في ظهيرة الخامس من يوليو، كانت قرية نجع عزوز التابعة لمركز دشنا بمحافظة قنا تنتظر يومًا نمطيًا كسائر أيام الأسبوع، غير أن خلافًا بسيطًا نشب بين أسرتين بسبب لهو الأطفال، سرعان ما تطور إلى مشادة خرجت عن السيطرة وتحولت إلى مواجهة نسائية مسلحة أسفرت عن مقتل سيدتين وإصابة أخريين. وكان يمكن اعتبار ما جرى استثناءً مأساويًا، لولا أن المحافظة نفسها شهدت بعد أقل من أسبوع شجارًا آخر في قرية أولاد عمرو التابعة لمركز قنا، بدأ بمشادة كلامية بين عدد من السيدات، ولم يستغرق وقتًا طويلًا حتى تحول إلى اشتباك مفتوح خرج من حدود البيوت إلى الشارع، وتقاذفت فيه النساء الحجارة وسط حالة من الفوضى والهلع بين الأهالي.
وقد تبدو واقعة أولاد عمرو أقل دموية من دشنا، لكنها لا تقل دلالة، فخلال أقل من أسبوع شهدت محافظة واحدة مشهدين مختلفين للعنف، ففي الأول حملت أم السلاح بعد سقوط ابنتها قتيلة، وفي الثاني تحولت مشادة بين سيدات إلى معركة بالحجارة انتهت بإصابات طالت الأطفال أيضًا. وهو ما يطرح سؤالًا يتجاوز الحادثتين معًا، هل نحن أمام وقائع منفصلة فرضتها ظروفها الخاصة، أم أن المجتمع الذي عاش طويلًا داخل دوائر الخصومة والعنف بدأ يُنتج أشكالًا جديدة من السلوك لم تعد النساء فيها مجرد متفرجات أو ضحايا؟
ليست واقعة دشنا الأولى التي تجد فيها امرأة نفسها في قلب دائرة الثأر، فمن بين أكثر الحكايات تداولًا في الصعيد قصة امرأة تُدعى ليلى من محافظة قنا، فقدت 3 من أشقائها في خصومة ثأرية وهم لا يزالون صغارًا، فأقسمت على الانتقام. حلقت شعرها، وارتدت الجلباب الصعيدي الخاص بالرجال، وتعلمت استخدام السلاح الآلي، ثم اختفت سنوات عن الأنظار، متنقلة بين الكهوف وزراعات القصب، تراقب خصوم عائلتها وتنتظر اللحظة المناسبة للانتقام. وعندما علمت أن عددًا منهم يستقلون سيارة ميكروباص متجهين لتقديم واجب عزاء في إحدى القرى، اعترضت طريقهم، وطلبت من السائق النزول لأنه غريب عن العائلة المستهدفة، ثم أطلقت وابلًا من الرصاص أودى بحياة 12 شخصًا، في واحدة من أشهر وقائع الثأر التي ارتبطت باسم امرأة في صعيد مصر.
ورغم أن تفاصيل القصة تختلف من رواية إلى أخرى، بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية، نموذجًا لكيف يمكن أن تمتد دائرة الثأر حتى تدفع بعض النساء إلى حمل السلاح بأنفسهن.
احتقان اجتماعي متصاعد
لا ترى الدكتورة هبة عبد المعز، أستاذة الإعلام بجامعة جنوب الوادي في محافظة قنا، أن واقعة دشنا يمكن فصلها عن سياق أوسع من تصاعد العنف داخل المجتمع، وتقول إنها لم تشعر بالصدمة عند سماع الخبر، لأن ما جرى من وجهة نظرها يأتي امتدادًا لحالة من الاحتقان النفسي والاجتماعي، انعكست خلال السنوات الأخيرة في أشكال مختلفة من العنف، سواء داخل الأسرة أو في الشارع أو حتى في العلاقات اليومية بين الناس.
وتربط هبة في حديثها مع "فكر تاني" بين الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة وفقدان القدرة على ضبط الانفعال، موضحةً أن كثيرًا من ردود الأفعال أصبحت لا تتناسب مع حجم المواقف التي تثيرها.
وتضيف قائلةً "أصبحنا نرى خلافات بسيطة تنتهي بعنف شديد، وكأن المجتمع كله يعيش داخل بوتقة تغلي، تنتظر أي احتكاك حتى تنفجر. الناس لم تعد تراجع نفسها أو تُحكم العقل، وإنما تتصرف تحت ضغط هائل يدفعها إلى إيذاء نفسها أو إيذاء الآخرين".
وتستشهد أستاذة الإعلام بوقائع شهدتها محافظة قنا خلال الفترة الأخيرة، من بينها حادثة في قرية دندرة، ألقت فيها أم بنفسها في النيل بصحبة طفليها تحت وطأة ضغوط نفسية وأسرية، إلى جانب وقائع انتقام لحظية، وحوادث دهس متعمدة، ومشاجرات تتحول في دقائق إلى جرائم قتل. وترى أن القاسم المشترك بين هذه الوقائع أن "الدافع قد يكون بسيطًا، لكن رد الفعل أصبح عنيفًا بصورة غير مسبوقة"، معتبرةً أن المجتمع أصبح في حاجة إلى مراجعة أسباب هذا الاحتقان قبل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه.
تحول دور المرأة أمام القانون
يرى طارق صلاح، المحامي بالنقض وأحد أبناء محافظة قنا، أن مشاركة النساء في بعض جرائم الثأر لم تعد تقتصر على كونهن ضحايا للنزاعات أو متأثرات بها، وإنما تطورت في بعض الحالات إلى المشاركة المباشرة في التحريض أو التنفيذ. ويقول إن القضايا التي تعامل معها خلال السنوات الأخيرة أظهرت تغيرًا ملحوظًا في هذا الدور، فالنساء أصبحن في بعض الوقائع أكثر إصرارًا على الأخذ بالثأر، وأكثر ضغطًا على الرجال للإسراع بتنفيذه.
ويضيف صلاح في حديثه مع "فكر تاني" أن المرأة كانت تاريخيًا الأكثر تضررًا من جرائم الثأر، تدفع ثمنها بفقدان الزوج أو الابن أو الأخ، غير أن بعض الوقائع الأخيرة كشفت عن تحول في هذا الدور، لتصبح في أحيانٍ معينة شريكًا في الجريمة، بالتحريض أو بالمشاركة المباشرة في تنفيذها، وهو ما يعد تغيرًا لافتًا مقارنة بما كان سائدًا في المجتمع الصعيدي.
وعن واقعة دشنا، يوضح صلاح أن القانون لا ينظر إليها باعتبارها جريمة ثأر بالمعنى التقليدي، وإنما يفصل بين الجريمة التي تُرتكب نتيجة سبق الإصرار والترصد، والجريمة التي تقع تحت تأثير الانفعال اللحظي. ويعتمد تقدير المحكمة على ظروف الواقعة، وعلى ما إذا كانت نية القتل قد تكونت قبل ارتكاب الفعل بوقت يسمح بالتخطيط، أم أن القرار اتُخذ بصورة مفاجئة تحت تأثير الغضب، وهو ما ينعكس على الوصف القانوني للجريمة.
ويلفت إلى أن جرائم الثأر في الصعيد، على خطورتها، كانت تحكمها عبر سنوات طويلة أعراف وقواعد غير مكتوبة، تحدد أطراف الخصومة، وتفرض قيودًا على استهداف بعض الفئات، ومن بينها النساء والأطفال. لكن بعض الوقائع الأخيرة توحي بأن هذه القواعد لم تعد تحظى بالالتزام نفسه، وأن نمطًا جديدًا من الانتقام اللحظي بدأ يفرض نفسه بعيدًا عن الأعراف التقليدية التي كانت تضبط مسار الخصومات.
ويرى صلاح أن هذا التحول لا يمكن فصله عن التغيرات التي شهدها المجتمع خلال السنوات الأخيرة، فوسائل التكنولوجيا الحديثة وسرعة تداول الوقائع عبر السوشيال ميديا أسهمت في زيادة حدة التوتر والانفعال، وأصبحت الرغبة في الانتقام أكثر سرعة وأقل خضوعًا للأعراف التي كانت تفرض التروي أو انتظار الحلول العرفية، وهو ما انعكس على طبيعة الجرائم التي يشهدها المجتمع الصعيدي.
ثقافة حمل السلاح
وفي هذا السياق، يقول الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، في حديثه مع "فكر تاني"، إن "ثقافة حمل السلاح في الصعيد موجودة منذ فترات طويلة، وواقعة دشنا لم تكن المرة الأولى التي تحمل فيها النساء في الصعيد السلاح، ففي بعض الحالات النساء هن من يحملن السلاح ويأخذن بالثأر، والمشكلة الرئيسية لتكرر تلك الحوادث هي وجود سلاح في المنازل، لذلك يجب نزع السلاح بشكل كامل لتجنب تكرر تلك الحوادث".
ويضيف أن عدم رغبة الحكومة في الاشتباك مع عائلات الصعيد، وتفضيلها التعايش مع تلك العادات، يزيد من انتشارها. وقد أصبحت النساء طرفًا مباشرًا في استخدام السلاح، فأي إنسان لديه استعداد لارتكاب جريمة سيقوم بها، ولا فرق بين رجل وامرأة، وحتى بدون السلاح نسمع كثيرًا عن الشجار بين الأمهات في الشوارع واعتدائهن بالضرب والسب، فهذا الاعتداء يحدث بأشكال مختلفة حتى دون سلاح.
ويوضح أن هذه الحادثة لا تعكس تغيرًا في الأدوار الاجتماعية للمرأة، لأن أكثر محرض على أخذ الثأر في الصعيد هي المرأة، فقد يأبى رجال في الصعيد الثأر، فتضغط عليهم النساء من خلال فعل بعض التصرفات الذكورية، كحلق الشعر، وهي تشير إلى أنها هي من ستقوم بعمل الرجال وتأخذ بالثأر، لأن منطقة الصعيد منتشرة فيها ثقافة الثأر وحمل السلاح.
ويؤكد أن القواعد الاجتماعية غير المكتوبة التي كانت تُبقي النساء بعيدًا عن دائرة الثأر لم تتراجع، وإنما تخضع لوجود رجال يأخذون الثأر من عدمه، فإذا لم يوجد رجال، تقوم النساء اللواتي تدربن على حمل السلاح بأخذ الثأر. وتشبه منطقة الصعيد في الثقافة منطقة صقلية في إيطاليا، فكلاهما لديه ثقافة الثأر وحمل السلاح، والقبائل دائمًا تحمل سلاحًا، كالقبائل المتواجدة على الحدود المصرية تجاه ليبيا أو سيناء.
ويلفت إلى أن مشاركة النساء في العنف لا تعني تراجعًا في سلطة العائلة والقيادات العرفية، فالمشكلة الرئيسية في وقوع تلك الحادثة وغيرها من حوادث مشابهة في الصعيد تعود إلى الثقافة. ففي الماضي كانت مشاركة المرأة في العنف أقل بسبب وجود الرجال، وإذا لم يوجد رجال، تقوم المرأة بأخذ الثأر والمشاركة في العنف.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن انتشار السلاح والسوشيال ميديا والضغوط الاقتصادية لعب دورًا في تحويل الخلافات اليومية إلى مواجهات دامية يشارك فيها الجميع، رجالًا ونساء، بسبب تباطؤ استجابة الأمن واتخاذ الإجراءات اللازمة للحماية. ويجب أن يلي بلاغ أي شخص عن تهديد يتعرض له، أو أي مظهر من مظاهر العنف، تحرك من قِبل الحكومة، للحد من تأثير تلك الحوادث، ومفتاح حلها في منطقة الصعيد هو نزع السلاح بشكل كامل.
الانفعال اللحظي والثأر التقليدي
ترى بسمة سليم، أخصائية علم النفس الإكلينيكي، أن تفسير هذه الوقائع لا يمكن أن يقتصر على كون الجاني رجلًا أو امرأة، أو على الضغوط وحدها، فلحظات الانفعال الحاد قد تدفع أي إنسان إلى فقدان القدرة على تقدير العواقب، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن الضغوط لا تفسر وحدها ارتكاب الجريمة.
وترفض بسمة سليم في حديثها مع "فكر تاني" تفسير ما جرى في دشنا باعتباره مرتبطًا بجنس الجاني، فاتخاذ قرار عنيف في لحظة انفعال لا يختلف نفسيًا بين رجل وامرأة، والإنسان تحت تأثير الغضب الشديد يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته على تقدير العواقب، ويصبح أكثر اندفاعًا في الاستجابة للموقف.
وتوضح أن ما حدث في الواقعة يعكس حالة من الاندفاع اللحظي أكثر من كونه سلوكًا جرى التخطيط له مسبقًا، فالانفعال الحاد، خاصة إذا صاحبه شعور بالفقد أو الصدمة، قد يدفع الشخص إلى اتخاذ قرارات لا يتخذها في ظروفه الطبيعية. لكن الانفعال وحده لا يكفي لتفسير الجريمة، فـ"كل البشر يتعرضون لمواقف غضب وضغوط نفسية، لكن ليس كل من يغضب يحمل سلاحًا أو يرتكب جريمة قتل".
وترى أن وجود السلاح في متناول اليد لعب دورًا حاسمًا في تصعيد الموقف، إذ وفر وسيلة مباشرة لتفريغ الغضب وتحويله إلى فعل قاتل. وتقول إن كثيرًا من حالات الانفعال تنتهي بالصراخ أو الاشتباك بالأيدي، لكن عندما تكون أداة العنف متاحة، تصبح احتمالات تحول الانفعال إلى جريمة أكبر، لأن وسيلة التنفيذ أصبحت حاضرة في اللحظة نفسها.
وتفرق سليم بين الانتقام اللحظي والثأر التقليدي، فلكل منهما دوافع وآليات مختلفة. الانتقام الفوري، كما في واقعة دشنا، يولد من لحظة انفعال شديدة تدفع صاحبها إلى التصرف دون تفكير كافٍ في النتائج، بينما تخضع جرائم الثأر التقليدية في الصعيد، مهما اختلفنا معها، لمنظومة من الأعراف والعادات والترتيبات المسبقة، ويكون فيها الفعل نتاج قرار مؤجل وليس رد فعل آني.
ورغم إقرارها بأن المجتمع يمر بمستويات مرتفعة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، تحذر من اختزال الجريمة في هذه الضغوط وحدها، فهي قد تزيد احتمالية الانفعال، لكنها لا تصنع القاتل بمفردها. وتشير إلى عوامل أخرى تتعلق ببنية الشخصية نفسها، مثل ضعف القدرة على التحكم في الانفعالات، وارتفاع مستوى الاندفاع، والعجز عن تقدير عواقب السلوك، وهي عوامل تختلف من شخص لآخر.
وتضيف أن البيئة الاجتماعية قد تلعب دورًا في تقوية هذا النمط من السلوك، خاصة عندما يعيش الفرد في محيط يرى فيه العنف وسيلة معتادة لحل النزاعات أو استرداد الحقوق. فالعنف بحسب كثير من الدراسات النفسية سلوك مكتسب، يتعلمه الإنسان من أسرته، ومن محيطه الاجتماعي، ومن النماذج التي يشاهدها بصورة متكررة، سواء في الواقع أو عبر وسائل الإعلام والأعمال الدرامية والسوشيال ميديا، حيث تصبح مشاهد العنف أكثر اعتيادًا وأقل إثارة للرفض مع تكرار التعرض لها.
ومع ذلك، تشدد سليم على أن تفسير السلوك لا يعني تبريره، ففهم العوامل النفسية والاجتماعية التي تقف وراء الجريمة لا ينتقص من مسؤولية مرتكبها. تقول إن الجاني يظل مسؤولًا عن فعله، وإن تطبيق القانون بصورة حاسمة يمثل أحد أهم وسائل الردع المجتمعي، لأن غياب المحاسبة قد يرسخ لدى البعض فكرة أن العنف وسيلة مقبولة للحصول على الحقوق أو الانتقام.
وتختتم حديثها بالتأكيد على أن كسر دائرة العنف لا يكون بعنف مضاد، وإنما بترسيخ ثقة الأفراد في مؤسسات العدالة، ونشر ثقافة اللجوء إلى القانون بدلًا من الانتقام الشخصي، إلى جانب رفع الوعي بمهارات إدارة الغضب وحل النزاعات، حتى لا تتحول لحظة انفعال عابرة إلى جريمة تغير حياة أسر كاملة إلى الأبد.
ما تقوله الدراسات والتقارير الدولية
يؤكد تقرير "وجه مألوف" الصادر عن اليونيسف أن التعرض المتكرر للعنف داخل الأسرة أو المجتمع لا يمر دون أثر، وإنما يسهم في جعل العنف سلوكًا مألوفًا في نظر الأطفال والمراهقين، بما يزيد احتمالات إعادة إنتاجه لاحقًا داخل المجتمع.
ويرصد التقرير كيف ينتقل العنف عبر البيئات القريبة من الإنسان، في المنزل والمدرسة والمجتمع المحلي، حتى يصبح استخدام القوة في حل النزاعات أمرًا اعتياديًا لدى بعض الأفراد. وتنسجم هذه النتائج مع ما أشار إليه خبراء علم النفس في هذا التحقيق، من أن العنف ليس سلوكًا فطريًا، وإنما يتشكل ويتعزز داخل بيئة تسمح باستمراره وتكراره.
وترى منظمة الصحة العالمية أن العنف لا ينشأ بسبب عامل واحد، وإنما هو نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الفردية والأسرية والمجتمعية، مثل الضغوط الاقتصادية، والتعرض المتكرر للعنف، وضعف آليات حل النزاعات، وسهولة الوصول إلى وسائل العنف. وتشدد المنظمة على أن الوقاية لا تتحقق عبر العقوبات وحدها، وإنما من خلال بناء بيئة مجتمعية تقلل فرص اللجوء إلى العنف، وتعزز الثقة في مؤسسات العدالة وآليات حل النزاعات، قبل أن تتحول الخلافات اليومية إلى جرائم. وتبدو هذه المقاربة حاضرة في وقائع قنا الأخيرة، حيث بدأت الخصومات بخلافات محدودة، قبل أن تتصاعد سريعًا إلى مستويات غير مسبوقة من العنف.
وتخلص مراجعة الأدلة التي أعدتها اليونيسف لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أن السلوك العنيف يرتبط بمجموعة متشابكة من العوامل، تشمل الضغوط الأسرية، والأعراف الاجتماعية، والفقر، وضعف الحماية القانونية، إلى جانب غياب بدائل فعالة لإدارة النزاعات. وتشير المراجعة إلى أن كسر دائرة العنف لا يتحقق فقط عبر الردع القانوني، وإنما يتطلب أيضًا تغييرًا في الثقافة المجتمعية، ودعم الأسر، وتوفير خدمات الصحة النفسية، وتعزيز آليات الوساطة والتسوية السلمية للخلافات. وهي توصيات تبدو وثيقة الصلة بالأسئلة التي تثيرها وقائع العنف الأخيرة في قنا، والتي تكشف أن معالجة النتائج وحدها لا تكفي ما لم تُعالج الأسباب التي تدفع بعض الأفراد إلى اعتبار العنف وسيلة لحسم النزاعات.
وفي دراسة علمية بعنوان "دور المرأة في تعزيز الأخذ بالثأر في ممارسات الحياة اليومية"، أعدتها الباحثة أميرة رمضان محروس إبراهيم، ونشرتها المجلة المصرية للعلوم الاجتماعية والسلوكية عام 2023، حاولت الباحثة فهم الكيفية التي قد تسهم بها بعض النساء المنتميات إلى عائلات تعيش خصومات ثأرية في استمرار ثقافة الثأر داخل الحياة اليومية. واعتمدت الدراسة على منهج أنثروبولوجي، من خلال مقابلات متعمقة مع 15 سيدة من عائلات لديها خصومات ثأرية في صعيد مصر، وخلصت إلى أن بعض المشاركات، وخاصة وليات الدم، يقمن بأدوار تدعم استمرار ثقافة الثأر بوسائل غير مباشرة، مثل رفض الاحتفال بالأعياد أو حفلات الزفاف قبل الأخذ بالثأر، واستخدام الأمثال الشعبية والتذكير المستمر بحق القتيل لحث رجال العائلة على الانتقام. وتؤكد الدراسة في الوقت نفسه أن تنفيذ أعمال الثأر يرتبط غالبًا بالرجال، بينما يتمثل دور بعض النساء، وفقًا لعينة الدراسة، في تعزيز ثقافة الثأر داخل الحياة اليومية، وليس تنفيذ أعمال القتل بأنفسهن.
وبين هذا الدور غير المباشر الذي رصدته دراسة أميرة رمضان، ورصاصات ليلى التي أطلقتها بيدها قبل عقود، تبدو مسافة واسعة تفصل بين الحض على الثأر وتنفيذه، وهي المسافة نفسها التي بدت أضيق مما كانت عليه في نجع عزوز يوم الخامس من يوليو. فالسيدتان اللتان سقطتا قتيلتين لم تكونا طرفًا في خصومة ممتدة عبر أجيال، ولا ورثتا عداءً مؤجلًا ينتظر تنفيذه، وإنما وجدتا نفسيهما في مواجهة مسلحة ولّدها شجار عابر بين أطفال. وربما يكمن الفارق الحقيقي هنا، فحين يتحول لهو الأطفال إلى مبرر كافٍ لحمل السلاح، لا تعود المسألة متعلقة بمن يُحرّض ومن يُنفّذ، بل بمدى قدرة مجتمع بأكمله على احتواء خلافاته اليومية قبل أن يتحول أي احتكاك عابر إلى مأساة لا رجعة فيها.