استأثرت أعمال العنف المصاحبة للاحتجاجات في عدد من المدن الأوروبية بقدر كبير من الاهتمام الإعلامي خلال أكتوبر الحالي. وفي أحدث تطورات المشهد، اعتقلت السلطات الفرنسية نحو 1000 شخص، السبت الماضي، خلال احتجاجات واسعة في باريس ومدن أخرى، في مشهد يعكس حجم التوتر الذي يخيم على الشارع الأوروبي، ويطرح تساؤلات تتجاوز المواجهة بين المتظاهرين والشرطة. لماذا يخرج المواطنون إلى الشوارع؟ وما المطالب التي تدفعهم إلى الاحتجاج، رغم ما قد يتعرضون له من توقيف وإجراءات أمنية؟
ولم تكن باريس وحدها التي رفعت راية التمرد، فقد شهدت دول أوروبية عدة خلال الشهر احتجاجات واسعة وأعمال شغب لم تشهدها منذ سنوات، محركها الرئيس تصاعد الضغوط الاقتصادية على الأسر، بفعل ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والوقود، إلى جانب تكاليف السكن والخدمات الأساسية، ما يضعها أمام معادلة صعبة، خاصة عندما تتزايد النفقات دون أن ترتفع الدخول بالمعدل نفسه.
لكن فرنسا تصدرت مشهد الاضطراب بعدما امتزجت احتجاجات الطلاب والمعلمين بحراك أوسع ضد غلاء المعيشة، ثم امتدت التحركات إلى دول الجوار، حيث شهدت إيطاليا وبلجيكا مواجهات بين الشرطة وبعض المحتجين، ونظمت نقابات وجماعات حقوقية في البرتغال وإسبانيا تحركات بشأن الأجور والسكن والخدمات العامة. وفي الوقت نفسه، اتخذت الاحتجاجات في دول أخرى، مثل ألبانيا وصربيا، أبعادًا تتصل بالفساد والمساءلة السياسية والثقة في المؤسسات.
ما وراء الاحتجاجات الأوروبية
تكشف الوقائع عن اتساع نطاق الغضب الشعبي، من اضطرار السلطات الفرنسية إلى إغلاق نحو 400 مدرسة ثانوية في ضواحي باريس بسبب الاحتجاجات، إلى مخيمات اعتصام استمرت أسابيع في ساحة بويرتا ديل سول بمدريد، وصولًا إلى تفريق قوات الأمن محتجين على أزمة السكن في ساحة روسيو بلشبونة فجرًا. وتعكس هذه المشاهد تصاعد الاستياء من أزمات متداخلة، ما يجعل فهم الاحتجاجات الأوروبية مرهونًا بتقديم مطالب المشاركين فيها وفحص أسبابها البنيوية.
ويمثل ارتفاع تكاليف المعيشة قاسمًا مشتركًا بين الاحتجاجات في عدد من الدول الأوروبية، إذ تواجه الأسر أعباء متزايدة تتعلق بالغذاء والطاقة والنقل والسكن. ففي فرنسا، اتسعت التحركات التي بدأت في بعض المدارس الثانوية احتجاجًا على غياب المدرسين وسوء المرافق التعليمية، لتشمل اعتراضات على تراجع القدرة الشرائية بفعل الارتفاع المستمر في أسعار الوقود والإيجارات والمواد الغذائية.
أما في البرتغال، فخرج متظاهرون للمطالبة بتحسين الأجور والمعاشات، وسط تصاعد الضغوط المرتبطة بالسكن وارتفاع تكاليف الحياة. وفي إيطاليا، امتدت التحركات من المدن إلى المناطق الزراعية والصناعية، حيث اعترض سائقون ومزارعون وعمال على تكاليف الوقود والأعباء التي تثقل كاهل الأنشطة الاقتصادية.
ووفقًا لتقرير نشرته يورونيوز، ارتفعت أسعار المواد الغذائية على مدى 5 سنوات في 26 دولة أوروبية، وزادت أسعار الأغذية والمشروبات غير الكحولية في الاتحاد الأوروبي بنحو 34% بين أغسطس 2021 وأغسطس 2026. وتوضح هذه الزيادة التراكمية كيف يمكن أن يستمر الضغط على المستهلكين حتى عندما تتباطأ معدلات التضخم، فتراجع وتيرة ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة عودتها إلى مستوياتها السابقة.
وتكمن المشكلة في أن المواطن لا يتعامل مع التضخم بوصفه رقمًا في تقرير اقتصادي، فهو يلمس أثره عند شراء احتياجات الأسرة، أو دفع فاتورة الكهرباء، أو تجديد عقد الإيجار، أو تعبئة خزان الوقود. وعندما تصبح هذه النفقات عبئًا متكررًا، قد يتحول الضيق الاقتصادي إلى شعور بأن قواعد اللعبة لم تعد منصفة.
ولا تتوزع آثار ارتفاع الأسعار بالتساوي بين جميع الفئات، فالأسرة ذات الدخل المرتفع قد تتمكن من تقليص نفقاتها غير الأساسية، في حين تضطر الأسرة محدودة الدخل إلى المفاضلة بين احتياجات يصعب الاستغناء عنها. وقد تتضرر الفئات الشابة والعمال منخفضو الأجور والمتقاعدون بدرجة أكبر، عندما تستحوذ النفقات الأساسية على حصة كبيرة من دخولهم. ولا يعني ذلك أن الدول الأوروبية كلها تواجه المشكلة بالدرجة نفسها، أو أن المؤشرات الاقتصادية تسير في اتجاه واحد، غير أن الاحتجاجات تكشف أن تقييم الأداء الاقتصادي لا يقوم على معدلات النمو وحدها، وإنما يرتبط أيضًا بمدى انعكاس التحسن الاقتصادي على الحياة اليومية.
ولا يقتصر المطلب الأساسي على خفض الأسعار، إذ يتعلق باستعادة القدرة على العيش بكرامة. ويشمل ذلك رفع الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وحماية أصحاب الدخول المحدودة، ومراجعة الضرائب والأعباء التي تتحملها الأسر، وتوفير وسائل نقل وطاقة بأسعار يمكن تحملها.
عندما يتحول الحق في المسكن إلى امتياز اقتصادي
تمثل أزمة السكن أحد المحركات الأساسية للغضب في إسبانيا والبرتغال، إذ لم يعد الحصول على مسكن مناسب بالنسبة إلى كثير من الشباب خطوة طبيعية نحو الاستقلال، وإنما تحول إلى تحد مالي يصعب تجاوزه. واكتسبت الاحتجاجات زخمًا بعد قضية امرأة مسنة تبلغ 87 عامًا، تُدعى "ماريكار" من أباسكال، أُخرجت من منزلها عقب ارتفاع الإيجار المستحق عليها. وأصبحت قصتها رمزًا للمخاوف المرتبطة بتأثير الاستثمارات العقارية وارتفاع الإيجارات على السكان الأكثر هشاشة، ما دفع المحتجين إلى المطالبة بإجراءات لتجميد الإيجارات، والحد من إخلاء الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتنظيم الإيجارات قصيرة الأجل.
وفي إسبانيا، شهدت مدريد ومدن أخرى اعتصامات ومخيمات احتجاجية طالبت بإجراءات تحد من ارتفاع الإيجارات وتوسع فرص الحصول على مساكن بأسعار معقولة. وشملت المطالب حماية المستأجرين من الإخلاء، وتوفير حلول لمن يعجزون عن منافسة أصحاب الدخول الأعلى في سوق العقارات. أما في البرتغال، فبرزت أزمة السكن في الاحتجاجات، وسط اعتراضات على مقترحات تشريعية من شأنها تسهيل إخلاء المستأجرين في حالات محددة وتعديل القيود المفروضة على الإيجارات الجديدة. وأُقيمت أكثر من 100 خيمة في لشبونة خلال تحركات طالبت بحماية المستأجرين ومراجعة السياسات السكنية.
وتكشف هذه الأزمة عن أحد أبرز أوجه التناقض بين الازدهار الاقتصادي المعلن والتجربة اليومية للمواطنين، إذ باتت الإيجارات وأسعار العقارات في عدد من المدن الأوروبية عائقًا أمام استقلال الشباب، وانتقال العمال إلى أماكن عملهم، واستقرار الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
احتجاج على مستقبل يبدو مقلقًا
بدأت التحركات في مدرسة أنطوان دو سانت إكزوبيري الثانوية الفرنسية بمنتصف سبتمبر 2026، حين أضرب معلمو المدرسة احتجاجًا على قرار إلغاء عدد من الوظائف التعليمية، وعلى نقص التمويل المزمن الذي يعاني منه قطاع التعليم منذ سنوات. وانضم إلى المعلمين الطلاب والطالبات، رفضًا لأن يكونوا مجرد متلقين سلبيين لقرارات تمس مستقبلهم الدراسي، فتحولت الفصول إلى ساحات للاحتجاج.
وفي إيطاليا، تظاهر آلاف الطلاب والمدرسين احتجاجًا على ظروف التعليم والسياسات الحكومية المرتبطة بقانون التعليم الجديد، مطالبين بتحسين التمويل والخدمات التعليمية وتوسيع فرص العمل والسكن. وشهدت ألبانيا تحركات مماثلة.
وتكشف هذه البداية عن حقيقة مهمة، وهي أن الأزمات الاجتماعية لا تتطور دائمًا وفق الملفات التي تنطلق منها. فقد تكون المدرسة المكان الذي يظهر فيه الخلل، لكنها تتحول إلى نافذة للتعبير عن إحباط أوسع يتعلق بفرص الشباب ومستقبلهم وموقعهم في المجتمع. فالطالب الذي يعاني غياب المعلم أو تدهور بيئة التعلم قد يرى في ذلك جزءًا من مشكلة أكبر تتصل بتراجع فرصه المستقبلية، فيما قد يشعر المعلم الذي يعمل في ظروف صعبة بأن الخطاب الرسمي الذي يضع التعليم على رأس الأولويات لا ينعكس بما يكفي على الموارد والكوادر المتاحة داخل المدارس.
وعندما تنضم النقابات والعمال وأصحاب المطالب الاقتصادية إلى هذا الحراك، يتسع نطاق القضية، ويصبح من الصعب التعامل معها بوصفها خلافًا مهنيًا محدودًا.
الخدمات العامة والإنفاق الحكومي
لا تنفصل المطالب الاقتصادية عن الاعتراض على مستوى الخدمات العامة، إذ يدفع نقص المدرسين وتدهور المرافق في المدارس، والضغوط التي تواجه الخدمات الصحية، وقصور النقل العام عن تلبية الاحتياجات، المواطنين إلى التساؤل عن كيفية توزيع الموارد العامة.
وفي فرنسا وإيطاليا، امتزجت الاحتجاجات الطلابية والاجتماعية بـاعتراضات على الإنفاق العام وتراجع جودة الخدمات. كما أثار توجيه موارد مالية إلى الدفاع والأمن، وسط المخاوف الأوروبية بشأن البيئة الدولية والحرب في أوكرانيا، نقاشًا حول التوازن بين الالتزامات الأمنية والاحتياجات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يطالب المحتجون في بلجيكا والبرتغال وإسبانيا بزيادة الاستثمار في المدارس والمستشفيات والنقل العام، وتحسين أجور العاملين في القطاعات الأساسية، وتوفير خدمات يمكن الوصول إليها بغض النظر عن مستوى الدخل أو مكان الإقامة. ويطالب بعضهم أيضًا بمزيد من الشفافية في الميزانيات، وتفسير القرارات التي تحدد القطاعات المستفيدة من الإنفاق الحكومي.
وتكشف هذه المطالب عن اختلال في قواعد توزيع الفرص والأعباء، من العامل الذي يعجز عن تحمل إيجار مسكنه، إلى الطالب الذي لا يثق في فرصه بالحصول على وظيفة مستقرة، وصولًا إلى المزارع الذي تفوق تكاليف إنتاجه عائداته.
الفساد والمساءلة السياسية
على الرغم من الحضور القوي للمطالب الاقتصادية، اتخذت الاحتجاجات بعدًا آخر يتعلق بـالفساد والمساءلة السياسية. ففي ألبانيا، ارتبطت تحركات طلابية وشعبية باعتراضات على الفساد، وقلة فرص العمل، وتراجع جودة التعليم، وطالب المتظاهرون باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما.
وفي صربيا، برزت حركة طلابية لمكافحة الفساد والدفع نحو المحاسبة السياسية، وطالب المحتجون بتحقيقات مستقلة وشفافة في شبهات الفساد، وتعزيز الرقابة على الإنفاق العام، وحماية استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، وإتاحة المعلومات، وضمان عدم الإفلات من المساءلة.
وتؤكد هذه المطالب أن السياسات الاقتصادية لا تعمل بمعزل عن المؤسسات، فحتى الميزانيات الكبيرة قد تعجز عن تحقيق أهدافها إذا غابت الرقابة أو ضعفت كفاءة الإدارة.
ظاهريًا، تبدو هذه المطالب متباعدة ومرتبطة بقطاعات منفصلة، لكنها تلتقي عند انتقال المظالم من مستوى الشكوى الفردية إلى المطالبة الجماعية. فحين تُطرد مستأجرة من منزلها أو يُفصل مدرس من عمله، تتحول الواقعة إلى قضية عامة عندما يدرك المحتجون أنها ليست حالة استثنائية، وإنما نمط متكرر يكشف خللًا بنيويًا. وعندما تغلق المؤسسات أبوابها أمام المطالب، يصبح الشارع وسيلة للضغط على السلطات ودفعها إلى الإصغاء.
أوروبا أمام اختبار العدالة الاجتماعية والثقة السياسية
تكشف هذه الاحتجاجات عن مفارقة تستحق التأمل، فالقارة التي ارتبطت صورتها الدولية بالاستقرار المؤسسي والضمان الاجتماعي والديمقراطية تواجه تحديًا متزايدًا يتمثل في اتساع الفجوة بين الوعود السياسية وقدرة الأنظمة على تلبية احتياجات المواطنين.
ولا تثبت هذه التحركات وحدها أن الديمقراطية الأوروبية تواجه انهيارًا وشيكًا، كما لا تعني أن الحكومات كافة فقدت قدرتها على الاستجابة. لكنها تكشف أن الاستقرار المؤسسي لا يكفي عندما يشعر المواطنون بأن احتياجاتهم الأساسية تتراجع، أو بأن القرارات العامة لا تعكس أولوياتهم.
ولا يكمن الخطر الأكبر في خروج الناس إلى الشوارع بحد ذاته، وإنما في تحول الاحتجاج إلى الوسيلة الوحيدة التي يعتقد المواطنون أنها قادرة على إيصال أصواتهم. فعندما تتعطل قنوات الحوار والمشاركة، يتسع مجال الاستقطاب، ويصبح التوصل إلى حلول وسط أكثر صعوبة. لذلك لن يُقاس نجاح الحكومات الأوروبية بقدرتها على إعادة الهدوء إلى المدن فحسب، وإنما بمدى قدرتها على معالجة الأسباب التي دفعت الناس إلى الاحتجاج.
فالشرطة تستطيع تفريق الحشود، لكن الإجراءات الأمنية وحدها لا تخفض الإيجارات أو تحسن جودة التعليم أو ترفع الأجور أو تعيد الثقة في المؤسسات. وعلى هذا الأساس، تقف أوروبا أمام اختبار حقيقي، إما أن تتعامل مع هذه الاحتجاجات بوصفها إنذارًا يستدعي مراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، أو أن تكتفي بإدارتها أمنيًا حتى تخفت مؤقتًا، فيما تظل أسبابها قائمة.
وفي المقابل، يتطلب نجاح الحركات الاحتجاجية الحفاظ على سلميتها، وتحديد مطالب قابلة للتحقيق، وبناء تحالفات اجتماعية قادرة على تحويل الغضب إلى إصلاحات ملموسة، حتى لا تطغى أعمال التخريب على أهدافها.