10 سنوات من الانتظار.. مفوضية مناهضة التمييز تعود إلى الواجهة بمسودة قانون جديدة

في أبريل 2016، تقدمت النائبة الراحلة أنيسة حسونة بأول مشروع قانون لإنشاء مفوضية لمناهضة التمييز، سعيًا إلى تطبيق الاستحقاق الدستوري المنصوص عليه في المادة 53 من دستور 2014، غير أنه اختفى في أدراج لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، ولم تفلح محاولاتها المتتالية على مدار أدوار الانعقاد المختلفة في الدفع نحو مناقشته وخروجه إلى النور.

وبعد 10 سنوات من المحاولة الأولى، وفي وقت تدور فيه تكهنات بشأن تعديلات دستورية محتملة أو وضع دستور جديد بالكامل، بادرت 17 منظمة ومبادرة حقوقية إلى إعلان مسودة مشروع قانون لإنشاء مفوضية لمكافحة التمييز، سعيًا إلى تنفيذ الاستحقاق الذي طال انتظاره.

وخلال مؤتمر صحفي عقد في نقابة الصحفيين أمس، أعلنت المنظمات والمبادرات إطلاق المسودة وطرحها للنقاش، بعد نحو عامين من العمل المشترك ضمن قوة العمل المعنية بمفوضية مكافحة التمييز.

وتضم القوة مبادرة المنصة حقها، ومؤسسة قضايا المرأة المصرية، ومؤسسة المرأة الجديدة، ومبادرة المرأة الريفية، ومبادرة ملاذ، وجمعية إدراك، ومؤنث سالم، وسوبر وومن، ودعم، وجمعية رابطة المرأة الفلسطينية، ومؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، والمستقبل، والجبهة الوطنية لنساء مصر، ومبادرة إنصاف، ومصريين بلا حدود للتنمية، وخطوة، ومؤسسة بشاير لتنمية المجتمع بحلوان.

حق الإبلاغ والحصانة لا تحمي

ويمنح مشروع القانون كل شخص يعلم بواقعة تمييز أو خطاب كراهية حق التقدم بشكوى إلى المفوضية، مع إلزامها بالاستماع إلى المبلغ أو الشاكي واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن البلاغ.

كما نص على أن الحصانة، أيًا كان نوعها، لا تمنع الجهات المختصة بالتحقيق من الاستماع إلى المشكو في حقه للتحقق من مدى جدية واقعة التمييز المبلغ عنها. وأكد المشروع أيضًا أن جرائم التمييز وخطاب الكراهية لا تسقط بالتقادم أو بمضي المدة.

وبموجب المادة 4، يكون مقر المفوضية في القاهرة، ويجوز لها، بقرار من مجلسها، إنشاء فروع أو مكاتب أو مراكز نوعية في أنحاء الجمهورية لتحقيق أهدافها.

ويتولى مجلس النواب اختيار أعضاء مجلس المفوضية الأول، على أن يصدر رئيس الجمهورية قرارًا بتعيينهم بعد استيفاء الشروط اللازمة للعضوية.

وخلال مناقشات المسودة، اعترض عضو مجلس الشيوخ عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، حسني بسالة، على إسناد مهمة اختيار مجلس المفوضية الأول إلى مجلس النواب، وقال خلال المناقشات، إن "مجلس النواب ليس من مهامه تعيين جهات وهيئات"، ثم أضاف "بمناسبة التمييز، المجلسين، النواب والشيوخ، يمارس فيهما تمييز بين الموالاة والمعارضة، ويمارس ضدنا تمييز". وانتقل إلى الحديث عن إدارة رئيس المجلس للجلسة، قائلًا "لما أتكلم ويفهم أنا رايح فين يقول خلال وصلت الفكرة، أنا ما بكملش الدقيقتين".

واقترح بسالة أن يتولى رئيس الجمهورية تعيين مجلس المفوضية، وقال "رئيس الجمهورية سيكون أكثر عدلًا عن المجلسين في اختيار الأعضاء".

وفي المقابل، قالت مديرة مؤسسة المرأة الجديدة "نلتزم بمجلس النواب في تعيين مجلس المفوضية بغض النظر عن الواقع وطريقة تشكيل المجلس وواقع المشاركة السياسية".

وتحدد المادة 6 شروط العضوية، ومنها أن يكون العضو مصري الجنسية، وألا يقل عمره عن 21 عامًا، وأن يمتلك خبرة لا تقل عن 5 سنوات في مجالات مناهضة التمييز. كما تمنح الأولوية للحاصلين على دراسات متخصصة ولمن لديهم إسهامات في مجال حقوق الإنسان.

ويشترط أيضًا ألا يكون قد صدر ضد العضو حكم نهائي وبات في جناية أو جنحة مخلة بالشرف والأمانة، ويحظر المشروع الجمع بين عضوية المفوضية والعمل في الجهات والهيئات والمؤسسات الرسمية، مع إتاحة التقدم للعضوية للموظف العام أو المكلف بخدمة عامة بعد انتهاء علاقته بالعمل بـ6 أشهر على الأقل.

اختصاصات المفوضية

حدد مشروع القانون 5 مهام رئيسية للمفوضية، تبدأ بمراجعة التشريعات والسياسات والقرارات الإدارية التي تنطوي على تمييز ضد فئات محددة أو إخلال بمبدأ المساواة.

وتشمل مهامها كذلك تلقي الشكاوى المتعلقة بأي ممارسات تمييزية، والاستماع إلى الشهود، وتقديم الدعم اللازم، وإصدار التوصيات اللازمة والملزمة للجهات المختصة والمعنية بالشكوى. وتلتزم الجهات الحكومية المختصة بالرد على توصيات المفوضية خلال شهر بحد أقصى.

وتتولى المفوضية أيضًا التواصل مع المؤسسات والهيئات المختلفة لمتابعة الشكاوى المقدمة إليها بشأن وقائع التمييز، إلى جانب نشر ثقافة المساواة وعدم التمييز.

كما ينص المشروع على إعداد تقرير سنوي عن حالة التمييز في مصر ورفعه إلى رئيس الجمهورية ومجلس النواب، مع نشره للرأي العام.

المقاومة مستمرة

يرى المحامي الحقوقي محمد الباقر أن المهتمين بمناهضة التمييز لا يملكون سبيلًا آخر سوى مواصلة السعي لإقرار قانون المفوضية، مشيرًا إلى تكهنات بإجراء تعديلات دستورية موسعة قد تعيد النظر في عدد من النصوص.

ورجح الباقر أن تكون المادة 53 من بين النصوص التي قد يطاولها التعديل، وهي المادة التي تنص على إنشاء المفوضية، وقال "سيكون هذا الاستحقاق نضال مرتبط بالمجتمع المدني".

وخلال مناقشة المسودة في المؤتمر الصحفي، وصف الباقر مقاومة إنشاء المفوضية بأنها "أشد من أي مجلس قومي آخر"، رابطًا ذلك بالثقافات الموروثة والسياسات التنفيذية.

أما فيما يتعلق بالنصوص الخاصة بحماية الشهود والمبلغين، فشدد الباقر على ضرورة وضع حماية كاملة لهم، معتبرًا أن قانون الإجراءات الجنائية الجديد فرغ هذه الحماية من مضمونها. وطالب بأن تكون النصوص الواردة في مشروع قانون المفوضية أكثر وضوحًا في هذا الجانب.

الدولة تمارس التمييز

أكد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع في مجلس النواب أهمية مشروع القانون، محذرًا من اتساع نطاق التمييز خلال السنوات الأخيرة. وقال إن "التعليم أصبح أداة للفرز الطبقي والاجتماعي وبدأ ينعكس على سوق العمل".

وتطرقت عضو مجلس الشيوخ، ريم الصاوي، إلى الفجوات الاجتماعية، وقالت خلال المناقشات "لدينا فجوة في الطبقات، أصبح هناك مصر وEgypt"، محذرة من اتساع هذه الفجوة خلال السنوات الـ10 المقبلة.

وربطت الصاوي حديثها بما تشهده قطاعات مختلفة من تفاوتات، فيما اتهم رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع الدولة نفسها بممارسة التمييز، مستندًا إلى الإجراءات والاختبارات ومعايير الاختيار المفروضة على المعلمين، رغم وجود عجز في أعدادهم والحاجة إلى تعيين نحو 400 ألف معلم، بحسب قوله.

وقال النائب "عباقرة مصر تعلموا على أيدي معلمين، ماحدش سألهم على وزنهم ولا لياقتهم، ولا عين ناقصة ولا رجل ناقصة"، منتقدًا التركيز على الوزن واختبارات اللياقة البدنية والجري، بدلًا من مهارات المعلم وقدرته على أداء وظيفته.

غيوم منذ 12 عامًا

وعلى مدار السنوات الـ6 السابقة، حاولت النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الدفع بمشروع قانون إنشاء المفوضية داخل المجلس، غير أن مصيره لم يختلف عن مشروع أنيسة حسونة، وظل حبيس الأدراج.

"غيوم منذ 12 سنة"، هكذا وصف النائب إيهاب منصور، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، تأخر تنفيذ الاستحقاق الدستوري، وقال "أتمنى الشمس تطلع وتنقشع الغيوم".

وشدد منصور على حجم الأزمة قائلًا "احنا في كارثة، التمييز وصل لمستويات عديدة ولدينا تمييز بسبب الرأي".

وأضاف "نحن غير متعايشين، نحن متعايشين شكلًا وليس موضوعًا"، مجددًا تحفظه على اختيار مجلس النواب لأعضاء مجلس المفوضية.

لماذا التعطيل؟

على مدار 12 عامًا، ظلت محاولات حسونة وعبد الناصر وغيرهما قيد الأدراج. وامتدت هذه المساعي إلى الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس، حيث ناقش المحور السياسي، في جلسة منفصلة، إنشاء المفوضية وضوابطها وآليات عملها، وانتهى إلى توصية واضحة في هذا الشأن. غير أن هذه التوصية ظلت، شأنها شأن توصيات أخرى للمحور السياسي، من دون ترجمة إلى سياسات أو تشريعات.

وفي لقاء سابق جمعني بنائب شغل مقعدًا في هيئة مكتب لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، قال لي بوضوح شديد قبل عدة سنوات "هذا القانون لن يرى النور"، ثم دافع عن موقفه قائلًا "ماعندناش تمييز في مصر".

وكان النائب السابق، المنتمي إلى حزب مستقبل وطن، لا يرى أن مصر تعاني من التمييز، وينطلق من تصور مفاده أن إنشاء المفوضية قد يفتح الباب أمام مزيد من التوتر بدلًا من احتوائه. وكان يردد مستنكرًا "الباب ده يفتح الفتنة".

وفي المقابل، قال عضو مجلس الشيوخ عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، باسم كامل، في تصريحات خاصة، إن مشروع القانون على الأرجح لن يكون ضمن الأجندة التشريعية، رغم كونه استحقاقًا دستوريًا.

وفسر كامل ذلك بقوله "يلمس بعض الملفات الحرجة لدى الدولة ولذلك تتجاهله لفترات طويلة، والبعض يتصور أنه يرتبط بالتمييز الديني فقط لكنه يمتد لجميع أشكال التمييز".

وبعد 12 عامًا من صدور دستور 2014، ما زالت استحقاقات دستورية عديدة غائبة، من بينها مفوضية مناهضة التمييز، فيما تتواصل المحاولات الرامية إلى إخراجها من دائرة التأجيل.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة