تُعد فئة العمال المهنيين قلب الطبقة الوسطى التي تمثل العمود الفقري لأي مجتمع، وتواجه الطبقة الوسطى في مصر أزمة مستمرة مع استمرار حدة الأزمة الاقتصادية نتيجة سياسات الإصلاح الاقتصادي المتتالية والمتسارعة، التي اقتطعت من مكتسباتها التي حققتها عبر عقود طويلة.
ومع تزايد نسبة الفقر حتى وصلت إلى مستويات عالية بلغت في آخر دراسة ما يقرب من 34%، ما يعني أنه حدثت إزاحة لملايين من تلك الطبقة الوسطى إلى أعتاب الطبقات الفقيرة، وبرغم أنه حدثت زيادات متتالية أيضا لـلحد الأدنى للأجور، كان آخرها في فبراير 2025، حيث بلغ الحد الأدنى للأجور 7000 جنيه، وهو ما يعادل نحو 269.2 جنيه يوميًا على أساس 26 يوم عمل شهريًا، فإن ذلك لم يوقف عملية الإزاحة وتراجع الملايين إلى الطبقة الأدنى. ولم يكن من الغريب أن يتواكب مع ذلك تصاعد الاحتجاجات العمالية، التي كانت للعمالة المهنية النصيب الأكبر منها في الأوان الأخير، كـاحتجاجات موظفي شركة المياه والشرب ومحصلي شركة الكهرباء، إضافة إلى العاملات بوزارة الزراعة اللاتي لم يتقاضين أجورهن لمدة قاربت 5 سنوات، وهو ما يضع الحكومة في مأزق كونها المعلنة للحد الأدنى، والمنوط بها تنفيذه والرقابة عليه ومجازاة غير الملتزم به، وفي الوقت ذاته هي غير ملتزمة به بوصفها صاحبة عمل.
وقد انعكس كل ما سبق على البيانات والمؤشرات، سواء الدولية أو المحلية. فقد جاءت مصر ضمن أسوأ 10 دول في مؤشر الحريات النقابية الصادر عن الاتحاد الدولي للنقابات للسنة الثانية على التوالي، ثم جاءت بيانات الحكومة نفسها في تقرير النشرة المعلوماتية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لتكشف عن وجود فجوة واضحة بين متوسطات الأجور الفعلية في معظم الأنشطة الاقتصادية.
وتوضح بيانات متوسط الأجور اليومية وفقًا للنشاط الاقتصادي خلال الربع الرابع من عام 2025 أن هيكل الأجور في مصر يتسم بتفاوتات واسعة بين القطاعات المختلفة، فمن بين 20 نشاطًا اقتصاديًا رصدتها النشرة، لم يتمكن سوى 5 أنشطة فقط من تجاوز الحد الأدنى للأجور، بينما ظلت 15 نشاطا، تمثل 75% من إجمالي الأنشطة الاقتصادية، دون هذا المستوى.
ويُبين الجدول التالي توزيع الأنشطة الاقتصادية وفقًا لمتوسط الأجر اليومي والأجر الشهري، المحسوب على أساس 26 يوم عمل، ومقدار الزيادة أو العجز مقارنة بالحد الأدنى للأجور البالغ 7000 جنيه شهريًا.
| الترتيب | النشاط الاقتصادي | الاجر اليومي (جنيه) | الاجر الشهري(26 يوما) | الفرق عن 7000 جنيه | الوضع |
| 1 | المنظمات والهيئات الدولية | 400.0 | 10400 | +3400 | ملتزم |
| 2 | الوساطة المالية والتأمين | 296.0 | 7696 | +696 | ملتزم |
| 3 | التعدين واستغلال المحاجر | 286.0 | 7436 | +436 | ملتزم |
| 4 | المعلومات والاتصالات | 282.4 | 7342 | +342 | ملتزم |
| 5 | الكهرباء والغاز والبخار | 269.5 | 7007 | +7 | ملتزم |
| 6 | التشييد والبناء | 264.7 | 6882 | -118 | غير ملتزم |
| 7 | الادارة العامة والدفاع | 256.5 | 6669 | -331 | غير ملتزم |
| 8 | الانشطة العلمية والفنية والتقنية | 249.0 | 6474 | -526 | غير ملتزم |
| 9 | الصناعات التحويلية | 226.3 | 5884 | -1116 | غير ملتزم |
| 10 | الاقامة وخدمات الطعام | 223.4 | 5808 | -1192 | غير ملتزم |
| 11 | التعليم | 216.8 | 5637 | -1363 | غير ملتزم |
| 12 | الانشطة الادارية وخدمات الدعم | 216.6 | 5632 | -1368 | غير ملتزم |
| 13 | الزراعة والغابات وصيد الاسماك | 212.0 | 5512 | -1488 | غير ملتزم |
| 14 | الانشطة الفنية والترفيهية | 204.8 | 5325 | -1675 | غير ملتزم |
| 15 | الصحة والعمل الاجتماعي | 202.4 | 5262 | -1738 | غير ملتزم |
| 16 | تجارة الجملة والتجزئة | 199.3 | 5182 | -1818 | غير ملتزم |
| 17 | انشطة الخدمات الاخرى | 193.8 | 5039 | -1961 | غير ملتزم |
| 18 | خدمات الافراد العاملين بالمنازل | 175.9 | 4573 | -2427 | غير ملتزم |
وتشير هذه الخريطة إلى أن قضية الأجور في مصر لا تقتصر على وجود تفاوت بين القطاعات الاقتصادية، وإنما ترتبط أيضًا بطبيعة توزيع الدخول بين المهن والأنشطة المختلفة، ويظهر ذلك بوضوح عند تحليل أوضاع المهنيين والعاملين في قطاعات التعليم والصحة والأنشطة العلمية والفنية، وهي القطاعات التي يفترض أن تمثل القاعدة الرئيسية للطبقة الوسطى المهنية في المجتمع.
ماذا تكشف بيانات الأجور عن أوضاع المهنيين في مصر
تكشف بيانات النشرة المعلوماتية أن مشكلة الأجور في مصر لا تتركز فقط في القطاعات التقليدية منخفضة المهارة أو العمالة غير المنتظمة، وإنما تمتد بصورة واضحة إلى قطاعات تعتمد أساسًا على العمالة المهنية والمتخصصة، ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن هذه القطاعات تضم فئات مثل المعلمين والأطباء والصيادلة والمهندسين والفنيين والمتخصصين والاستشاريين والعاملين في الخدمات الثقافية والعلمية، وهي الفئات التي ارتبطت تاريخيًا بمفهوم الطبقة الوسطى المهنية.
التعليم مهنة أساسية بأجر أقل من الحد الأدنى
أظهرت بيانات النشرة الإحصائية أن متوسط الأجر اليومي للعاملين في قطاع التعليم بلغ 216.8 جنيه يوميًا خلال الربع الرابع من عام 2025، وهو ما يعادل نحو 5637 جنيها شهريًا على أساس 26 يوم عمل.
ويعني ذلك أن متوسط الأجر في القطاع يقل عن الحد الأدنى للأجور بمقدار 1363 جنيها شهريًا، أي بنسبة عجز تبلغ نحو 19.5%. ويكتسب هذا الرقم أهمية خاصة بالنظر إلى أن قطاع التعليم يعتمد بصورة رئيسية على المعلمين والمدرسين والأخصائيين والإداريين والعاملين في المؤسسات التعليمية، كما أن هذا القطاع يمثل أحد أهم القطاعات المسؤولة عن تكوين وتنمية رأس المال البشري، وهو ما يطرح تساؤلات حول العلاقة بين مستويات الأجور من ناحية وجودة العملية التعليمية والاحتفاظ بالكوادر البشرية من ناحية أخرى.
الصحة وفجوة بالأجور تتجاوز ربع الحد الأدنى
سجل قطاع الصحة والعمل الاجتماعي متوسط أجر يومي بلغ 202.4 جنيه، أي ما يعادل 5262 جنيها شهريًا، وهو ما يقل عن الحد الأدنى للأجور بمقدار 1738 جنيهًا شهريًا وبنسبة عجز تصل إلى نحو 24.8%.
ويضم هذا القطاع طيفًا واسعًا من المهن الصحية والمساندة، بما في ذلك الأطباء وهيئات التمريض والفنيين والعاملين في الخدمات الصحية والاجتماعية، وتشير هذه البيانات إلى أن متوسط الأجور في القطاع الصحي يظل بعيدًا عن المستوى الذي حددته الدولة كحد أدنى للأجور، رغم الطبيعة التخصصية للمهن التي يضمها القطاع ورغم التوسع الذي شهده القطاع الصحي خلال السنوات الأخيرة، سواء من جانب الدولة أو القطاع الخاص.
الأنشطة العلمية والمهارات المتخصصة لا تضمن الحد الأدنى
بلغ متوسط الأجر اليومي في قطاع الأنشطة العلمية والفنية والتقنية 249 جنيهًا، وهو ما يعادل 6474 جنيهًا شهريًا، أي أقل من الحد الأدنى للأجور بنحو 526 جنيهًا.
ويعد هذا القطاع من أكثر القطاعات ارتباطًا بالعمل المهني والتخصصي، حيث يضم العديد من المهن المرتبطة بالهندسة والاستشارات والخدمات الفنية والتخصصية والأنشطة العلمية المختلفة، وتكشف هذه البيانات أيضًا أن الحصول على مؤهلات مهنية أو تخصصية لا يعني بالضرورة الوصول إلى مستوى أجر يتجاوز الحد الأدنى الرسمي للأجور.
انخفاض الأجور في القطاع الثقافي
بلغ متوسط الأجر اليومي في قطاع الأنشطة الفنية والإبداعية والترفيهية 204.8 جنيه. بما يعادل 5325 جنيها شهريًا، وهو ما يقل عن الحد الأدنى للأجور بمقدار 1675 جنيهًا، وبنسبة عجز تقترب من 24%.
وتشير هذه البيانات إلى أن الأنشطة المرتبطة بالإنتاج الثقافي والفني والترفيهي لا تزال تعمل عند مستويات أجور منخفضة، على الرغم من احتياجها إلى مهارات وخبرات متخصصة، وهو ما يعكس محدودية العائد الاقتصادي الذي تحققه قطاعات الاقتصاد الثقافي بالنسبة للعاملين بها.

القطاع الحكومي نفسه دون الحد الأدنى
تكشف البيانات كذلك أن متوسط الأجر اليومي في قطاع الإدارة العامة والدفاع والضمان الاجتماعي بلغ 256.5 جنيهًا، وهو ما يعادل 6669 جنيهًا شهريًا، أي أقل من الحد الأدنى للأجور بمقدار 331 جنيهًا. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن أحد القطاعات المرتبطة مباشرة بالدولة ومؤسساتها يعمل بمتوسط أجر يقل عن الحد الأدنى الرسمي، وهو ما يعكس أزمة الحكومة كصاحب عمل منوط به تنفيذ قرار الحد الأدنى ورقابته.
وتوضح هذه المؤشرات مجتمعة أن قضية الأجور في مصر لا تقتصر على القطاعات الهامشية أو العمالة غير الرسمية، وإنما تمتد إلى قطاعات تضم أعدادًا كبيرة من المهنيين والمتخصصين، الأمر الذي يجعل تحليل أوضاع القطاعات كثيفة التشغيل مثل الصناعة والزراعة والتجارة ضروريًا لفهم الصورة الكاملة لسوق العمل المصري.
هل ما زالت المهنة تحدد مستوى الدخل في مصر
ارتبطت المهن التخصصية والوظائف المهنية في مصر لعقود طويلة بمستوى معين من المكانة الاجتماعية والاقتصادية، وكان الحصول على مؤهل جامعي أو مهني يمثل بالنسبة لكثير من الأسر وسيلة للارتقاء الاجتماعي وتحسين مستوى المعيشة.
غير أن ما أشارت إليه السطور السابقة يكشف عن وجود تغيرات مهمة في العلاقة بين المهنة ومستوى الدخل، حيث لم تعد العديد من المهن التخصصية تضمن بالضرورة الحصول على أجر يتجاوز الحد الأدنى الرسمي للأجور، وأن العلاقة التقليدية بين المؤهل العلمي والمهنة ومستوى الدخل لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها التي كانت عليها في السابق. فالحصول على مؤهل جامعي أو العمل في مهنة تخصصية لم يعد يضمن بالضرورة الوصول إلى مستوى معيشي لائق يتناسب مع المهنة التي يمارسها العامل.
وترتب على ذلك عدد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية المهمة، فمن ناحية قد يؤدي انخفاض العائد الاقتصادي لبعض المهن التخصصية إلى تراجع جاذبيتها لدى الأجيال الجديدة، ومن ناحية أخرى تدفع العاملين في بعض المهن إلى البحث عن مصادر دخل إضافية أو الانتقال إلى قطاعات أخرى أو الهجرة إلى أسواق عمل توفر مستويات دخل أعلى.
في النهاية، إن قضية الأجور في مصر لا تتعلق فقط بمستوى الحد الأدنى للأجور، وإنما ترتبط أيضًا بالسؤال الأوسع عن كيفية توزيع عوائد النمو الاقتصادي بين القطاعات المختلفة، ومدى قدرة سوق العمل على تحقيق توازن بين قيمة العمل ومستوى الدخل الذي يحصل عليه العاملون والمهنيون في مختلف الأنشطة الاقتصادية.