5 آلاف دولار للفرد.. الجارديان: "السماسرة" يتلاعبون بالهاربين من غزة

رغم الجهود الكبيرة التي تقول مصر إنها تبذلها لتخفيف معاناة الفلسطينيين، بما يشمل إدخال المساعدات، والحراك الدبلوماسي لوقف العدوان المتواصل منذ 3 أشهر على قطاع غزة، لم ينجح سوى عدد قليل من الفلسطينيين في مغادرة المدينة التي طال القصف كل أحيائها، إلى مصر، وهو أمر يرجعه تحقيق حديث لصحيفة "الجارديان" البريطانية، إلى تكلفة العبور التي تتجاوز آلاف الدولارات تتلقاها شبكة من الوسطاء، يزعم أفرادها القدرة على تمرير الراغبين في النجاة من الحرب.

أحد الفلسطينيين المقيمين في الولايات المتحدة الآن، تنقل عنه الصحيفة، أنه دفع 9 آلاف دولار قبل ثلاثة أسابيع لتسجيل اسم زوجته وأطفاله على القائمة. وفي يوم السفر، أُخبر بأن أسماء أطفاله ليست مدرجة ويجب عليه دفع 3 آلاف دولار إضافية.

يقول هذا الفلسطيني إن الوسطاء "يحاولون التجارة بدماء الغزيين".

وتقدر الأمم المتحدة أعداد النازحين في القطاع الآن بـ 85% من سكان غزة، يُضطر معظمهم للتجمع في مدينة رفح الجنوبية بسبب الهجمات الإسرائيلية الجوية والبرية التي تطردهم من وسط وشمال الأراضي.

معضلة معبر رفح

على الجانب المصري، فإن القاهرة كلاعب إقليمي رئيسي في المفاوضات بشأن غزة تحاول فتح معبر رفح أمام حركة المساعدات الإنسانية إلى داخل القطاع، لكنها تخشى في الوقت نفسه فتح المعبر لفترات طويلة، لكي لا يفر الملايين إلى شبه جزيرة سيناء المجاورة، الأمر الذي يشكل تهديدًا أمنيًا، بينما يسهل خطط الاحتلال الإسرائيلي في تفريغ القطاع من سكانه.

وقد تأكدت هذه الخطط بتصريحات متتالية لسياسيين وشخصيات إسرائيلية، ومؤخرًا بمحاولة تل أبيب السيطرة على محور فلادلفيا (صلاح الدين). وهو محور حدودي فاصل (منطقة عازلة) في قطاع غزة، منصوص عليه في اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، ويخضع الآن للسيطرة المصرية.

اقرأ أيضًا: ما نعرفه عن أزمة محور فيلادلفيا

وفي أحد تصريحاته، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن السماح بنقل الكتل الكبيرة من الفلسطينيين إلى سيناء إن تم لن يقتصر على تهجير الفلسطينيين من غزة، بل سيمتد إلى تهجيرهم أيضًا من الضفة الغربية إلى الأردن، ومن ثم تصفية القضية الفلسطينية، وهو أمر لن تسمح به مصر.

العبور من نقاط غير المعبر

ومع ذلك، فإن شبكة من الوسطاء، تقول "الجارديان"، تعمل على مساعدة الفلسطينيين على مغادرة غزة من نقاط أخرى بعيدًا عن معبر رفح منذ سنوات، وقد ارتفعت الأسعار بشكل متزايد منذ بداية الحرب، وكانت في السابق لا تتجاوز 500 دولار لكل شخص، بينما هي الآن بآلاف الدولارات.

اقرأ أيضًا: عالقون في غزة.. آلاف المصريين يستغيثون: أعيدونا من الجحيم

تحدثت "الجارديان" مع عدد من الأشخاص الذين قيل لهم إنهم يجب عليهم دفع بين 5 آلاف و10 آلاف دولار لترك القطاع. وذكرت أن بعضهم يطلقون حملات تمويل جماعي لجمع الأموال. وقد أُخبر آخرون أنهم يمكنهم المغادرة في وقت أقرب إذا دفعوا مبالغ أكبر. بينما أشارت مجموعة ثالثة إلى خطط لسداد قيمة التهريب مقابل دفعات، وفي بعض الأحيان يتم ذلك من خلال وسطاء مقرهم في أوروبا والولايات المتحدة.

يقول مهند بارود، مواطن أمريكي من غزة، إنه قيل له إنه يحتاج إلى جمع 85 ألف دولار لإخراج 11 فردًا من عائلته من القطاع، بما في ذلك خمسة أطفال دون سن الثلاث سنوات.

ويضيف: "أنا أفكر في هذا الخيار فقط لأن الحكومة الأمريكية لا تستجيب لي. إذا كان لدي أي أمل في قضية والدي، لماذا يجب علي؟".

الولايات المتحدة تخلت عن مواطنيها

قضى "بارود" الثلاثة أشهر الماضية في التماس المساعدة من الإدارة الأمريكية لوضع والده المصاب بالسكر على قائمة الخروج، دون رد من الحكومة الأمريكية، والذي يعلق عليه بالقول: "أنا في هذا الموقف لأن الولايات المتحدة لا تريد مساعدة مواطنيها".

وقد تم اعتقال والد "بارود" البالغ من العمر 70 عامًا بشكل مؤقت في ديسمبر من قبل القوات الإسرائيلية. وكان أحد مجموعة من الرجال الذين تم تجريدهم من ملابسهم وتكبيل أيديهم ونقلهم إلى مكان سري.

وقبل اعتقال والده، قضى "بارود" أسابيع في البحث عن مساعدة، حيث قضى ساعات على الهاتف مع واشنطن أو السفارة الأمريكية في القدس وأرسل معلومات لإدارة الخارجية، التي لم تنقذ أسرته.

كانت سياسة وزارة الخارجية الأمريكية تحدد في البداية أنها ستساعد فقط المواطنين الأمريكيين للخروج من غزة، لكنها قالت في وقت لاحق إنها ستوسع مساعدتها لتشمل والدين للمواطنين الأمريكيين والأشقاء.

وقال "بارود": "منذ منتصف ديسمبر لم أتلق أي رسالة بريد إلكتروني منهم، وقد تابعت ست مرات - يمكنهم التواصل فقط عبر البريد الإلكتروني". وأضاف أنه يرى آخرين يدفعون أموالًا للخروج، ويكونون قادرين على المغادرة في يوم أو يومين.

وقالت الوزارة إنها غير قادرة على التعليق على الحالات الفردية. وقالت متحدثة باسم الوزارة إنها لا تعلم عن نظام الوسطاء الذي يستخدمه البعض للدفع من أجل مغادرة غزة. وأضافت المتحدثة: "لقد ساعدنا أكثر من 1,300 مواطن أمريكي ومقيم دائم أمريكي وأفراد عائلتهم في مغادرة غزة".

"الوسطاء يستهدفون الأشخاص الأكثر ضعفًا"؛ يقول مهند صبري، خبير في شبه جزيرة سيناء ومؤلف كتاب "سيناء: مفتاح مصر، خط الحياة لغزة، كابوس إسرائيل"، ويضيف وفق ما تنقله  "الجارديان": "إذا كان هناك أحد من العائلة مصابًا أو مريضًا بحيث لا يمكنهم الانتظار، فهؤلاء هم الضحايا المثاليين؛ يمكنهم الضغط بأي مبلغ ويجب على العائلة توفير المال. إنها عملية احتيال تامة".

مع وجود قليل من السبل للخروج من غزة، خاصة بالنسبة لأولئك الذين ليسوا لديهم جنسية أخرى، قال الفلسطينيون في القطاع وأقاربهم في الخارج إنهم لا يملكون خيارًا سوى الوثوق في شبكة الوسطاء.

وقال فلسطيني يعيش في المملكة المتحدة، فقد أفرادًا من عائلته في الضربات الإسرائيلية: "يحقق الناس ربحًا على مأساة الآخرين. إنهم يحاولون الخروج لإنقاذ حياتهم وبدلًا من ذلك يلتقون بآخرين يحاولون جني الأموال. إذا كان هناك وسيلة للخروج، لماذا لا يتم تقديم المساعدة ببساطة؟".

‏‏"لست متأكدًا من سبب عدم تقديم أي شيء لإجلاء الناس. لم أعد أسمع حتى العاملين في المجال الإنساني يتحدثون عن هذا الأمر.. يبدو الأمر كما لو أنهم يقولون: لن نحميك أو نعطيك الأمان، سنقدم لك فقط بعض الطعام والماء أثناء قصفك أو وسيلة باهظة التكلفة للهروب".‏

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة