حتى لا تكون الرحلة الأخيرة.. مبادرة حقوقية لإنقاذ عاملات الزراعة

في كل مرة تنقلب فيها سيارة نقل محملة بعاملات الزراعة على طريق ريفي، يبدأ سباق موازٍ لا يقل قسوة عن الحادث نفسه؛ سباق توزيع الاتهامات، إذ يتقاسم اللوم أولياء الأمور ومقاول الأنفار وأصحاب العمل، فيما تظل المسؤولية السياسية للدولة وحدها خارج دائرة الحساب.

تتكرر هذه المعادلة حادثًا بعد آخر، آخرها حادث عاملات مدينة الدواويس بالإسماعيلية الذي انتهى بوفاة 18 شخصًا منهم ستة أطفال، وقبله حادث نقل عاملات بالزراعة في محافظة الشرقية الذي أسفر عن إصابة 22 شخصًا، وكأن الطريق نفسه صار جزءًا من منظومة العمل الزراعي، بمخاطره ونتائجه المميتة.

وعلى أثر حوادث النقل غير الآمنة، التي غالبًا ما تنتهي بحالات وفاة وإصابات مضاعفة، عقدت مبادرة المرأة الريفية أمس مائدة حوار مستديرة تحت عنوان "نحو سياسات لحماية العاملات الزراعيات.. حق نقل آمن"، ضمت عددًا من القطاعات المختلفة التي تقع قضايا العاملات الزراعيات في بؤرة اهتماماتها، منهم قانونيون وباحثون في حقوق الإنسان وعاملون في المجتمع المدني وصحفيون ومتخصصون في الهندسة الزراعية.

قوانين الاعتراف الوهمي

استعرضت لمياء لطفي، مؤسسة مبادرة المرأة الريفية، في بداية الجلسة حجم العاملين في الزراعة باعتبارهم 20% من العمال في مصر، يشملون العمال في القطاع الحيواني والثروة السمكية، وهو ما يعني غياب أي بيانات عن العاملين في الزراعة خاصة الموسمية منها التي يحتل النساء والأطفال جزءًا كبيرًا منها.

وأشارت لمياء إلى قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 الذي تضمن إنشاء صندوق إعانات الطوارئ والخدمات الاجتماعية والصحية للعمالة غير المنتظمة، غير أنها استنكرت عدم وضع آليات لتنفيذ القانون، وهو ما يسمح باستمرار تدهور أوضاع العمالة غير المنتظمة، معللة ذلك بصدور القرار منذ مايو 2025، ومع ذلك استمرت حوادث العاملات في الزراعة، وغابت البيانات حول أعداد الضحايا في تلك الحوادث مع الاقتصار على وضعهم تحت مظلة حوادث الطرق، مشيرة إلى تجاهل حكومي لذلك النوع من الحوادث.

رحلة انتهاك خارج الأسفلت

وإذا كان الطريق يبدو المسرح الأخير للمأساة، فإن لمياء اختارت أن تسحب الحديث إلى ما قبله، فسوء أوضاع العاملات في الزراعة لا يقتصر على احتمالية التعرض للموت بدون مسؤول واضح بسبب غياب بياناتهن عن وزارة العمل أو حتى هيئة التأمينات الاجتماعية، وإنما هي رحلة معاناة تبدأ من احتمالية التعرض للتسمم من المواد الكيماوية التي تستخدم في الزراعات لمحاربة الآفات، مرورًا بإصابات المفاصل بسبب المجهود البدني بشكل خاطئ، وصولًا إلى إمكانية التعرض لبتر أحد الأطراف بسبب الإصابات العنيفة الواردة أثناء العمل.

وكأن هذا السرد فتح بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه، فتعالت الأصوات على طاولة الحوار في محاولة من أغلب الحاضرين للإشارة إلى غياب الإرشاد الزراعي، وتدخلت نجلاء مرشد، مديرة مؤسسة ميدان لحقوق الإنسان، لتوضح تخفيض عدد المهندسين الزراعيين، بعدما كانت كل جمعية زراعية تحتوي على 20 مهندسًا، أصبحت كل جمعيتين يشرف عليهما مهندس واحد.

وفي القرى، حيث تبدأ أغلب هذه الحكايات، تستكمل لمياء حديثها عن غياب الدولة، معتبرة أنها لا تكترث لأمر العاملين في الزراعة عمومًا وما ينتظرهم من خطر لدغات الحشرات السامة، مشيرة إلى غياب المصل اللازم في الوحدات الصحية التي تقع في القرى، واقتصاره على المستشفيات التي تقع في المراكز، وهو ما يستوجب وقتًا أطول لوصول المصاب ويخفض احتمالية إنقاذه.

وحتى حين يصل المصاب إلى المستشفى، لا تنتهي المخاطر، فالمصل قد يغيب هناك أيضًا، وتبرهن لمياء على حديثها قائلة "في مستشفى بلبيس العام، لم يكن هناك المصل غير بعد ما مات حالتين أو أكثر".

حيلة الهروب من التأمين

من قلب هذا الواقع وضعت مبادرة المرأة الريفية توصيتها في تحقيق السلامة المهنية لعاملات الزراعة، وتقول لمياء لطفي "نموذج التوصيات لدينا طموح وحالم بعض الشيء، فهو يفترض تحقق ذلك للرجال وبالتالي يطالب تحقيق عدالة للنساء، لكننا نعلم وجود الرجال في نفس الأزمة".

ولعل أول ما صطدمت به هذه التوصيات هو واقع أكثر تعقيدًا، فورقة التوصيات أكدت ضرورة إثبات علاقة العمل، بينما علق عدد من الحضور على افتقار الكثير من المؤسسات لتلك الخطوة، وتوجه المؤسسات للتعامل مع العمال بشكل عشوائي غير منظم، ومنهم شركات حكومية تتعامل بنفس المبدأ، وهو ما دفع أميمة عماد، الباحثة في مؤسسة المرأة الجديدة، إلى إعلان طلبها قائلة "على الأقل إذا أنت تابع للدولة، نفذ القانون".

ولم يكن القطاع الخاص بمنأى عن هذا النقد، إذ تضع آية عبد الحميد، الباحثة في حقوق الإنسان، يدها على أزمته "شركات الظهير الصحراوي بيقولوا احنا هنسيبهم يوصلوا الشغل بنفسهم ونخلي مسؤوليتنا"، معتبرة أن "السياسة الواضحة للقطاع الخاص الانسحاب من ساحات المسؤولية"، وهو ما يجعل الدولة المسؤول الأساسي عن تنظيم تلك العلاقات، وتقول "الدولة إذا افتقدت للإرادة، ستبقى الأزمة وتزيد أعداد الوفيات".

الموت البطل

تصف الصحفية فيولا فهمي مشهد الموت في حياة العاملين والعاملات في الزراعة وهم على الطريق بأنه "الماستر سين"، باعتباره المشهد الأخير الذي تتوجه إليه الأنظار، إما بالشفقة أو توزيع الاتهامات بالإهمال على أطراف عديدة جميعها في الدائرة الأقرب من الضحية.

وتطالب فيولا بتحميل المسؤولية لأصحابها "الدولة لازم تتحمل مسؤوليتها"، وتضع تفسيرًا لتجاهل الدولة لتلك الفئة "الدولة لا تهتم بالقطاعات التي تجتذب الفئات الفقيرة"، معللة بذلك عدم سعي الدولة لإحصاء الحالات، وقالت "الدولة عايزة تريح دماغها".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة