لم يكن محمد الشاب العشريني يعرف أن القرص الذي كان يتناوله بعيدًا عن أسرته بحثًا عن نوم أطول يمكن أن يقوده إلى المستشفى والموت.
كان محمد، حسب والده، يتناول "كلوزابكس" من وراء الأسرة، بعدما اعتقد أنه يساعده على النوم، إلى أن جاء اليوم الذي تناول فيه ما يقارب شريطًا من العقار، وظهرت عليه أعراضا بينها تشنجات شديدة.
هرعت الأسرة به إلى المستشفى، يقول الأب لـ"فكر تاني": إن نجله لم يمكث هناك سوى أقل من ساعة قبل أن يفارق الحياة.
ولا تملك "فكر تاني" في هذه الحالة مستندًا طبيًا يحدد سبب الوفاة، لذلك لا يمكن الجزم بأن العقار كان سبب الوفاة، وإنما تورد التحقيق رواية الأسرة باعتبارها شهادة على واقعة استخدام الدواء خارج الإشراف الطبي.
قصة محمد ليست وحدها التي دفعت التحقيق إلى السؤال: كيف وصل دواء مخصص لعلاج حالات نفسية محددة إلى أن يتعامل معه بعض الشباب باعتباره وسيلة للنوم أو للهروب المؤقت من الضغوط؟
"كان فاكره هينيمها".. حكاية شابة انتهت في المستشفى
يقول سيد وهو أب لأسرة مكونه من خمس أفراد، بينهم ندا 23 عاماً، وتعمل بائعة في إحدى المحلات: "بنتي كانت بتاخد البرشام –يقصد كلوزابكس- وده على أساس إنه يخليها تنام فترة كبيرة، ولكن ماكنتش تعرف أضراره، وفي يوم تناولت ما يقارب شريط وحصلت لها أعراض غريبة منها تشنجات، ولما جرينا بيها على المستشفى ما كملش ساعة وتوفت مننا".
تكشف رواية الأب عن بداية استخدام الدواء من زاوية مختلفة؛ فلم يكن الهدف، بحسب روايته، علاج حالة نفسية مشخصة، وإنما البحث عن نوم أطول، وهو ما يجعل سؤال كيفية وصول هذه المعلومة إلى الشابة جزءًا أساسيًا من قصتنا.
عزيزة: "كنت عايزة أفصل من متاعب الحياة"
عزيزة، 35 عامًا، تعمل في أحد محلات الملابس، تقول لـ"فكر تاني" إنها بدأت تناول "كلوزابكس" قبل نحو عام، بعدما نصحتها إحدى جاراتها به، وأخبرتها أنه يساعد على النوم ويجعلها "تفصل من متاعب الحياة".
لم تكن عزيزة، بحسب روايتها، تعرف طبيعة الدواء أو المخاطر المرتبطة باستخدامه من دون متابعة طبية. وفي إحدى المرات تناولت أكثر من قرص، بسبب الضغوط التي كانت تمر بها، إذ كانت ترعى أولادها بنفسها دون مساعدة أحد بعد انفصالها عن زوجها، حتى تدهورت حالتها وانتقلت إلى قسم الطوارئ.
تقول عزيزة: "الحمد لله قدروا يلحقوني بعد ما الخطر استمر أكتر من 5 ساعات"، وبعد هذه الواقعة توقفت عن تناول العقار.
في حالة عزيزة، لم يبدأ استخدام الدواء من وصفة طبية، وإنما من نصيحة شخص قريب. وبين محمد وندا وعزيزة، تظهر نقطة مشتركة: التعامل مع الدواء باعتباره وسيلة للتعامل مع النوم أو الضغوط، وليس باعتباره علاجًا يحتاج إلى تشخيص ومتابعة، فما هو كلوزابكس؟.
ما هو كلوزابكس؟
"كلوزابكس" ليس دواءً مخصصًا للنوم. وتوضح الشركة المنتجة "Apex Pharma" أن المادة الفعالة في المستحضر هي كلوزابين (Clozapine)، وأنه متوافر في مصر بتركيزي 25 و100 ملجم. وتظهر أسعار متداولة حاليًا للعبوة في بعض الصيدليات الإلكترونية بنحو 50 جنيهًا لتركيز 25 ملجم و135 جنيهًا لتركيز 100 ملجم.
والكلوزابين دواء مضاد للذهان يستخدم في حالات مرضية محددة، وليس من الأدوية التي يفترض أن يتعامل معها الشخص باعتبارها "منومًا" يمكن تجربته بناءً على نصيحة صديق أو قريب.
وتظهر طبيعة الدواء ومخاطره أيضًا في تعامل هيئة الدواء المصرية معه؛ ففي فبراير 2026 أصدرت الهيئة خطابًا لمقدمي الرعاية الصحية بشأن مراجعة توصيات المتابعة الدورية لتعداد الدم لدى المرضى الذين يستخدمون الكلوزابين، بسبب خطر ندرة المحببات المرتبط بالعلاج.
وبذلك، فإن التعامل مع "كلوزابكس" باعتباره مجرد قرص يساعد على النوم يتجاهل طبيعة دواء يحتاج استخدامه إلى متابعة طبية، وهو ما يفسر أهمية ما ترويه الحالات التي وصلت إلى الطوارئ بعد استخدامه خارج الإشراف الطبي.
يوميًا بيجيلنا حالات
إذا كانت بداية استخدام الدواء قد تبدو بسيطة في بعض الحالات، فإن نتائج الاستخدام الخاطئ تظهر بصورة مختلفة عندما يصل الشخص إلى قسم الطوارئ.
في أحد مراكز السموم، يقول طبيب طلب عدم نشر اسمه إن حالات مرتبطة باستخدام "كلوزابكس" تصل إلى المركز بصورة متكررة.
لـ"فكر تاني": "يوميًا بيجيلنا حالات كلوزابكس، شباب وبنات في سن صغير، في منهم اللي بتكون حالته لسه في البداية، وفي منهم اللي بيوصل لمرحلة الخطر".
وتقدم هذه الشهادة صورة من داخل مركز السموم، لكنها لا تمثل في حد ذاتها إحصاءً عن حجم الحالات على مستوى الجمهورية؛ لذلك تظل الحاجة قائمة إلى بيانات رسمية يمكن من خلالها قياس حجم الظاهرة.
ولفهم ما يمكن أن تعنيه هذه الحالات داخل الطوارئ، تحدث التحقيق أيضًا إلى طبيب سبق له العمل في مجال السموم لأكثر من عشر سنوات حتى عام 2021.
يشرح الدكتور أبا بكر محمد، وهو طبيب سبق له العمل في مجال السموم لأكثر من عشر سنوات حتى عام 2021، يشرح أن "كلوزابكس" يحتوي على مادة "كلوزابين"، وأن التعامل معها يجب أن يكون تحت إشراف طبي لأنها خطرة ويمكن أن تؤدي إلى الوفاة.
ويوضح من أصعب الحالات التي مرت علي كطبيب هي بنت في سن العشرين كان اسمها "منة"، عندما أتت لنا داخل الطوارئ في ذلك الوقت كان عمرها لا يتجاوز الـ21 وكانت حالتها حرجة جدًا، وذلك بسبب أنها تناولت ما يقارب شريطًا من الكلوزابكس، وللأسف لم نستطع إنقاذها".
لكن ما يبدأ لدى بعض المستخدمين باعتقاد أن الدواء يساعد على النوم أو يخفف الضغوط، قد ينتهي بحالة تحتاج إلى تدخل طبي عاجل وقد لا ينجح التدخل الطبي.
من الصيدلية.. كيف يطلب الشباب الدواء؟
السؤال الذي تطرحه الشهادات كيف يصل دواء يجب أن يؤخذ تحت إشراف طبي إلى يد المستخدم الذي قد يقوده إلى الموت.
في إحدى صيدليات 6 أكتوبر، يقول ضياء محمد، وهو دكتور صيدلي، إن الصيدلية التي يعمل بها لا تصرف "كلوزابكس" من دون روشتة.
ويؤكد ضياء لـ"فكر تاني": "إحنا بقالنا فترة كبيرة ما بنصرفش كلوزابكس من غير روشتة، وده مش بسبب الضجة اللي حصلت عليه في الشهور الأخيرة. أنا كدكتور صيدلي عارف كويس خطورة العقار، وعشان كده أي شاب أو بنت بيطلبوه من غير روشتة بنرفض صرفه، رغم إن في ناس كتير بتيجي تسأل عليه".
حسن رجب، دكتور صيدلي من حي الشيخ زايد، أن الفترة الأخيرة شهدت، زيادة في طلب الشباب والفتيات للعقار.
يقول لـ"فكر تاني" : "الموضوع زاد عندنا الفترة اللي فاتت، ولقينا شباب وبنات في أعمار صغيرة بييجوا يطلبوا العقار، وكأنهم داخلين يشتروا برشام صداع، من غير ما يكون عندهم إدراك لطبيعة الدواء أو خطورته".
البحث عن النوم
لا يمكن قراءة شهادات محمد وعزيزة والصيادلة باعتبارها دليلًا على أن "كلوزابكس" هو الخيار الأكثر شيوعًا بين الشباب الذين يعانون من الأرق، ولكن الحالات تفتح سؤالًا أوسع عن السبب الذي يدفع بعض الشباب أصلًا إلى البحث عن حل دوائي سريع للنوم أو للهروب من الضغوط.
دراسة منشورة عام 2025 في دورية BMC Medical Education على 1,640 طالبًا بكلية طب قصر العيني بحثت في اضطرابات النوم واستخدام مساعدات النوم بين الطلاب، وتناولت مؤشرات مرتبطة بالأرق وجودة النوم. وتشير نتائج الدراسة إلى ارتفاع انتشار مشكلات النوم في العينة، مع استخدام وسائل مختلفة للمساعدة على النوم.
ولا تعني نتائج هذه الدراسة أن هذه النسب تنطبق على كل الشباب المصريين، فهي أجريت على طلاب كلية طب بعينها، كما أنها لا تثبت أن "كلوزابكس" أو مادة الكلوزابين تحديدًا كانت وسيلة النوم المستخدمة لدى هؤلاء الطلاب.
لكن أهميتها بالنسبة لهذا التحقيق تأتي من زاوية أخرى: وجود مشكلة نوم داخل عينة شبابية، والبحث عن وسائل دوائية للتعامل معها، وهي الخلفية التي تجعل بعض النصائح غير المتخصصة حول الأدوية أكثر قابلية للانتشار.
وفي دراسة أخرى شملت 2,474 طالبًا بجامعة جنوب الوادي خلال فترة جائحة كورونا، وجد الباحثون أن 31.3% من المشاركين استوفوا معيار الأرق السريري، بينما صُنّف نحو 80% منهم باعتبارهم أصحاب جودة نوم سيئة.
وفي دراسة حديثة أخرى عن استخدام الميلاتونين بين طلاب الجامعات، بحث الباحثون العلاقة بين استخدامه واضطرابات النوم وأعراض الاكتئاب، بما يعكس اتساع النقاش حول لجوء الشباب إلى مساعدات النوم بدلًا من التعامل مع أسباب اضطراب النوم نفسها.
لكن هذه الدراسات الثلاث لا تجيب وحدها عن سؤال "كلوزابكس"، وإنما تساعد في وضع الحالات التي تحدث عنها التحقيق داخل سياق أوسع يتعلق بمشكلات النوم والبحث عن حلول دوائية سريعة.
حكاية أرق أم حل سريع؟
ترى دكتوره مروة ماهر، طبيبة نفسية، أن اللجوء إلى أدوية مثل الكلوزابين بهدف النوم أو تهدئة التوتر قد يعكس محاولة للبحث عن حل سريع لمعاناة نفسية لا تجد طريقها إلى التشخيص والعلاج الصحيح.
وتقول لـ"فكر تاني": إن الشخص قد يسمع من أحد معارفه أن الدواء "بينوّم" أو "يريّح الأعصاب"، فيتعامل معه باعتباره وسيلة مؤقتة للهروب من الأرق أو القلق، من دون أن يدرك أن الدواء مخصص لحالات نفسية محددة وأن استخدامه يجب أن يكون تحت إشراف طبي ومتابعة منتظمة.
وتحذر الطبيبة النفسية من أن المشكلة لا تتوقف عند تناول قرص من دون وصفة، وإنما في أن تكرار هذا السلوك قد يجعل الشخص يعتمد على الدواء كلما واجه ضيقًا أو أرقًا، بدلًا من البحث عن سبب المشكلة وعلاجها.
وتضيف أن مسؤولية الأسرة تبدأ من ملاحظة التغيرات المفاجئة في النوم والمزاج والسلوك، وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد "دلع" أو تقلبات عابرة، مع تشجيع الشخص على التحدث مع متخصص نفسي، خصوصًا إذا أصبح يبحث عن أدوية من تلقاء نفسه أو يستخدمها بجرعات غير موصوفة.
هذه الزاوية تعيد الحالات السابقة إلى نقطة البداية: المشكلة ليست فقط في الدواء الذي تناوله الشخص، وإنما في الطريقة التي وصل بها إليه والسبب الذي جعله يبحث عنه أصلًا.
إساءة استخدام الأدوية
ويرى محمود فؤاد، من مركز الحق في الدواء، أن قصة "كلوزابكس" لا يمكن فصلها عن مشكلة أوسع تتعلق بطريقة التعامل مع الأدوية في مصر.
يقول فؤاد لـ"فكر تاني": "إحنا عندنا في مصر مشكلة كبيرة اسمها إساءة استخدام الأدوية.. ممكن أكون مريض نفسي وباخد دواء يناسبني ويناسب المرض بتاعي، لكن لما أستخدمه لأغراض تانية، عشان أعمل دماغ أو أحصل على تأثير معين، هنا الخطورة".
وبالنسبة لفؤاد، فإن مواجهة المشكلة لا تتعلق بالمريض وحده، وإنما تمتد إلى الطبيب والصيدلي والرقابة على تداول الدواء، لأن العقار الذي يُستخدم بعيدًا عن الغرض الطبي الذي وُصف من أجله يمكن أن يتحول من وسيلة للعلاج إلى مصدر للخطر.
ضوابط رسمية.. لكن ماذا يحدث في الشارع؟
تتعامل الجهات الرسمية مع الأدوية المؤثرة على الحالة النفسية ضمن قواعد لتنظيم تداولها، وهو ما يضع شهادات الصيادلة عن طلب بعض الشباب للدواء من دون روشتة في مواجهة سؤال عملي: كيف يفترض أن تتم عملية التداول، وما الذي يحدث عند نقطة البيع؟
في يوليو 2026، أعلنت هيئة الدواء المصرية عن فتح باب التسجيل في ويبينار للصيادلة بشأن القرار رقم 172 لسنة 2011 الخاص بتنظيم تداول الأدوية المؤثرة على الحالة النفسية، إلى جانب تطبيق "دوانا" المستخدم لمراقبة تعامل المؤسسات الصيدلانية مع هذه الأدوية.
وأوضحت الهيئة أن الويبينار يستهدف صيادلة المؤسسات الصيدلية بالمجتمع.
ويعني ذلك أن هناك منظومة رسمية لتنظيم تداول هذه الفئة من الأدوية ومتابعة تعامل المؤسسات الصيدلانية معها، بينما تكشف شهادات الصيادلة التي جمعها التحقيق عن أشخاص ما زالوا يسألون عن "كلوزابكس" خارج إطار الوصفة الطبية.
كما سبق أن أصدرت الهيئة في 2025 منشورًا بسحب تشغيلة محددة من مستحضر clozapine 100 mg tablet بسبب عدم مطابقة تلك التشغيلة لنتائج معامل الهيئة، مع التأكيد في المنشور نفسه على أن الإجراء يخص التشغيلة المحددة ولا ينطبق على تداول المستحضر بشكل عام.
أما "Clozapex" نفسه، فتدرجه الشركة المنتجة ضمن مستحضراتها التي تحتوي على مادة clozapine بتركيزي 25 و100 ملجم.
تكشف الحالات التي تحدثت إليها "فكر تاني" أن الطريق إلى "كلوزابكس" قد يبدأ بتداول وصفة: شخص يقول لآخر إن الدواء يساعد على النوم، أو جار ينصح به، أو شاب يطلبه من الصيدلية بحثًا عن تأثير يهدئه.
وهنا يظهر الاستخدام خارج الإشراف الطبي باعتباره نقطة التقاء بين المستخدمين للعقار للبحث عن النوم أو محاولة التعامل مع الضغوط أو الاعتماد على نصيحة غير متخصصة.
لكن خلف هذه الوصفة البسيطة يقف دواء ذو استخدامات طبية محددة ومخاطر تستدعي المتابعة، ومن هنا، لا يصبح السؤال فقط: من أين حصل هؤلاء الأشخاص على "كلوزابكس"؟ وإنما أيضًا: لماذا وصلوا إلى مرحلة البحث عن دواء كهذا من الأساس، وكيف يمكن أن يجدوا طريقًا آخر قبل أن تصل الحكاية إلى غرفة الطوارئ؟