يأتي اليوم العالمي للمساواة في الأجر في وقت تزداد فيه صعوبة ظروف المرأة العاملة، وتتسع الفجوة بينها وبين الرجل في سوق العمل، خصوصًا على مستوى الأجور.
فما زالت النساء في سوق العمل العالمي يحصلن على أجور أقل من الرجال. ووفق أحدث بيانات منظمة العمل الدولية، تقل أجور النساء على مستوى العالم في المتوسط بنحو 20% عن أجور الرجال، مع اتساع الفجوة لدى النساء اللاتي يقدمن الرعاية للأطفال.
وفي مصر، تظهر الفجوة في الأجور وفق أحدث بيانات للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. فقد بلغ متوسط الأجر الشهري للنساء في القطاع العام وقطاع الأعمال العام 15206 جنيهات، مقابل 14540 جنيهًا للرجال، بينما بلغ متوسط الأجر الشهري للنساء في القطاع الخاص 4928 جنيهًا، مقابل 5998 جنيهًا للرجال.
وعند جمع القطاعين، بلغ متوسط أجر النساء 5529 جنيهًا، مقابل 6523 جنيهًا للرجال. وتطرح هذه الأرقام سؤالًا أساسيًا عن مدى تحقق المساواة في الأجر بين النساء والرجال داخل سوق العمل، والأسباب الكامنة وراء الفجوة، وما يضمن تطبيق مبدأ المساواة عندما يكون العمل متساويًا في القيمة.
من أين يبدأ عدم المساواة؟
لفهم مشكلة عدم المساواة في الأجر في مصر بصورة أعمق، يجب النظر أولًا إلى سوق العمل نفسه، إذ تبدأ الفجوة بين النساء والرجال قبل الوصول إلى مستوى الأجر.
فقد بلغ معدل المساهمة في النشاط الاقتصادي بين الرجال 70.6%، بينما لم يتجاوز بين النساء 20.7% من إجمالي قوة عمل تجاوزت 34 مليون عامل وعاملة.
جدول (1) مؤشرات المرأة والرجل في سوق العمل المصري 2025
| المؤشر | النساء | الرجال | الإجمالي |
|---|---|---|---|
| حجم قوة العمل | 7.471 مليون | 26.683 مليون | 34.154 مليون |
| معدل المساهمة في النشاط الاقتصادي | 20.7% | 70.6% | 46.2% |
| معدل البطالة | 15.3% | 3.7% | 6.3% |
| معدل البطالة بين الشباب 15 إلى 29 سنة | 33.8% | 8.1% | 13.2% |
| معدل البطالة بين الشباب 15 إلى 29 سنة من حملة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة والجامعية فأعلى | 38.3% | 10.1% | 16.8% |
المصدر: بحث القوى العاملة - السنوي لعام 2025
ومن الجدول السابق، تتضح صورة موقع المرأة المصرية في سوق العمل بصورة أكبر عند النظر إلى البطالة. فقد بلغ معدل البطالة بين النساء 15.3% عام 2025، مقابل 3.7% بين الرجال.
وعند الانتقال إلى الشباب في الفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا، بلغ معدل البطالة 13.2%، بينما وصل بين الشابات إلى 33.8%، مقابل 8.1% بين الشباب. كما بلغ معدل البطالة بين الشابات من حملة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة والجامعية وما فوقها 38.3%، مقابل 10.1% بين الشباب من الفئة التعليمية نفسها.
ولا تتعلق هذه البيانات بالأجر بصورة مباشرة، لكنها ضرورية لفهم الصورة كاملة. فالمساواة في الأجر لا تبدأ عند لحظة دفع الراتب، وإنما ترتبط أيضًا بفرص الدخول إلى سوق العمل، ونوع الوظائف التي تشغلها النساء، والقطاعات التي يعملن فيها، وموقعهن داخل هذه الوظائف.
الفرق في الأجور بين النساء والرجال
عند الانتقال من موقع المرأة في سوق العمل إلى مستوى الأجر، تظهر فجوة واضحة في متوسط ما تحصل عليه النساء والرجال.
جدول (2) متوسط الأجر الشهري حسب القطاع والنوع في مصر عام 2024
| القطاع | متوسط أجر الرجال | متوسط أجر النساء | الفرق | نسبة الفرق |
|---|---|---|---|---|
| القطاع العام وقطاع الأعمال العام | 14540 جنيهًا | 15206 جنيهات | 666 جنيهًا لصالح النساء | 4.6% |
| القطاع الخاص | 5998 جنيهًا | 4928 جنيهًا | 1070 جنيهًا لصالح الرجال | 17.8% |
| القطاع العام والخاص معًا | 6523 جنيهًا | 5529 جنيهًا | 994 جنيهًا لصالح الرجال | 15.2% |
المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إصدار 2026
وتوضح هذه الأرقام أن الحديث عن المساواة في الأجر يحتاج إلى النظر داخل سوق العمل، وليس الاكتفاء بمقارنة متوسطين عامين. فالفرق بين متوسط أجر النساء ومتوسط أجر الرجال يتغير بحسب القطاع الذي يعمل فيه الطرفان، كما أن المتوسط العام يجمع وظائف ومهنًا وساعات عمل ومستويات خبرة مختلفة.
لذلك، فإن وجود فرق بين المتوسطات لا يعني تلقائيًا أن الفجوة كلها ناتجة عن التمييز في الأجر، كما أن هذه الفروق تمثل عوامل مهمة يجب أخذها في الاعتبار عند دراسة أسباب التفاوت بين النساء والرجال.
لماذا تختلف أجور النساء عن الرجال؟
إذا افترضنا أن رجلًا وامرأة يعملان العمل نفسه، لكنهما لا يحصلان على الأجر ذاته لأن الرجل يعمل 8 ساعات، بينما تعمل المرأة 6 ساعات، فمن الطبيعي أن يحصل الرجل في نهاية الشهر على دخل أعلى. وهذا قد يفسر جزءًا من الفرق بين دخله ودخل المرأة.
لكن هذا العامل لا يفسر كامل الفجوة في الأجور، إذ يمكن إجراء المقارنة على أساس أجر الساعة أيضًا. وهنا تظهر أهمية دراسة منظمة العمل الدولية حول فرق الأجور بين النساء والرجال في مصر، والتي اعتمدت على بيانات مسوح سوق العمل المصرية للأعوام 1998 و2006 و2012 و2018.
وأظهرت الدراسة أن الفرق في الأجر الشهري بلغ نحو 20%، بينما وصل الفرق في أجر الساعة إلى نحو 4.1% لصالح الرجال. وتوضح هذه النتيجة جانبًا مهمًا من الصورة، فإذا كانت المرأة تعمل ساعات أقل، فمن الطبيعي أن يكون أجرها الشهري أقل عندما يتساوى أجر الساعة.
أما عندما يختلف أجر الساعة نفسه لصالح الرجل بنسبة نحو 4.1%، فإن تفسير الفجوة بمجرد زيادة عدد ساعات العمل لا يصبح كافيًا. وتظل هناك عوامل أخرى تحتاج إلى البحث، من بينها نوع المهنة، والقطاع، وظروف العمل، وغيرها من الخصائص المؤثرة في مستوى الأجر.
لذلك، فإن قضية المساواة في الأجر لا تتعلق فقط بما تحصل عليه المرأة في نهاية الشهر، وإنما تشمل أيضًا المقابل الذي تحصل عليه عن ساعة العمل، أو عن العمل المتساوي في القيمة. ومن هنا، يصبح فرق أجر الساعة مؤشرًا مهمًا عند بحث الفروق التي لا يمكن تفسيرها فقط باختلاف عدد ساعات العمل.
المساواة في الأجر بين النص والتطبيق
وضع قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 قاعدة صريحة للمساواة في الأجر بين النساء والرجال عن العمل ذي القيمة المتساوية، كما حظر التمييز بسبب الجنس في التدريب، والإعلان عن الوظائف، وشغلها، وشروط وظروف العمل، والحقوق والواجبات الناشئة عن علاقة العمل.
وبذلك أصبح مبدأ المساواة في الأجر جزءًا من القواعد التي تحكم علاقة العمل، وليس مجرد مبدأ عام يترك تقديره لكل منشأة.
غير أن تطبيق هذه القاعدة يطرح مسألة أكثر تعقيدًا من مجرد وجود النص. فالقانون يستخدم معيار العمل ذي القيمة المتساوية، وهو معيار يحتاج إلى مقارنة موضوعية بين طبيعة الأعمال، ومسؤولياتها، ومتطلباتها، وظروف أدائها، حتى يمكن تحديد ما إذا كان اختلاف الأجر يرجع إلى اختلاف حقيقي في قيمة العمل أم إلى التمييز بين العاملين.
وهنا تظهر أهمية التفتيش والرقابة، إذ لا يكشف النص القانوني وحده عن الفروق الموجودة داخل المنشآت، ولا يحدد تلقائيًا ما إذا كان اختلاف الأجر بين عامل وعاملة يستند إلى سبب موضوعي. ولذلك يحتاج تطبيق مبدأ المساواة في الأجر إلى آليات رقابية تستطيع فحص الأجور وظروف العمل وطبيعة الوظائف داخل المنشآت.
كما أن قياس المساواة في الأجر يحتاج إلى بيانات أكثر تفصيلًا من متوسطات الأجور التي ينشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. فالمقارنة التي أجريناها تكشف فرقًا بين متوسط أجور النساء والرجال على مستوى القطاع، لكنها لا تكشف وحدها عن الأجر الذي تحصل عليه امرأة ورجل يؤديان العمل نفسه، أو عملًا متساويًا في القيمة داخل المنشأة نفسها.
وهذه نقطة أساسية، لأن إثبات المساواة في الأجر يتطلب الانتقال من متوسطات السوق إلى المقارنة داخل الوظائف والمهن والقطاعات.
وبذلك، فإن وجود النص القانوني يمثل خطوة في تحديد الحق، لكنه لا يكفي وحده لإثبات تحقق المساواة في الواقع. فالمسألة لا تتعلق فقط بالنص على مساواة النساء والرجال في الأجر، وإنما تحتاج أيضًا إلى قواعد واضحة لتحديد قيمة العمل، وبيانات تسمح بقياس الفروق، وآليات تفتيش تستطيع اكتشاف المخالفات، ووسائل تمكن العاملة من المطالبة بحقها عند ثبوت وجود فرق غير مبرر في الأجر.
وتزداد أهمية هذه النقطة عند النظر إلى بيانات سوق العمل التي عرضناها في الأجزاء السابقة. فوجود فرق يبلغ نحو 15.2% بين متوسط أجور النساء والرجال لا يمكن تفسيره كله باعتباره تمييزًا في الأجر، كما لا يمكن تجاهله باعتباره مجرد نتيجة لاختلاف المهن والقطاعات وساعات العمل.
لذلك، تبرز الحاجة إلى مستوى من البيانات والرقابة يسمح بتحديد الجزء الذي يمكن تفسيره بعوامل موضوعية، والجزء الذي لا يمكن تفسيره بهذه العوامل.
ومن هنا، يرتبط اختبار مبدأ المساواة في الأجر بالقدرة على قياس مدى التقدم، وهو ما يتطلب بيانات تسمح بقياس الأجور بحسب النوع والمهنة والقطاع، إلى جانب أجهزة وآليات تفتيش تستطيع اكتشاف الفروق غير المبررة، وآلية عملية للحصول على الحق عند ثبوت وجود مخالفة.