اشحن رصيد محاميك تحصل على حقك الدستوري في الدفاع

أثار إطلاق وزارة العدل، الثلاثاء الماضي، منظومة التقاضي الجنائي عن بُعد، جدلًا بعدما حاول عدد من المحامين التسجيل فيها، لتبرز منذ الساعات الأولى مسألة رسوم التسجيل والباقات التي بدت شبيهة بباقات عدادات الكهرباء.

وبحسب عدد من المحامين الذين حاولوا التسجيل، ونشروا رسوم الجلسات وتكاليف تصوير أوراق القضايا، من بينهم المحامي الحقوقي أحمد معوض، فإن التسجيل والاشتراك في منصة التقاضي الجنائي عن بعد يتطلب سداد 500 جنيه كاشتراك سنوي، فيما حددت رسوم حضور جلسة المحاكمة الجنائية عن بعد أمام محاكم الجنايات بـ500 جنيه للجلسة الواحدة.

وامتدت الرسوم إلى درجات أخرى من التقاضي، إذ حُدد مبلغ 300 جنيه مقابل حضور جلسة عن بعد في قضايا الجنح والجنح المستأنفة، و100 جنيه لكل جلسة من جلسات تجديد الحبس، إلى جانب 10 جنيهات مقابل تصوير كل صفحة إلكترونية من ملفات الجلسات والدعوى.

ولم تتوقف الرسوم عند إجراءات الحضور والاطلاع على الملفات، إذ شملت أيضًا خدمة الرسائل والتحديثات، فقد حدد مبلغ 5 جنيهات لكل رسالة قصيرة تتضمن تحديثات القرارات، مع إتاحة شراء باقة بقيمة 2500 جنيه تضم 500 رسالة، على ألا تتجاوز الرسالة الواحدة 70 حرفًا.

وأمام هذه الرسوم، تحرك المحامي الحقوقي خالد علي بـالطعن على القرار، بالتعاون مع مكتب خالد الجمال، المحامي بالنقض، وحمدي أبو العلا، المحامي، أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة، مطالبًا بوقف تنفيذ وإلغاء قرار وزارة العدل بفرض مقابل مالي ورسوم على الخدمات الإلكترونية الخاصة بمنصة التقاضي الجنائي عن بُعد.

وسرعان ما أعلن أحمد أبو حنيش، أمين نقابة المحامين بحلوان، التضامن مع الطعن على القرار واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للتدخل في الدعوى، دفاعًا عن "سيادة القانون وصونًا لحق الدفاع والتقاضي".

وتضمن الطعن عددًا من الأسباب والأسانيد القانونية التي يستند إليها مقدمو الدعوى، في مقدمتها الدفع بمخالفة الدستور فيما يتعلق بمبدأ مجانية التقاضي، انطلاقًا من أن فرض رسوم مالية على إجراءات أساسية، من بينها حضور الجلسات أو الاطلاع على الأوراق، من شأنه أن يعوق كفالة حق الدفاع وحق التقاضي للمواطنين المكفولين دستوريًا.

واستند الطعن، الذي اطلعت عليه "فكر تاني"، كذلك إلى عدم الاختصاص وغصب سلطة المشرع، على أساس أن فرض رسوم أو تكاليف مالية على المواطنين يستلزم صدور قانون من مجلس النواب، وفقًا للحقوق الدستورية المتعلقة بالضرائب والرسوم، ولا يجوز فرضها بموجب قرارات إدارية أو تنظيمية صادرة عن السلطة التنفيذية.

ولم يقف الاعتراض عند قيمة الرسوم، إذ تناولت الدعوى طبيعة التحول الرقمي نفسه، معتبرة أن الأصل في رقمنة الإجراءات القضائية هو تيسير الإجراءات وتقليل التكاليف الإدارية على المتقاضين والمحامين، بينما يؤدي جدول الرسوم المعلن، بحسب ما ورد في الطعن، إلى تحويل المنصة من وسيلة لتيسير الوصول إلى العدالة إلى ما يشبه "بوابة دفع متعددة الرسوم" تتجاوز التكلفة التقليدية للإجراءات.

العدالة كسلعة

هذا الجدل يطرح سؤالًا أساسيًا عن مشروعية الرسوم المفروضة على المنظومة، وهو ما يميز بين مشروعية إنشاء منظومة التقاضي عن بُعد، ومشروعية تحصيل رسوم مقابل استخدامها. ويرى المستشار الدكتور نزيه الحكيم، القاضي السابق، أن إنشاء منظومة التقاضي عن بعد مشروع في أصله، موضحًا أن المشرع نظم التحقيق والمحاكمة عن بعد في قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، ونص على استخدام وسائل الاتصال الحديثة في إجراءات التحقيق والمحاكمة، مع ضمانات الحضور والعلانية وشفوية المرافعة والمواجهة.

ومن هنا يفرق الحكيم بين مشروعية المنصة ومشروعية الرسوم المفروضة عليها، مؤكدًا أن المسألة التي تحتاج إلى بحث جدي تتمثل في معرفة ما إذا كان هناك سند تشريعي يخول لوزير العدل إنشاء هذه الرسوم وتحديد قيمتها.

ويشرح، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن القانون منح وزير العدل سلطة إصدار القرارات اللازمة لتنفيذه، لكن هذه العبارة لا تعني تلقائيًا تفويض الوزير في إنشاء أعباء مالية جديدة على المتقاضين أو المحامين، ما لم يوجد سند تشريعي يمنحه هذه السلطة، وهي النقطة التي يعتبرها الحكيم موضع الضعف المحتمل في القرار محل الطعن.

ويصل النقاش عندها إلى الجانب الدستوري، حيث يرى الحكيم أن المسألة أكثر حساسية، موضحًا أن الدستور كفل حق التقاضي، وأن العدالة لا يجوز أن تتحول إلى سلعة تتوقف ممارستها على إرادة الإدارة في فرض مقابل مالي.

ومع ذلك، يشدد على ضرورة الدقة في توصيف المسألة، مؤكدًا أن ليس كل مقابل مالي بمناسبة خدمة قضائية يكون بالضرورة غير دستوري، فإذا كان المبلغ مقابل خدمة اختيارية إضافية وليست شرطًا لمباشرة حق من حقوق الدفاع أو التقاضي، فإن الموقف الدستوري يختلف.

هذا التفريق بين الخدمة الإضافية وما لا يمكن للمتقاضي الاستغناء عنه، يعيد النقاش إلى طبيعة الرسوم المفروضة على المنصة ومدى اتصالها بإجراءات أصلية في الدعوى.

رسوم بلا قانون

من الزاوية نفسها، يرى المحامي الحقوقي ناصر أمين، مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، أن رسوم التقاضي عن بُعد تمثل جزءًا من حالة فوضى تعم البلاد فيما يتعلق بفرض الرسوم دون قانون، معتبرًا أن ذلك يمثل مخالفة صريحة وواضحة للدستور المصري الصادر عام 2014، الذي نص على أنه لا رسوم إلا بقانون.

ويضيف أمين، في تصريحات لـ"فكر تاني"،ـ أن هذه الرسوم تفرض بقرارات، ويعتبر ذلك مخالفة صريحة وواضحة للدستور، مطالبًا بالتوقف عنها فورًا. ويرى أن وزارة العدل، باعتبارها الجهة المنوط بها تحقيق العدالة، لا يجب أن تنخرط في مثل هذه الممارسات، حتى في حال استمرار السلطة التنفيذية في هذا الاتجاه.

وتتسع رؤيته للمسألة إلى ما هو أبعد من النص الدستوري المحلي، إذ يربط ناصر أمين بين الرسوم المفروضة وبين الالتزامات الدولية المتعلقة بالحق في المحاكمة العادلة والوصول إلى الإنصاف، موضحًا أن الرسوم المبالغ فيها والإجراءات التي تضعها وزارة العدل في مصاريف التقاضي تمثل، بحسب رؤيته، انتهاكًا للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، خاصة المواد المتعلقة بالحق في محاكمة عادلة والحق في الوصول إلى الإنصاف الذي يجب أن توفره الدولة لكل مواطن على قدم المساواة.

ويؤكد أن رسوم التقاضي لا ينبغي أن تتحول إلى عائق يحول بين المواطن وبين التماس سبل الإنصاف والعدالة، ويصف ما يحدث بأنه انتهاك للدستور وانتهاك للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، معتبرًا أنه انتهاك ممنهج يجب التوقف عنه، ومشددًا على أن الرسوم المبالغ فيها وغير المبررة، والتي تتناقض مع حق الإنسان في الوصول إلى العدالة، يجب أن تتوقف، وألا تنخرط فيها وزارة العدل.

لكن السؤال لا يتعلق فقط بمبدأ فرض الرسوم، وإنما يمتد أيضًا إلى أثر تراكمها على المتهم ومحاميه، وهو جانب يركز عليه الخبير القانوني الدكتور أحمد محسن قاسم، المحامي بالاستئناف.

حين تتراكم الرسوم على القضية الواحدة

يتوقف محسن عند الأثر التراكمي للرسوم على منظومة التقاضي، موضحًا في حديثه لـ"فكر تاني" أن حضور جلسة الجناية عن بُعد يكلف 500 جنيه للجلسة الواحدة، وقد تمتد القضية إلى 10 جلسات أو أكثر، ما يعني أن رسوم الحضور وحدها قد تصل إلى 5000 جنيه، بخلاف الاشتراك السنوي ورسوم التصوير والرسائل وأتعاب المحامي.

ورغم تحصيل المبلغ من حساب المحامي، يرى محسن أن عبء هذه الرسوم سينتقل غالبًا إلى المتهم أو أسرته، بما قد يؤدي إلى تفاوت حقيقي بين دفاع القادر ودفاع غير القادر.

ومن هذا الأثر يطرح محسن مسألة أخرى تتعلق بالمحامي المنتدب من المحكمة للدفاع عن متهم لا يستطيع توكيل محامٍ، متسائلًا عن الجهة التي تتحمل رسوم حضوره، وما إذا كانت الخزانة العامة ستتحملها أم المحامي أم المتهم.

ويؤكد أن حضور المحامي للجلسة الجنائية ليس خدمة تكميلية أو ترفيهية، وإنما ضمانة أساسية لحق الدفاع والمحاكمة المنصفة، خصوصًا في قضايا الجنايات وجلسات تجديد الحبس التي تتصل مباشرة بالحرية الشخصية.

ومن هنا يرى أن إخضاع هذا الحضور لمقابل مالي عن كل جلسة يثير إشكالًا حول جواز ربط ممارسة حق دستوري بشحن رصيد على منصة إلكترونية.

ويضيف أن قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 أجاز التحقيق والمحاكمة عن بُعد، وأكد حق المحامي في الحضور ومقابلة المتهم وممارسة الدفاع، لكن إجازة الوسيلة الإلكترونية لا تعني منح وزارة العدل تلقائيًا سلطة فرض رسوم عليها.

ويشدد أحمد محسن على أن العبرة ليست بتسمية المبلغ "مقابل خدمة"، وإنما بحقيقته ومدى إلزاميته. ويقول إن البنية الرقمية للعدالة جزء من التزام الدولة بإدارة مرفق القضاء، وليست مشروعًا تجاريًا.

وعلى هذا الأساس، يطالب بوقف تحصيل رسوم حضور جلسات التحقيق وتجديد الحبس والمحاكمة عن بُعد لحين حسم سندها القانوني، مع إتاحة التسجيل الأساسي والحضور والاطلاع الضروري على ملفات القضايا دون رسوم مستقلة. كما يطالب بنشر القرار المنظم لهذه المبالغ، وبيان أساس تحديدها، والجهة التي تؤول إليها حصيلتها.

وهنا ينتقل الجدل من مشروعية الرسوم إلى سؤال آخر لا يقل أهمية، يتعلق بمصير الأموال المحصلة منها والجهات التي تذهب إليها.

أين تذهب حصيلة رسوم التقاضي عن بعد؟

حتى الآن، لم تصدر وزارة العدل بيانًا رسميًا يوضح الآلية المحددة لتوزيع حصيلة رسوم منصة التقاضي الجنائي عن بُعد والجهات التي تؤول إليها تلك الأموال، لكن مصدرًا قضائيًا بوزارة العدل أوضح لـ"فكر تاني" أن الأموال تخضع للضوابط القانونية والمالية المنظمة للرسوم القضائية والخدمات الإلكترونية الحكومية في مصر، وأن هذه الأموال تندرج تحت عدد من المسارات الإدارية والمالية.

وتأتي في مقدمة هذه المسارات الخزانة العامة للدولة والحساب الموحد، وصناديق أجهزة أبنية المحاكم والتطوير، حيث يخصص جزء من التحصيلات والرسوم الخدمية للأنشطة الخاصة بصندوق أبنية المحاكم، إلى جانب دعم مشروعات الميكنة والتحول الرقمي.

وتشمل أوجه الإنفاق المرتبطة بذلك صيانة وتحديث الشبكات والخوادم الخاصة بمنظومة التقاضي عن بعد، فضلًا عن التعاقدات المالية والتكميلية مع شركات الحلول الرقمية والدفع الإلكتروني، ومنها شركات مثل "إي فاينانس" وغيرها من الشركات المشغلة للبنية التحتية للمنظومة.

أما التكاليف الخاصة بمقابل خدمات الرسائل والتنبيهات والاطلاع الرقمي، فتتجه إلى تغطية تكاليف التشغيل المباشرة وشبكات الربط بين المحاكم والسجون والجهات الشرطية، فيما يخصص جزء من الحصيلة كمكافآت وبدلات خاصة للقائمين على تشغيل المنظومة.

وبينما يقدم المصدر القضائي هذه المسارات لتفسير أوجه استخدام الحصيلة، تظل نقطة أصل فرض الرسوم نفسها محل النزاع أمام القضاء، خصوصًا أن الطعن لا يقف عند حدود قيمتها أو أوجه إنفاقها.

وتدخل رسوم منظومة التقاضي الجنائي عن بعد بذلك أول اختبار قضائي لها أمام محكمة القضاء الإداري، في مواجهة قانونية لا تتعلق فقط بقيمة الرسوم المقررة، وإنما تمتد إلى أصل السلطة التي أصدرتها، ومدى وجود سند تشريعي يسمح بفرضها، وطبيعة الخدمات التي تحصل عليها الرسوم، وما إذا كانت تلك الخدمات اختيارية بالفعل أم أصبحت وسيلة ضرورية لمباشرة حقوق الدفاع والتقاضي.

وعند هذه النقطة تتركز القضية في سؤال واحد يلخص جوهر المواجهة القانونية، هل أصبح الحق الدستوري في الدفاع خاضعًا لشحن الرصيد وشراء الباقة؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة