صناعة الشمع : مهنة تندثر وتحي في العبادة

0
226
Google search engine

كتابة وتصوير: سارة زكريا

لم يمنع تقدم العمر وتدهور الصحة استمرار عم حلمي في عمل ما يحبه.

يذهب عم حلمى مبكراً لورشته الصغيرة الكائنة بالطابق العلوي داخل كنيسة القديس موريس والعذراء مريم بالعمرانية، ليبدأ خدمته المعتاد عليها منذ الصغر، صناعة الشمع الكنسي على النهج القديم، تجاوز عمر عم حلمي ال60 عام ولكنه لم يتوقف بعد عن خدمته ولا ينوي التوقف قريباً. 

“انا بعمل شمع في الكنايس من وانا عيل عندي 14 سنه، روحت كنايس وأديرة كتير خدمت فيها بس دلوقت خلاص كله بقا بيستسهل يا بيشتروا جاهز من اي مصنع، يا بييجوا الحاجات الي بيتصب فيها الشمع علطول بس هنا منقدرش نشتري الحاجات دي” يحكي عم حلمي

يحضر عم حلمي في بيته أولي خطوات العمل وهي قص الفتيل بأطوال متساوية وحين يصل الورشة يعلقه على عشرات من العصي الخشب المقسمة بما يناسب حجم الفتيل، ثم يجمع بيده المرتعشة بواقي الشموع المستعملة من قبل المصلين ويعيد تصنيعها مرة أخرى. في البداية يقوم بإذابة الشمع تماما ثم يعمل على تكوين الشمع بالطريقة القديمة المتعارفة قبل صنع القوالب وهي تغطيس الحبل عشرات المرات في الشمع المذاب حتى تتكون الشمعة بشكلها النهائي، يمكن أن تستغرق هذه العملية أكثر من 8 ساعات عمل متواصل مما شجع غالبية الكنائس على استخدام القوالب الجاهزة لتسهيل الأمر على الخادم المسئول عن صنع الشمع في الكنيسة، لكن مازال عدد كبير من الكنائس الموجودة في القرى والمناطق المتواضعة تلجأ لطريقة صنع الشمع القديمة نظراً لتكلفة القوالب المرتفعة والحاجة لصنع كميات كبيرة من الشمع وبأحجام مختلفة لاستخدامها في عدة صلوات وطقوس كنسية. 

يرجع ارتباط الشمع بالكنيسة في بعض الطوائف المسيحية لعدة دلالات دينية معظمها يعود لروحانيات ما تبعثه الشموع من راحة، ورمز لوقفة المصلي وقلبه مشتعل لكلمات الله الذي يعتبرها هي النور الحقيقي، وتستخدم الشموع في الكنيسة منذ العهد الجديد حتى الآن في عدة صلوات مثل صلاة الاكليل (الزيجة)، القداس، سر المعمودية وسر مسحة المرضى.. ويستخدم بعض المؤمنين الشمع في النذور للقديس الذي يطلب شفاعته لتحقيق أمنية معينة.

لم يقتصر استخدام الشمع في الطقوس الدينية على المسيحية فقط، ففي الديانة اليهودية تلعب الشموع دور أكبر في المعابد والأعياد السنوية مثل عيد الفصح ويوم كيبور.. وفي بيوت العائلات اليهودية تضاء الشموع أيام السبت، وفي يوم يهرزيت لإحياء ذكرى وفاة المقربين.. وفي الديانة البوذية تستخدم الشموع في الاحتفالات وتوضع أمام أضرحة البوذيين لاعتبار الضوء المنبعث من شمعة يرمز إلى تنوير بوذا.

يعبر عم حلمي عن رغبته في نقل صناعة الشمع  للأجيال القادمة قبل اندراثها “انا نفسي يجي معايا شباب هنا أعلمهم وأوريهم ازاي يعملوها قبل ما أموت وممكن ميلقوش حد يعلمهم، أصل دي صنعه الناس بتاكل منها عيش فمش اي حد ممكن يقول الطريقة لحد تاني، لكن انا بعملها خدمة للكنيسة ونفسي أعلم شباب تانية صغيرة يكملوا بعد ما أموت..”

يرجع أقدم استخدام للشموع كمصدر للضوء منذ الالاف السنين في الحضارة الفرعونية، لكنه لم يكن على شكله الحالي بالطبع، فلم تحتوي  الشعلة علي فتيل وكانت اشبهه بالمصباح يدوي. ولكن ينسب أول محاولة لتطوير وصناعة الشمع إلى الرومان القدماء عن طريق غمس ورق البردي بشكل متكرر في الشحم الذائب او شمع العسل، وبدأ حينها يستخدم في انارة البيوت ومساعدة المسافرين ليلاً ومن بعدها في الاحتفالات الدينية، وفي العصور الوسطى أصبحت صناعة الشمع حرفة مهمة في انجلترا وفرنسا وكان بعض من صناع الشموع يذهبوا خصيصاً لمنازل الأثرياء لصناعة الشموع من بواقي دهون المطبخ.. 

تطور الأمر عبر العصور حتى وصلت الشموع في خمسينات القرن التاسع عشر لكل بيت وتم أنشأ الالات متخصصة لصناعتها بشكل متطور وبخامات غير ضارة واقتصادية، ومع ظهور المصابيح الكهربائية  بدأت صناعة الشموع في التدهور واستغناء البيوت عنها، واقتصر استخدمها علي الطقوس والاحتفالات الدينية. 

يقدر عم حلمي النهج القديم ويفضله في صناعة الشمع، ولا ينوي استخدام طرق أخري حتي لو أتيحت له فرصة لاستخدام القوالب الحديثة “أنا مش تعبان ولا عايز حاجة زيادة في الورشة، هو حلو كده، دي الخدمة الوحيدة إلي بعرف أعملها لربنا، حتي دي هستسهل فيها وبعدين ليه ندفع فلوس كتير في شوية قوالب مانا بعمل ب أيدي اهو، خلي الفلوس للناس المحتاجة..” يقول عم حلمي 

مصدرسارة زكريا
المقالة السابقةسولافة مجدي تكتب: في اليوم العالمي للمرأة
المقالة القادمةفي عيدها .. كونى فخورة بأنك امرأة

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا