104 نواب يعملون بالتطوير العقاري.. هل تنتهي أزمات الحاجزين؟

مع تدخل الرئيس السيسي مرتين خلال شهر أغسطس الماضي لمنع تفاقم مشكلات القطاع العقاري من تأخير في المشروعات والإضرار بمصالح الحاجزين، وتحرك الحكومة لحصر المشروعات المتعثرةودراسة أوضاعها وضع دور مجلس النواب الحالي في أزمة خاصة وأن المجلس به عددا كبيرا من رؤساء شركات التطوير العقاري والمقاولين.

السيسي وجه مطلع الشهر الماضي بتشكيل لجنة تقوم بتفقّد المشاريع العقارية المختلفة ‎الجارية بمختلف المحافظات لحل أزماتها، قبل أن يعلن خلال كلمته في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف في 26 أغسطس الماضي، عن مراجعة شاملة من أجهزة الدولة المختلفة مع كل المطورين العقاريين لضمان وفائهم بالتزاماتهم تجاه المواطنين.

السيسي قال أيضًا إنه سيكون حادًا في ملف التزامات المواطنين فكل من أخذ أموالًا من الناس ملتزمًا بتنفيذ العقد في الوقت المحدد وسيتم اتخاذ إجراءات قانونية للحفاظ على حقوقهم، بجانب التأكيد على إنشاء البنية الأساسية والمرافق المرتبطة بهذه المشروعات.

لماذا الدولة تتدخل؟

تدخل الدولة لتنظيم في السوق العقاري مع التوجيه بسرعة الانتهاء من مشروع قانون الاتحاد المصري للمطورين العقاريين، وطرحه في البرلمان، في ظل مجلس النواب الحالي تحديدا يثير العديد من التساؤلات، بسبب تواجد كبير لرؤساء شركات تطوير عقاري ومقاولين في تشكيل هيئات مكاتب لجان المجلس، فهل يكونون جزءا من حل الأزمة أم وجودهم هو الأزمة؟

بحسب رصد لـ"فكر تاني"، اعتمدت على مراجعة جميع بيانات أعضاء مجلس النواب من بيانات تسجيل وظائفهم في المجلس أو حملات ترشيحهم، يزيد نسبة المطورين والمقاولين ومن يعملون بالمقاولات كمهنة إضافية بجانب مهنة أخرى، عن سُدس الأعضاء بما يعادل  17.4% من الإجمالي.

يبلغ عدد أعضاء مجلس النواب المرتبطين بصناعة العقار ومواد البناء بشكل مباشر 104 أعضاء من إجمالي نواب المجلس البالغ عددهم 596 عضوَا، ويشغلون 12 مقعدًا بهيئات مكاتب لجان المجلس ، بداية من لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير بمجلس النواب، ونهاية بالشباب والرياضة.

بعيداً عن لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير، التي تضم المطورين بطبيعة الحال، يرأس اللجنة الاقتصادية المهندس طارق شكري وهو مُطور عقاري كبير ، ويشغل أمين السر اللجنة ذاتها عيد منور موسى صاحب شركة عقارية أيضًا، وفي لجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة يوجد بهيئة المكتب محمد الجارحي  رئيس شركتي حديد وعقارات، وكذلك محمد أمين الدخميسي نائب رئيس مجلس إدارة شركة عقارية.

كما يرأس محمد السيد مجاهد صاحب شركة عقارات لجنة الشباب والرياضة بينما تضم لجنة الصناعة بهيئة مكتبها م. أحمد بهاء الدين العضو المنتدب لشركة هندسة ومقاولات، وم. محمد سيد جنيدي رئيس مجلس إدارة شركة مقاولات وتجارة أيضًا.

رغم وجود تلك الأسماء الكبيرة التي يتضمنها مجلس النواب من المطورين الكبار تعاني السوق العقارية المصرية من تحديات كبيرة على المستوي الرقابي، ولم تستطع تلك الكوكبة الكبيرة حتى الآن تمرير قانون اتحاد المطورين الذي لم يغادر مرحلة المناقشة والدراسة والمسودات منذ عام 2021 أي قبل 5 سنوات كاملة،  بل الأغرب أن طلبات الإحاطة المُهمة المشتبكة مع  أزمات المواطن بخصوص القطاع جاءت في أغلب الأحوال من أعضاء لا يرتبطون بالعمل في العقارات.

تركيز على الاستثمار والشراكة

وأعلنت الحكومة عن إعداد قانون جديد لاتحاد المطورين العقاريين لتنظيم السوق والذي سيتم عرضه على مجلس النواب قبل انعقاد دورة الشهر المقبل لبدء مناقشته وإقراره.

المهندسة راندة المنشاوي، وزير الإسكان، قالت إن المحاور المقترحة للتدخل التشريعي والتنظيمي لضبط السوق،  تتضمن (قانون إنشاء الاتحاد المصري للمطورين العقاريين - قانون تنظيم نشاط التطوير العقاري - الرقم القومي العقاري الموحد - قانون تنظيم نشاط التسويق العقاري - تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر).

لكن مع صدور التوجيهات الرئاسية، عادت الوزارة لتتحدث عن أن أجهزة الدولة والشركات التابعة بدأت بالفعل فى تنفيذ المراجعة الشاملة لضمان وفاء المطورين بكامل التزاماتهم تجاه الحاجزين، وتفعيل النص القانونى الخاص بإلغاء التخصيص وسحب قطعة الأرض نهائيًا عند رصد المخالفات الجسيمة.

وفكرة اتحاد المطورين العقاريين جاءت لوضع نظام دقيق لتصنيف المطورين بناءً على الملاءة المالية، حجم الأعمال، والخبرة السابقة، ووضع قواعد واضحة لتقييم الأداء ومتابعة مواعيد تسليم المشروعات، وفض المنازعات العقارية بين الشركات والعملاء.

تتضمن تصنيفات للمطورين "أ" و"ب" و"ج" وفقا لمقاييس منها الخبرة السابقة والقدرة المالية للشركة وعدد المشروعات والالتزام مع العملاء، وبناء على ذلك التصنيف يتم منح الأراضي للمطورين لأن الأكثر خبرة يبكون قادر على تنفيذ المشروعات وتسليمها وفق الجداول الزمنية المتفق عليها.

هل يكفي التدخل التشريعي؟

الشهور الأخيرة ، أثبتت أن خبرة المطور واسمه ليس الكفيلين فقط لحدوث مشكلات فشركات كبيرة، ظهرت على السطح دفعة واحدة مع تأخيرات لسنوات عن التسليم، أو بنود غير مفهومة بالعقود تمنحها كل الامتيازات ولا تعطي العميل الفرصة في الشكوى أو التذمر من التلاعب في المساحات او مواعيد التسليم أو مستوى الجودة في التشطيبات.

في تقرير حصاد لجنة الإسكان بمجلس النواب للدور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الثالث، جاء الدور الرقابي من نواب بعيدين عن العقار فطلب الإحاطة الأبرز  كان من نصيب النائب محمد عبد الله زين الدين، وكيل للجنة الاقتراحات والشكاوى بمجلس النواب، الذي طالب الحكومة بسرعة وضع آليات واضحة وحاسمة لتنظيم السوق العقاري لحماية حقوق المواطنين ومحاسبة المطورين العقاريين غير الجادين.

زين الدين قال إن السوق العقاري تشهد حالة من الفوضى وغياب الردع، في ظل تئلقي آلاف الشكاوى من مواطنين قاموا بسداد مدخرات عمرهم في وحدات سكنية لم يتم تسليمها حتى الآن رغم مرور 5 سنوات دون أي مبرر،  في ظل غياب أي عقوبات رادعة أو إجراءات حاسمة تُتخذ ضد الشركات المخالفة، ما يفتح المجال لتكرار الأزمات نفسها.

جدل حول العقود الموحدة

وأمام الانتقادات التي تم توجيهها لعقود الشركات العقارية ووصفها بأنها "عقود إذعان" طالبت الإسكان بعقود موحدة يتم تطبيقها على جميع الشركات العقارية دون استثناء، وهي قضية لطالما أثارت الجدل بين كبار المطورين الذين يشغلون حاليا مناصب بمجلس النواب.

طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس  النواب حينما كان وكيل للجنة الإسكان في الفصل التشريعي السابق، مؤكدًا أن فكرة اعتماد عقد عقاري موحد بنموذج ثابت لجميع المشروعات أمر يصعب تطبيقه عملياً أو تشريعياً، نظراً لاختلاف طبيعة المشروعات العقارية ومواقعها وإمكانيات المطورين من حالة إلى أخرى، معتبرًا أن البديل الأنجح هو العقد المتوازن الذي يتضمن محاور أساسية تضمن حقوق المطور والمشتري، على حد سواء.

في المقابل، يرى الدكتور أحمد شلبي، رئيس لجنة الإسكان بمجلس  النواب والرئيس التنفيذي لشركة تطوير مصر ورئيس مجلس العقار المصري، "مش لدرجة عقد موحد"، لكن يمكن الوصول لنص يحدد بيانات أساسية إلزامية في كل عقد على العميل والمطور).

ويرى شلبي ضرورة تنظيم السوق "دون تعريضه لهزات" خاصة مصر ثالث أكبر سوق إنشاءات بالمنطقة فلديها مشروعات تحت التنفيذ بقيمة 120 مليار دولار وخطط مستقبلية بـ 550 مليار دولار لكن نحتاج لإطار تنظيمي وإتاحة البيانات وتنظيم العلاقة بين أطراف المنظومة.

تركيز على الاستثمار أكثر من الرقابة

في تقرير حصاد لجنة الإسكان بمجلس النواب للدور الانعقاد الأول من الفصل التشريعي الثالث، كانت التوصيات منُصبة بشكل أساسي على مشاركة القطاع الخاص بالمشروعات التي ينفذها صندوق التنمية الحضرية، وإعادة النظر بالخطة الاستثمارية للهيئة العامة لتعاونيات البناء والإسكان، وإعادة النظر بخطة الهيئة العامة للتنمية السياحية الخاصة، بضم الأراضي بالمناطق السياحية بما يسمح بطرحها للاستثمار.

عاطف المغاوري عضو اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب الذي اشتبك مع قرار الحكومة بالسماح للأجانب بتملك أراضٍ وعقارات في مصر، أكد أن ذلك القرار  جاء بضغط من المستثمرين والمطورين العقاريين لحل مشكلة الكساد العقاري لأنهم بنوا وحدات بتكلفة كبيرة تفوق قدرة المواطن الشرائية فذهبوا إلى البحث عن مشتري أجنبي.

مغاوري، وهو رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، طالب بضرورة حل مشكلة المواطن المصري أولًا وبعدها يمكن الحديث عن عن تملك الأجانب للعقار، مستنكرًا: "دلوقتي بنشوف المواطن المصري علشان يدخل الكومباوندات بتأشيرة.. اللي يعوزه البيت يحرم على الجامع.. حِل مشكلة السكن الأول للمصريين بتوفير سكن مناسب للمواطنين".

الغريب أن عدد من أعضاء مجلس النواب من المطورين لديهم تأخير في مشروعاتهم يصل لـ 4 سنوات من المواعيد التي تنص عليها العقود، وسيشاركون حاليًا في صياغة حل يضمن حقوق العملاء داخل أروقة المجلس ما يجعلهم خصما وحكمًا بالوقت ذاته.

وتطرق المغاوري لنقطة الكساد العقاري تزامن مع قضية جدلية بين أنصار دخول القطاع العقاري بمصر في فقاعة وأغلبهم خبراء استثمار واقتصاد، وقطاع من المطورين  من الأسماء الثقيلة يرون أن السوق قوية ومتمامسكة بفعل النمو السكاني والطلب والفجوة المتراكمة منذ سنوات (الفجوة تنتج من نقص المعروض عن تلبية الطلب).

رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، يرى أن الطلب سيظل موجودًا على مدار الـ30 عامًا المقبلة"، مستندًا إلى النمو السكاني فهناك مليون زيجة كل عام، 200 ألف على الأقل منهم قادرون على الشراء ويحتاجون لوحدات سكنية، مما يخلق طلبًا سنويًا حقيقيًا بأكثر من 900 ألف وحدة سكنية.

بحسب تصريحات هشام طلعت، فإن السوق المصرية تحتاج 900 ألف وحدة سنويًا، لكن القادرين على شراء وحدات من الزيجات الجديدة ــ وفقًا لتصريحاته أيضًا ــ يعادلون حوالي 20% فقط، بينما النسبة المتبقية ستعتمد على الإيجار، وهي مشكلة أيضًا في ظل هيمنة عقود الإيجار الجديد التي لا تضمن حقوق المستأجرين، وتضع كل الشروط للمالك.

متوالية البناء وتسديد الأرض من جيب الزبون

في المقابل، يقول هاني توفيق ، رئيس مجلس الإدارة السابق للاتحاد العربي للاستثمار المباشر لـ"فكر تاني"  إن السوق المصرية تعاني من  Market Disequilibrium ، حيث العرض بمكان والطلب فى مكان آخر  يبُعد عنه آلاف السنين الضوئية، مضيفا أن مصر حاليًا تحتاج هيئة تنظم العلاقة بين المطورين والمشترين ، عن طريق حساب ضمان (إسكرو )، وبحيث لايتم صرف الشيكات إلا مقابل التنفيذ.

وحساب اسكرو هو حساب بنكي مؤقت يديره البنك لحماية أموال المشتري في صفقة شراء العقار، حتى يتم تنفيذ شروطها دون ضغط عليه، وفيه يتم ربط حصول المطور على التمويل بإنجازه الجزء المتفق عليه مع العميل فكلما أتم مرحلة كالحفر يحصل على جزء، وحينما يبدأ في وضع الأساسات يحصل على جزء آخر وهكذا.

يضيف توفيق أن دورة صناعة التطوير العقاري في مصر تبدأ بمطور يفتح باب الاكتتاب للمرحلة الاولى من المشروع بشيكات آجلة مسحوبة عليه لمالك الأرض ويقوم المطور بتوريق المؤسسات التمويلية التى تقوم بخصم شيكات العملاء المستقبلية ليحصل بها على نقدية يستكمل بها سداد أقساط ثمن الأرض، ويبدأ  أيضًا التنفيذ.

يقصد توفيق أن المطور في الأساس لا يملك الأرض ولكن اشتراها ويسدد ثمنها من مقدمات حجز المرحلة الأولى التي يدفعها العملاء ويكتبون شيكات بالمبالغ المتبقية وهي التي يمكن للمطور إعادة استخدامها بمنحها لطرف ثالث على أن يحصل منه على أموال فورية  بينما يتولى الطرف الثالث جمع الشيكات والحصول على الفوائد، وهي العملية التي يطلق عليها "التوريق".

أضاف أنه أثناء التنفيذ ترتفع تكلفة البناء فيفتح المطور باب الاكتتاب للمرحلة الثانية ليستكمل تنفيذ المرحلة الأولى، ثم الثالثة ليستكمل الثانية، وهكذا وينتهى الأمر بعملاء محبطين لعدم الاستلام او حتى البدء فى تنفيذ وحداتهم ، رغم صرف شيكاتهم الآجلة، وبنوك، أو شركات تأجير تمويلى او تخصيم ،معها شيكات من المشترين ، نصفها مشكوك فى تحصيله ، لدرجة ان بعض البنوك ، مثل بنك الاسكندرية ، قرر عدم التعامل مع القطاع العقارى مستقبلاً.

وطالب بربط صرف الشيكات الآجلة عند التعاقد، بل وفى صلب العقد ، بالاتمام الجزئى لتنفيذ الوحدة المتعاقد عليها.، واشتراط وضع الشيكات فى "اسكرو اكاونت" بالبنوك ، لايتم الصرف منه الا بموجب مستخلصات من المقاولين ، لضمان ربط السداد بالتنفيذ .

مع تحرك الدولة لحل أزمة الحاجزين وتأخر تسليم المشروعات سواء كان بحصر شركات المطورين العقاريين أو إقرار قانون اتحاد المطورين والعقد الموحد يقف 104 نواب من العاملين في البناء للحفاظ على مصالحهم.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة