلفة للهروب من الحرب وصعاب العيش.

الأول وهو فنان بصري يعيش في عدن وقد درس إدارة الأعمال في ماليزيا، وكان الأول في دفعته، لكن الفن التجريبي أعاده لشغفه في خوض تجربة صناعة الأفلام، وعرضت أعماله في الفنون البصرية من عدن إلى واشنطن، مرورًا بالمملكة المتحدة. وقد حصل على “منحة دعم الفنان” من آفاق ومنحة “مسارات” من المجلس الثقافي البريطاني.

وخلال فيلم مدته خمس دقائق، يعبر عاصم عن ذاته ومشاعره المكبوتة من الصراع في اليمن، وأوجاع ومعاناة الناس المشتته والضائعة في دوامة الصراع على لقمة العيش والأمن والاستقرار، والخروج من تبعاتها النفسية وإعاقاتها الجسدية، كما يعكس الفيلم الجوانب النفسية والعاطفية لمواطني مدينة عدن ومناطق الحرب في اليمن، فالناس هناك يحيكون بمختلف مهنهم وأشغالهم لإلهاء انفسهم عن الواقع المرير وحركة الحياة المتكررة من فوضى وسوء خدمات وحوادث إمنية واشتباكات في الأحياء السكنية، ويكملها فيروس كورونا المستجد.

بدأت فكرة فيلم “1941” حين كان عاصم يلاحظ تحركات الناس في شوارع عدن المحطمة والمزدحمة، وتعابير وجوههم المجهولة، مشتتي الذهن مكتئبين، ويدورون في حلقة مفرغة من القلق. ويقول عاصم: “خلال ملاحظتهم، تبادر إلي سؤال ماذا صنعت بنا الحرب؟ وبعد عودتي من ماليزيا وأربع سنوات من الغياب، أدركت كيف غيرت الحرب الناس، وأخذ الفضول حيزًا من تفكيري، للتعرف على الجانبين النفسي والعاطفي وما يشغلهم”.

غاص عاصم في الكثير من الأفكار والروئ التي وجهته لصنع هذا الفيلم، الذي مر أيضًا بمراحل معقدة، خصوصًا مع الوضع غير المستقر وغير الآمن في عدن، كان يتوقع أن يتوقف العمل في أي لحظة بسبب الأحداث المستجدة والعنيفة في عدن، من انقطاع للكهرباء، إلى تدهور سريع للعملة الوطنية أمام الدولار، وبالتالي غلاء أسعار السلع الغذائية والأدوية والخدمات الأساسية، إلى الاختلالات الأمنية التي أودت إلى عشرات بل مئات الضحايا. ومن حسن حظ هذا الفيلم أنه تم تصويره من دون حوادث تذكر.

تصميم عاصم وفريقة على إكمال ما بدأوه كلل أخيرًا بالنجاح، وأصبح الحلم حقيقة رغم الصعاب والعوائق التي لا تقارن بأي منطقة حرب ولا يمكن تخيلها، كارتفاع درجات الحرارة، مع غياب الكهرباء لساعات طويلة، وعدم توفر المحروقات، ووصولها لأسعار خيالية، حيث يضاهي سعر 20 لتر سعر برميل نفط خام! 

يعد هذا النوع من الأفلام حديثًا وغير مألوف في اليمن، لذلك كان من الصعب جدًا التعامل مع كل مرحلة من مراحل إنتاجه، فأخذ الكثير والكثير من الجهد والوقت والحذر، ليستوعب كل من حول عاصم نوعية الفيلم الذي يتم صناعته. يصف عاصم إنتاجه للفيلم بدعم من المجلس الثقافي البريطاني بأنه غير من واقع صناعة الأفلام التقليدية، وحفزه لتخطي الحدود والحواجز لإنجاز رؤيته الفنية، فلولا فريق العمل المكون من شباب يتمتعون بشغف للفن أكثر من كونهم محترفين في مجال صناعة الأفلام، ويشاركون عاصم مكنونات ما عاشوه في الحرب وملاحظاتهم لصراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، محاولين جميعًا نقل مشاعرهم وذاكرتهم المضطربة لأحداث الحرب اليومية، ووضعها في قالب فني من الأحاسيس والمعاناة، في بلد يمر بمرحلة صعبة جدًا على صانعي الأفلام والصحفيين والمصوريين الذين يضطرون إلى الهجرة أو تغيير مهنتهم من أجل لقمة العيش.

يعتبر عاصم الحرب والسلام مرحلة تغيير لانتقال الناس من رحلة إلى أخرى واكتشاف ذواتهم وما حولهم والسعي لفهم المتغيرات الحاصلة والاختلالات اللا منطقية. ويضيف عاصم: “ستنتهي الحرب عندما يبدأ الناس في حب وطنهم بدلًا من حبهم للنخب التي تديره”.

هناك أعمال قليلة جدًا في السينما والتلفزيون عن الحرب اليمنية وأحداثها اليومية ومعاناة الناس بسبب تضييق السلطات لمثل هذه الأعمال، وصولًا لندرة وجود مراسلين لمحطات ووسائل إعلام عالمية على أرض اليمن لنقل ما يحدث بحيادية، ويعد فيلم “عشرة أيام قبل الزفة” فارقة سينمائية حدثت في الأربع السنوات الماضية، في محاولة لنقل واقع مرير عاشه سكان مدينة عدن أثناء الصراع الذي بدأ في 2015. وقد تم عرض الفيلم في قاعات خصصت للمشاهدة الجماعية، وحقق نجاحًا باهرًا على شباك التذاكر لأول مرة منذ تسعينات القرن المنصرم.

ويتشابه فيلم “1941” و”عشرة أيام قبل الزفة”, بأن كلاهما يعكس ما يختلج في صدور الناس من مآسي الحرب، ويبقى الفريد في “1941” أنه أول تجربة سينمائية لفيلم يمني تجريبي قصير يتعمق في دواخل سكان عدن، وينقل آهاتهم وأوجاعهم المكتومة. يعبر عاصم دائمًا عن مشاعره وأفكاره بطرق مختلفة، والأفلام التجريبة إحدى هذه الطرق، فهي قريبة من شخصيته، حيث لا قواعد ولا حدود ولا عراقيل ولا معايير، ما يدفع المتفرج بطرق غير مباشرة لمشاهدة الفيلم أكثر من مرة سعيًا لفهم وإحساس ما مر به صانع الفيلم أو أبطاله.

فاز الفيلم حتى الآن بثلاث جوائز، منها أفضل فيلم تجريبي قصير وأفضل تصوير سينمائي في “مهرجان كندا للأفلام القصيرة” في ديسمبر 2021، وحصل مخرجه على جائزة أفضل مخرج من “مهرجان الأفلام البديلة”، فيما لا زال العمل يخوض رحلة طويلة من المشاركات في المهرجانات والعروض الإقليمية والدولية، فيما يعد عاصم الجمهور اليمني بالمشاهدة من خلال مهرجان “كرامة لحقوق الإنسان”، بهدف تغيير الصورة النمطية عن عدن وعن اليمن بأنها وجهة للحرب والصراع. “ما زلت أومن أن اليمن يحمل من الجمال والفن ما لا تتخيله العقول، ولكنه مغطى بغبار الحرب والصراعات. ومهمتي مسح هذا الغبار ليشاهد العالم فرادته” يقول عاصم. 

“1941” تم تصويره في معلم تاريخي داخل مدينة عدن, وأختير هذا المكان لجماله ولأنه مهمل منذ سنوات الحرب حيث يمثل عدن وما تواجهه من إهمال ويمثل وضع البلاد  ككل. وشارك في العمل تسعة ممثلين غير محترفين تم اختيارهم عبر منصات التواصل الإجتماعي والنزول للشارع عبر معايير خاصة والتي كانت “ملامح عدنية, سمراء نحيلة الجسم” وتم تدريبهم على الحياكة لأسابيع والحركة في إيقاع خطوات تتماشى مع الممثلين الآخرين؛ وتم التصوير في خمسة أيام واختير اللون الرمادي الذي يعبر عن الأكتئاب والمشاعر السلبية وكانوا عاريين منطقة الجسم العليا واللون الأحمر لخيوط الحياكة ومونتاج هادىء دون إنتقالات مع الألوان الباهتة وتصوير ثابت يمثل الوضع الذي نعيشه.أشتغل على الصوتيات مهندس الصوت أنس أو.دي الذي ترجم مشاعر المخرج لتتناسب مع الفيلم.

بالإضافة إلى الحرب العبثية التي تكلف حياة الناس وسبل عيشهم واحتياجاتهم البسيطة، يواصل عاصم العمل في مشروع جديد “مكان مثل المنزل” وهو مشروع يخلق ثنائيًا تعاونيًا بين الفنانين اليمنيين والهولنديين بتمويل من السفارة الهولندية في اليمن مع معرض على الإنترنت بحلول نهاية عام 2022. 

ويختم عاصم: “لقد اشتهرت مدينتي عدن بالفنون والسينما في الماضي، ولكن بسبب الصراعات المستمرة والحرب، أخذ الفن منا، ومهمتي أن أعيد ما سلب منا، وكذلك تغيير الصورة النمطية عن اليمن ومدينتي الحبيبة عدن ، لذلك سأستمر في إنتاج الفنون والأفلام التي تناقش الجانب العقلي والعواطف للناس”.

مصدرمحمد المهدي
المقالة السابقةالعودة الأمريكية من رحم الحرب الأوكرانية
المقالة القادمةماذا أحببت نوال السعداوي.. الحجاب وتعدد الزوجات  (3-5)

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا