لم تهتم عايدة أحمد، في متابعتها تفاصيل صفقة رأس الحكمة، بشيء أكثر من محاولة فهم تأثيرها على أسعار السلع. هذا ما يعنيها وقد همت في حساب تكلفة احتياجات شهر رمضان وتقسيم راتب زوجها -الذي قررت الحكومة صرفه هذا الشهر يوم 22 فبراير الجاري- على بنود إنفاق تشمل الأساسيات من مصروفات مدارس 3 من الأبناء وانتقالات وإيجار وفواتير خدمات.
تابعت "عايدة"، طوال الأسبوع الماضي، برامج "التوك شو"، وانتابها شيء من الحماس، كانت تقصده الحكومة على الأغلب بـ"السسبنس" الذي أحاطت به "الصفقة الكبرى" قبل إعلان "الخير القادم" لمصر أخيرًا.
قبل الإعلان وبعده، بقيت أخبار المشروع الكبير -في المدينة الساحلية الأهم على ساحل البحر المتوسط- غامضة بالنسبة لـ"عايدة"، التي حاولت تلمس أي تفصيلة عن الأسعار. كل ما يهم المصريون حاليًا هو الأسعار.
يدرك هذا مقدمو برامج "التوك شو" الذين أعطوا "نفحات" من الحديث عنه للراغبين. "هي صفقة من شأنها أن تضرب سوق الدولار وبالتالي تنخفض الأسعار.. أبشروا، فالقادم انتهاء أكيد للأزمة"؛ قالتها الحكومة وأمنت عليها البرامج وارتاب بشأنها المواطنون، إلا بعضهم كـ"عايدة"، التي قررت إجراء اختبار مصداقية في السوق.

سوق السلع.. اختبار مصداقية الحكومة
في السوق، أصابت "عايدة" صدمة الواقع؛ فأسعار اللحوم لا تزال كما هي دون تغيير بين 350 و450 جنيهًا للكيلو. وكذلك سعر كيلو الدواجن البيضاء الذي استقر بين 99 و103 جنيهات، وكرتونة البيض التي بقيت عند 180 جنيهًا بما يعادل 6 جنيهات للبيضة الواحدة.
الأسعار التي تراجعت خلال الأيام الثلاثة الماضية كانت من نصيب "العلف"؛ نحو 200 جنيه في الطن الواحد، ليبلغ سعر "التسمين" بين 28.7 ألف جنيه و29.1 ألف جنيه. لكن أصحاب المزارع يؤكدون أن لديهم كميات من الأعلاف اشتروها بسعر أعلى والانخفاض المفاجئ للسعر سيعرضهم للخسارة.
حال "عايدة" يشبه كثير من المواطنين الواقعين بين وعود الحكومة وواقع السوق، لا يدركون أن تأثير الصفقة لا يظهر بين ليلة وضحاها وأن الأمر لا يعتمد فقط على "الصفقة" كما ادعت وروجت برامج الإعلام المملوكة للدولة، وسط أجواء من التهليل خلال الأيام والساعات الماضية.
هذا هو وضع الأسعار في رمضان
بحسب اتحاد الغرف التجارية، فإن انخفاض أسعار السلع الأساسية في الأسواق والمنافذ متوقعًا له أن يُلاحظ بحلول شهر رمضان، خاصة مع انخفاض سعر الدولار بالسوق الموازية من مستوى 60 إلى 50 جنيهًا خلال الأيام القليلة الماضية. لكن الأمر يحتاج إلى وقت أطول فيما يتعلق بالسلع المصنعة لتوفير المدة الزمنية اللازمة لدورة رأس المال وإنتاج أجهزة جديدة.

ووفقًا للشحات الغتوري، رئيس مصلحة الجمارك، فإن حجم البضائع المتراكمة في الجمارك والموانئ يتراوح حاليًا بين 4 و5 مليارات دولار، وهي البضائع التي حال توافر الدولار من المتوقع أن يكون تأثيرها أسرع على مستوى الأسعار بالسوق.
وتؤكد نشرة الأسعار الخاصة بمجلس الوزراء، تراجع أسعار بعض السلع الأساسية بعد يوم واحد من توقيع الصفقة؛ حيث هبط الأرز السائب بقرابة 60 قرشًا إلى 32.52 جنيه، وزيت عباد الشمس إلى 99.8 جنيه لكل لتر، والمكرونة لـ 31.48 جنيه، والشاي إلى 12.45 جنيه للعبوة 40 جرامًا، والعدس إلى 70 جنيهًا. لكنها تبقى فوق المستوى المهقول بالنسبة لقدرات غالبية المصريين الشرائية.
"لما يكون سعر إزازة الزيت فوق 105 جنيه وتقول لي ينزل جنيه ولا اتنين ده مش نزول.. النزول لما ترجع الإزازة تاني لسعرها الطبيعي.. التجار كانوا يتحججوا بأن الدولار بـ 70 جنيه دلوقتي بقى بـ 50 جنيه.. ليه بقى السعر ما نزلش"؛ يقول أحمد المرسي، موظف.
وأحدثت بعض المواقع الصحفية الحكومية وبرامج الإعلام المحسوبة على الحكومة جدلًا حينما ربطت بين صفقة رأس الحكمة ومنتجات بالسوق ليس لها علاقة بالدولار من قريب أو بعيد، كالحديث عن بشائر تراجع الدولار وربطه بانخفاض الكوسة بنسبة 0.3% بالسوق والبطاطس بنسبة 6.3%.
بطن المواطن محتاجة "عَمرَة"
على مدار العام، ارتفع مستوى أسعار السلع الأساسية بنسب تجاوزت 40%؛ فالأرز المعبأ بلغ في 25 فبراير 2024 مستوى 35.18 جنيه للكيلو مقابل 21.94 جنيه في اليوم ذاته من عام 2023، وكذلك الفول المعبأ الذي يبلغ حاليًا 60.58 جنيه للكيلو مقابل 34.5 جنيه في الفترة المقارنة، وزيت دوار الشمس بلغ 99.4 جنيه للتر مقابل 56.89 جينه في الفترة المقارنة ذاتها.
كانت أسعار الفول قد ارتفعت في الأسواق المحلية بنسبة 20% خلال يناير الماضي، قبل شهرين فقط من حلول شهر رمضان، بسبب الدولار في ظل استيراد مصر 600 ألف طن سنويًا لسد الاحتياجات المحلية في ظل عدم تجاوز المنتج المحلي مستوى الـ 100 ألف طن فقط.

تقدر شعبة البقوليات باتحاد الغرف التجارية استهلاك المصريين اليومي من الفول بنحو 1200 طن.
ورفعت بعض محال الأكلات الشعبية سعر ساندوتش الفول إلى 10 جنيهات، بينما بلغ أقل طلب (طبق فول صغير ورغيفي خبز وسلاطة) مستوى 25 جنيهًا. وفي عربات الشارع ترتفع إلى 35 جنيهًا حال إضافة بيضة واحدة إلى الوجبة.
الأمر ذاته ينطبق على العدس الذي بلغت أسعاره مستوى 75.27 جنيه في 25 فبراير 2024 مقابل 47.2 جنيه في اليوم ذاته من العام السابق، بارتفاع يربو على 31.44 جنيه.
رمضان والصوم الكبير والبقوليات
خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الماضي استوردت مصر فولًا بنحو 266 مليونًا و950 ألف دولار، وعدسًا بنحو 114 مليونًا و728 ألف دولار.
ومن المتوقع زيادة الإقبال على الفول والعدس بمستوى كبير خلال شهر مارس المقبل، الذي يتزامن مع شهر رمضان عند المسلمين وكذلك الصوم الكبير لدى المسيحيين الذي يستمر لقرابة 55 يومًا، ويتم فيه الامتناع عن تناول اللحوم الحيوانية بأنواعها من اللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك، بالإضافة إلى مشتاقاتها المختلفة من حليب، وألبان، وأجبان، وبيض. وبالتالي، يزيد الطلب على البقوليات مثل العدس والفول.
يقول رزق رياض، موظف، إن الأسعار التي لا تزال مرتفعة تفرض ضغوطًا على المسيحيين خلال الصوم العظيم الذي تصبح فيه البقوليات هي أساس الوجبات الثلاث. "نفسنا ان الصفقة دي تظبط الأسعار شوية"؛ يتمنى.

متى تهبط الأسعار حقًا؟
وفق حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، ستتراجع أسعار المنتجات المستوردة من الخارج ومنها الأعلاف إذا تم حل أزمة سعر الصرف، ومن هنا يبدأ التأثير على أسعار السلع الأساسية المستوردة الفول والعدس، ثم أسعار اللحوم التي تتأثر مباشرة بأسعار منتجات التعليف والتسمين.

وتتوقع وزارة الزراعة أن تشهد جميع أنواع الأعلاف انخفاضًا في أسعارها بعد شهر من توقيع صفقة "رأس الحكمة"؛ أي مع موعد دورة استيراد الأعلاف الجديدة. لكن "أبو صدام" يقول إن السوق ستشهد زيادة المعروض من المنتجات التي خزنها التجار والمحتكرين على أمل ارتفاع أسعارها مستقبلًا حال تعويم الجنيه، ما ينعكس على المعروض بانخفاضات طفيفة بالأسعار وليس كما يتوقع المواطن.
ويتهم مسؤولو وزارة التموين التجار بتخزين كميات كبيرة من السلع. وقد أصدر الوزير علي مصيلحي، قرارًا أخيرًا بتنظيم آلية تخزين بعض السلع الغذائية لدى الموزعين وتجارة الجملة والتجزئة، وذلك بتحديد فترات تخزين بحد أقصى ثلاثة أشهر لسلع السكر والألبان والجبن والمكرونة وستة أشهر للزيوت، وشهرين للفول والعدس والأرز، على أن تكون السلع المخزنة مصحوبة بفاتورة ضريبية.
ويقول "أبو صدام": "الجميع كان يتوقع ارتفاعات كبيرة بالأسعار خلال رمضان باعتباره موسم الاستهلاك الأكبر لدى المصريين.. استقرار الأسعار خلال الشهر الكريم أو هبوطها بشكل طفيف في حد ذاته مكسب بعد الصفقة الأخيرة".
التموين تحدد الموعد

يقول الدكتور إبراهيم عشماوي، مساعد أول وزير التموين، إن "هبوط الأسعار يحتاج بعض الوقت حتى في حال انتهاء المضاربات على الدولار وتراجع سعره بالسوق الموازية". ويضيف: "الأسعار ستستقر أولًا وبعدها هتنزل في خلال شهرين لحد ما السلع اللي تم استيرادها بسعر عال يتم استهلاكها، وإن كنا لاحظنا انخفاضًا في أسعار السلع الغذائية بنسبة 5% خلال آخر 48 ساعة".
ويضيف عشماوي: "عندنا معارض أهلًا رمضان بتشارك فيها 1200 سلسلة تجارية غير الشوادر ومنافذ شركة النيل والأهرام، بتتباع إزازة الزيت هناك بـ 70 جنيه لـ 800 مللي.. والسكر في المبادرة بـ 27 جنيه، بتوقع انخفاضات جديدة خلال الفترة المقبلة مع دوران عجلة السوق".
السياسة النقدية كانت خاطئة
وفق الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، فإن التوقعات التي تشير إلى حدوث انخفاض ملموس بأسعار السلع والخدمات خلال الفترة القليلة القادمة، على خلفية صفقة رأس الحكمة، تؤكد أن معدلات التضخم المرتفعة بمصر كانت بسبب صدمة في العرض وليست بسبب الطلب الذي على أساسه تم تبني العديد من السياسات والإجراءات المتعلقة بسعر الفائدة، كأحد الأدوات الفعالة لسحب الكتلة النقدية الزائدة بالأسواق، من أجل ملائمة كمية النقد المتداول بالأسواق مع قدرة الجهاز الإنتاجي.
ورفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة بمقدار 1100 نقطة أساس منذ مارس 2022، آخرها حينما رفع الفائدة في فبراير الحالي 200 نقطة أساس (2%) للسيطرة على التضخم.
ويضيف "الجرم": "في كل مرة كان يتم رفع أسعار الفائدة؛ كانت معدلات التضخم تتصاعد بشكل غير مسبوق، نظرًا لأن تكلفة الائتمان المقدمة من البنوك للشركات كان يضعها أمام أمرين؛ إما الإحجام عن الاقتراض بما يعوق فتح خطوط إنتاج جديدة أو تطوير الحالية أو الحصول على الائتمان مرتفع التكلفة. وفي كلتا الحالتين تنتج زيادة بأسعار المنتج النهائي لاستيعاب التكلفة".
كيف تؤثر الصفقة فعلًا على السوق؟
ويوضح الخبير الاقتصادي أن الانخفاض الضئيل في معدل التضخم بنهاية يناير الماضي، لم يَكُن بسبب رفع أسعار الفائدة، ولكن كان بسبب تخفيض الإنفاق الاستهلاكي من قِبل الطبقة الفقيرة التي قد لا يكون لديها مدخرات في البنوك، وكان ذلك من خلال اللجوء إلى بدائل أخرى من السلع أقل تكلفة.
وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية بلغ (197.6) نقطة لشهر يناير 2024، مسجلًا تغيرًا قدره (31.2%) عن شهر يناير 2024 مقابل (35.2%) لشهر ديسمبر 2023.
ويقول "الجرم" أن إبرام صفقات مثل رأس الحكمة يدعم العرض من خلال توفير سيولة دولارية، تسمح بالإفراج عن البضائع المكدسة في الموانئ المصرية، بما ينتج عنه زيادة عرض السلع ومستلزمات الإنتاج أو العرض الذي كان السبب الرئيسي في ارتفاع التضخم، وكذلك تدبير الاعتمادات المستندية بالدولار للمستوردين بأسعار أقل بكثير عن السوق السوداء لتوافر حصيلة لدى المركزي جراء الصفقة، وهذا يؤدي إلى انخفاض أسعار السلع المستوردة، وكذلك المنتج المحلي من نفس السلع، ولكن ليس بالسرعة المتخيلة من البعض.