31% للخضروات و27.5% للإيجارات.. هذه فاتورة التضخم في مصر

لا يحتاج المواطن إلى تعريف دقيق للتضخم، فهو يراه ويعيشه يوميًا مع كل زيارة للسوق، وكل فاتورة كهرباء أو إيجار مسكن، وكل مرة يكتشف فيها أن راتبه، رغم زيادته، لم يعد يشتري ما كان يشتريه من قبل، وكأن لصًا خفيًا ينتزع الأموال من جيبه في وضح النهار، اسمه التضخم، الذي تتسع آثاره لتشمل الاحتياجات الأساسية، من الطعام والشراب إلى السكن والتنقل، وصولًا إلى التعليم والصحة والترفيه.

وتكشف أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء كيف يضغط التضخم على ميزانيات الأسر في مصر، مع ارتفاع أسعار مجموعات واسعة من السلع والخدمات، وإن تفاوتت نسب الزيادة من بند إلى آخر، وهو ما يعني أن المواطن لا يواجه عبئًا واحدًا يمكن تجنبه أو الاستغناء عنه، وإنما زيادات متزامنة تطاول جوانب مختلفة من حياته اليومية، وتدفعه إلى إعادة ترتيب أولوياته مع كل شهر جديد.

الطعام والشراب في مواجهة زيادات الأسعار

على مستوى الغذاء، سجل قسم الطعام والمشروبات ارتفاعًا قدره 7.9% في سبتمبر الماضي مقارنة بأغسطس، ما يعني أن المواطن الذي ينفق 1000 جنيه على الطعام يحتاج إلى 79 جنيهًا إضافية للحصول على المشتريات نفسها، وفقًا لقائمة احتياجاته، وهو ما يجعل الزيادة أكثر وضوحًا لدى الأسر التي يذهب الجزء الأكبر من دخلها إلى شراء الغذاء.

وامتدت الارتفاعات إلى معظم المجموعات الغذائية، إذ زادت أسعار الحبوب والخبز بنسبة 3.3%، واللحوم والدواجن بنسبة 6.2%، والأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 6.6%، والزيوت والدهون بنسبة 5.5%، والفاكهة بنسبة 7.2%، والسكر والأغذية السكرية بنسبة 1.3%، فيما ارتفعت أسعار البن والشاي والكاكاو بنسبة 9.7%، والدخان والتبغ بنسبة 6.9%.

وكانت الخضروات صاحبة الزيادة الأكبر بين مجموعات الطعام، بعدما ارتفعت أسعارها بنسبة 30.9%، ما يعني أن من ينفق 1000 جنيه شهريًا على الخضروات يحتاج إلى 309 جنيهات إضافية لشراء الكمية نفسها، في حين سجلت مجموعة الألبان والجبن والبيض التراجع الوحيد بين المجموعات الغذائية، بانخفاض أسعارها بنسبة 1.3%.

من المسكن إلى تأجير الملابس

ولا تقتصر أعباء التضخم على ما يوضع في سلة المشتريات، إذ طالت الملابس والأحذية أيضًا، بعدما سجل القسم ارتفاعًا بنسبة 12.7%، مدفوعًا بزيادة أسعار الأقمشة بنسبة 15.1% والملابس الجاهزة بنسبة 13.2%، وهو ما يعني أن من يشتري ملابس بقيمة 1000 جنيه أصبح يحتاج إلى 132 جنيهًا إضافية لشراء المشتريات نفسها.

وامتدت الزيادة إلى خدمات تنظيف الملابس وإصلاحها وتأجيرها، التي ارتفعت تكلفتها بنسبة 16.3%، ما يعني أن استئجار فستان زفاف مقابل 5000 جنيه أصبح يكلف 5815 جنيهًا، أي بزيادة قدرها 815 جنيهًا، كما ارتفعت أسعار الأحذية الجديدة بنسبة 10.4%، وتكلفة إصلاح الأحذية بنسبة 11.1%.

وتبدو الضغوط أكثر وضوحًا عندما تصل إلى السكن، وهو من النفقات التي يصعب على الأسر الاستغناء عنها أو تقليصها بسهولة، فقد سجل قسم المسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود ارتفاعًا إجماليًا قدره 29.6%، وشمل ذلك زيادة أسعار الإيجار الفعلي للمساكن، أي القيمة التي يدفعها المستأجرون لأصحاب العقارات سواء كانت وحدات خاضعة لنظام الإيجار القديم أو الجديد، بنسبة 27.5%، وهو ما يعني أن إيجارًا قدره 3000 جنيه يرتفع إلى 3825 جنيهًا وفقًا لهذه النسبة.

وفي القسم نفسه، ارتفعت تكلفة صيانة المساكن وإصلاحها بنسبة 11.6%، وتشمل هذه المجموعة مواد البناء والسباكة والكهرباء المستخدمة في ترميم المنازل، إلى جانب أجور الفنيين والعمال، كما زادت أسعار مجموعة المياه والخدمات المتنوعة المتعلقة بالمسكن بنسبة 3.4%، وارتفعت مجموعة الكهرباء والغاز ومواد الوقود الأخرى بنسبة 22.6%، ما يعني أن فاتورة الكهرباء والغاز التي تبلغ 1000 جنيه ترتفع إلى 1226 جنيهًا.

التعليم والصحة تحت ضغط التضخم

ومع امتداد الزيادات إلى الخدمات الأساسية، أصبحت الرعاية الصحية عبئًا إضافيًا على ميزانيات الأسر، إذ سجل قسم الصحة ارتفاعًا إجماليًا بنسبة 5.2%، ويشمل هذا القسم الأدوية والمستلزمات الطبية وخدمات المستشفيات الخاصة والعيادات، وكان من أبرز أسباب الزيادة ارتفاع أسعار خدمات مرضى العيادات الخارجية بنسبة 14.5%، إلى جانب زيادة تكلفة خدمات المستشفيات نفسها بنسبة 18.5%، وهو ما يرفع فاتورة العلاج على الأسر التي تحتاج إلى مراجعة الأطباء أو الحصول على خدمات طبية داخل المستشفيات.

أما التعليم، الذي يرصد الجهاز تغيرات أسعاره في سبتمبر مع بداية العام الدراسي، فسجل ارتفاعًا سنويًا قدره 20%، مدفوعًا بزيادة أسعار خدمات التعليم قبل الابتدائي والتعليم الأساسي، من الحضانة حتى المرحلة الإعدادية، بنسبة 22%.

وسجلت أسعار التعليم الثانوي العام والفني ارتفاعًا بنسبة 15.3%، فيما زادت تكلفة التعليم العالي بنسبة 17%، وكانت القفزة الأبرز من نصيب مجموعة التعليم بعد الثانوي والفني، التي ارتفعت بنسبة 364.5% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، أي إن تكلفتها أصبحت تعادل نحو 4.6 أمثال مستواها السابق، فإذا كان الطالب يدفع 1000 جنيه في العام الماضي، فإنه يحتاج إلى 4645 جنيهًا للحصول على الخدمة نفسها وفقًا لهذه النسبة.

وتضم مجموعة التعليم بعد الثانوي والفني المعاهد الفنية الصناعية والتكنولوجية المؤهلة لسوق العمل في مجالات الصيانة والميكانيكا والإلكترونيات والحاسبات، إلى جانب المعاهد الفنية التجارية المتخصصة في السكرتارية والمحاسبة والإدارة، ومعاهد التمريض والصحة العامة، ومعاهد السياحة والفنادق المتوسطة.

ويرى مسؤول بوزارة المالية أن ارتفاع تضخم التعليم الثانوي والفني يرتبط بطبيعة مستلزماته التعليمية، التي تشمل أجهزة إلكترونية ومعدات معامل مستوردة من الخارج، فضلًا عن التطور الذي شهدته المعاهد الفنية التطبيقية في مصر، وما توفره من فرص عمل تجذب أعدادًا كبيرة من المواطنين.

وأضاف المسؤول أن فرص العمل التي تتيحها هذه المعاهد جعلتها مسارات تعليمية مرغوبة لدى كثيرين، خصوصًا في ظل تشبع بعض التخصصات النظرية بالخريجين، الذين يضطرون إلى العمل في مجالات بعيدة عن دراستهم، كما أشار إلى إدخال مناهج جديدة في مجالات الروبوتات الصناعية وتكنولوجيا الطاقة المتجددة.

تجهيز المنازل والعناية الشخصية

وتمتد الزيادة في تكاليف المعيشة إلى تجهيز المنازل، إذ سجل قسم الأثاث والتجهيزات والمعدات المنزلية، الذي يشمل الأثاث والأدوات الزجاجية وأدوات المائدة والأواني المنزلية، ارتفاعًا بنسبة 15.1%، ما يعني أن تجهيز منزل بتكلفة 100 ألف جنيه يحتاج إلى 15.1 ألف جنيه إضافية إذا ارتفعت تكلفته بالنسبة نفسها.

وجاءت الزيادة مدفوعة بارتفاع أسعار مجموعة الأثاث والتجهيزات والسجاد وأغطية الأرضيات الأخرى بنسبة 10.8%، كما ارتفعت أسعار المفروشات المنزلية بنسبة 7.7%، والأجهزة المنزلية بنسبة 6%، والأدوات الزجاجية وأدوات المائدة والأدوات المنزلية بنسبة 8.5%، فيما سجلت مجموعة أدوات ومعدات المنازل والحدائق، التي تشمل أدوات الحرفيين مثل المفكات والمثاقب الكهربائية وخراطيم المياه ورشاشاتها والمطارق، ارتفاعًا بنسبة 13.1%.

ولم تتوقف الزيادات عند تجهيز المنزل، وإنما شملت السلع والخدمات المتنوعة التي يستخدمها الأفراد في حياتهم اليومية، إذ سجل هذا القسم ارتفاعًا بنسبة 10.8%، مدفوعًا بزيادة أسعار مجموعة العناية الشخصية بنسبة 12.9%، وهي تشمل مستحضرات التجميل والشامبو ومعجون الأسنان والصابون والعطور وأدوات الحلاقة، إلى جانب تكلفة خدمات الحلاقة وتصفيف الشعر، كما ارتفعت أسعار الأمتعة الشخصية، ومنها الساعات والنظارات الشمسية والحقائب بأنواعها المختلفة، سواء حقائب السفر أو اليد، بنسبة 17%.

التنقل والترفيه أمام حسابات الأسرة

وتبرز أعباء التضخم أيضًا في تكلفة التنقل، بعدما سجل قسم النقل والمواصلات ارتفاعًا بنسبة 21.3%، نتيجة زيادة أسعار مجموعة شراء المركبات، التي تضم السيارات الجديدة والمستعملة وتكاليف صيانة المركبات الشخصية، بنسبة 11.2%، فيما ارتفعت أسعار خدمات النقل البري والجوي والبحري، سواء العام أو الخاص، بنسبة 24.4%، وهي زيادة تقترب من الربع.

أما الترفيه والثقافة، اللذان يشملان الرحلات وشراء الصحف والكتب وتذاكر السينما والمسارح والحدائق، فارتفعت تكلفتهما بنسبة 15.4%، مع زيادة أسعار الخدمات الثقافية والترفيهية بنسبة 2.7%، والصحف والكتب والأدوات الكتابية بنسبة 15.1%، والرحلات السياحية المنظمة بنسبة 18.8%، وهو ما يجعل بعض الأنشطة التي كانت تدخل ضمن الإنفاق المعتاد للأسرة أكثر كلفة من السابق.

وسجل قسم الاتصالات السلكية واللاسلكية، الذي يشمل خدمات البريد والهاتفين الأرضي والمحمول، ارتفاعًا بنسبة 10.4%، مدفوعًا بزيادة أسعار خدمات البريد بنسبة 9.9%، ومعدات الهاتف والفاكس بنسبة 10.6%، وخدمات الهاتف والفاكس بنسبة 10.4%.

الطبقة الوسطى تدفع الثمن

يؤدي ارتفاع التضخم إلى تآكل القيمة الحقيقية للأجور والمدخرات، ما يضع الأسر أمام ضغوط معيشية متزايدة، وإن كانت آثار هذه الضغوط تختلف من فئة إلى أخرى، فالأسر منخفضة ومتوسطة الدخل تكون أكثر تعرضًا لمخاطر ارتفاع الأسعار مقارنة بالأسر الأكثر ثراءً، بالنظر إلى اختلاف مصادر الدخل وحجم الممتلكات وطبيعة السلع والخدمات التي تستهلكها كل فئة.

وتتأثر الطبقة الوسطى، خصوصًا الموظفين الذين يعتمدون على رواتب ثابتة، بصورة مباشرة مع ارتفاع أسعار الاحتياجات الأساسية، إذ يذهب معظم دخلهم إلى الطعام والشراب والمواصلات والإيجار والفواتير، ما يجعل قدرتهم الشرائية تتراجع كلما ارتفعت الأسعار، في حين يستطيع أصحاب الأعمال والعاملون في التجارة، بدرجات متفاوتة، تمرير جانب من الزيادات إلى عملائهم من خلال تعديل أسعار السلع والخدمات التي يقدمونها.

وتختلف طبيعة التأثر لدى الأسر الأشد فقرًا التي تعيش تحت خط الفقر العالمي، إذ قد يكون تعرضها المباشر لبعض آثار التضخم أقل، وفقًا للتفسير المطروح، لأن مصادر دخلها النقدي وممتلكاتها قد تكون محدودة أصلًا، وتعتمد بعض هذه الأسر على دخل غير نقدي، مثل الزراعة التي توفر الحد الأدنى اللازم للمعيشة، أو المقايضة بين المنتجات، كأن يتبادل مزارع جزءًا من محصول الأرز مقابل كمية من القمح، وهي معاملات قد تكون أقل تعرضًا لبعض مخاطر التضخم النقدي.

وتشير التوقعات إلى أن الأسر المصرية قد تواجه مزيدًا من الضغوط خلال الفترة المقبلة، في ظل ترجيحات باستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة قبل تراجعه تدريجيًا، إذ توقعت مؤسسة فيتش ارتفاع متوسط معدل التضخم في مصر من 14% خلال النصف الأول من عام 2026 إلى 15.5% في النصف الثاني من العام نفسه، قبل أن ينخفض إلى متوسط 12.6% خلال عام 2027.

ورجحت وكالة ستاندرد آند بورز تراجع معدل التضخم إلى 13.3% بنهاية عام 2026، ثم إلى 12.9% خلال عام 2027، و10.8% في عام 2028، وصولًا إلى 8.6% في عام 2029، بما يعني عودته إلى مستويات تقل عن 10%.

وفي تقدير أكثر تشاؤمًا على المدى القريب، توقع بنك ستاندرد تشارترد الأمريكي ارتفاع معدل التضخم في مصر من 16% إلى 17% بنهاية نوفمبر 2026، على أن يتراجع إلى مستوى أقل من 10% بعد عام 2027، فيما رجح صندوق النقد الدولي ارتفاع معدل التضخم إلى 16.7% خلال النصف الثاني من عام 2026، مع زيادة أسعار الطاقة.

وتعكس هذه التوقعات أهمية التمييز بين تباطؤ التضخم وانخفاض الأسعار نفسها، وهي نقطة يوضحها الخبير المصرفي أحمد شوقي، الذي يرى أن "ارتفاع التضخم يعني أن الأسعار تتحرك إلى أعلى، فالمواطن يدفع فاتورة التضخم في الأكل والمواصلات والإيجار والكهرباء والتعليم والعلاج والخدمات".

ويضيف شوقي في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن المواطن قد يشعر بأن دخله لم يعد يكفي احتياجاته، حتى عندما يشهد راتبه زيادة، ولتفسير ذلك يمكن افتراض أن سعر سلعة أساسية كان 100 جنيه في نهاية عام 2019، ثم ارتفع خلال عام 2020، مع تسجيل التضخم 5.4%، إلى 105.40 جنيه، ووصل في عام 2021، مع تضخم قدره 6%، إلى 111.72 جنيه، ثم ارتفع إلى 135.51 جنيه في عام 2022 مع بلوغ التضخم 21.3%.

واستمرت الزيادة خلال عام 2023، حين بلغ التضخم 33.7%، ليصل سعر السلعة إلى 181.18 جنيه، ثم ارتفع في عام 2024، مع تضخم قدره 24.1%، إلى 224.84 جنيه، ووصل في عام 2025 إلى نحو 252.49 جنيه، رغم تراجع معدل التضخم إلى 12.3%.

ويشرح شوقي أن انخفاض التضخم من 33.7% إلى 12.3% لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، فالسعر الذي ارتفع من نحو 181 جنيهًا إلى 252 جنيهًا يظل مرتفعًا حتى مع تباطؤ الزيادة، لأن التضخم يقيس معدل ارتفاع الأسعار، لا مستوى الأسعار نفسه، وعندما يتراجع المعدل من 33.7% إلى 12.3% فهذا يعني أن الأسعار لا تزال ترتفع، لكن بوتيرة أبطأ، ولذلك لا يوجد تناقض بين إعلان انخفاض التضخم وملاحظة المواطن استمرار ارتفاع الأسعار في السوق.

ويؤكد الخبير المصرفي أن التحسن الحقيقي في مستوى معيشة المواطن يبدأ عندما ينمو دخله الحقيقي بمعدل يتجاوز ارتفاع تكلفة المعيشة، فزيادة الراتب وحدها لا تكفي للحكم على تحسن الأوضاع ما لم تنعكس على القدرة الشرائية، والمقياس الأهم في فترات التضخم المرتفع هو ما إذا كان الدخل الذي يحصل عليه المواطن اليوم يتيح له شراء السلع والخدمات نفسها التي كان يستطيع الحصول عليها بالأمس.

وحين تُقاس هذه القدرة بما يتركه الراتب بعد تدبير نفقات الطعام والسكن والتنقل والتعليم والعلاج، تتضح المسافة بين تراجع التضخم وتحسن المعيشة. فالأول يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، أما الثاني فيظل مرهونًا بقدرة الدخل على استيعاب كلفة الحياة اليومية، وإلى أن تضيق الفجوة بينهما، سيظل "اللص الخفي" ينتزع من أموال المواطن قيمتها، وإن بقي عدد الجنيهات في يده كما هو.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة