ما الحيلة؟ لدينا وزيرة سرقت كتابًا وتدّعي الدفاع عن الثقافة

فور صدور حكم محكمة النقض المؤيد لإدانة الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"قضية سرقة الكتاب"، خرجت دعوات من مثقفين وكتاب وسياسيين تطالب الوزيرة بالاستقالة باعتبارها غير جديرة بمنصبها بعد الإدانة بحكم بات ونهائي.

وأيدت محكمة النقض أمس الاثنين حكم المحكمة الاقتصادية القاضي بإلزام الدكتورة جيهان زكي بتعويض الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد بمبلغ 100 ألف جنيه، وسحب كتابها "كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين" الذي صدر في 2024 من الأسواق، ومنع بيعه وتداوله.

ولم تكن قضية وزيرة الثقافة التي اقتبست صفحات كاملة من كتاب صحفية بعد عامين من صدوره، ووضعتها في كتاب باسمها، خصومة قضائية بين كاتبين، ولا نزاعًا حول حدود الملكية الفكرية والاقتباس وذكر المراجع، وإنما قضية عن وزيرة مدانة بسرقة أدبية تتولى منصبًا له دور رئيسي في حماية الإبداع والمبدعين. فكيف بدأت قصة سرقة الكتاب؟ وكيف أدينت الوزيرة؟ وهل يوجب الحكم البات والنهائي الصادر من أعلى محكمة مصرية عزلها من منصبها؟

لم تبدأ القضية داخل قاعة محكمة، ولم تكن في أصلها خلافًا سياسيًا أو إداريًا، وإنما بدأت من كتابين تناول كل منهما شخصية تاريخية واحدة، قبل أن تتحول المقارنة بين العملين إلى نزاع قضائي امتد لعدة سنوات، وشغل الأوساط الثقافية والقانونية، لينتهي بحكم نهائي بات استنفد كافة درجاته من محكمة النقض، وتغلق بذلك المحكمة، وهي أعلى درجات التقاضي، واحدة من أبرز قضايا حقوق الملكية الفكرية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة.

قوت القلوب الدمرداشية

تعود بداية القصة إلى عام 2022، حين أصدرت الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد كتابها الذي حمل عنوان "اغتيال قوت القلوب الدمرداشية سيدة القصر"، وهو عمل بحثي تناول شخصية قوت القلوب الدمرداشية، مستندًا إلى مصادر ووثائق ورؤية تحليلية خاصة بالمؤلفة. وبحسب ما ورد لاحقًا في أوراق الدعوى، اعتبرت الكاتبة هذا العمل ثمرة جهد علمي وبحثي امتد لفترة طويلة، اعتمدت خلاله على جمع المراجع التاريخية وتحليلها وصياغتها في بناء متكامل يعكس رؤيتها الخاصة للشخصية التاريخية موضوع الدراسة. ولم يكن الكتاب محل نزاع وقت صدوره، إذ ظل متداولًا في الأوساط المهتمة بالتاريخ والثقافة، إلى أن صدر بعد نحو عامين كتاب آخر يتناول الشخصية ذاتها، لتبدأ مرحلة جديدة من الجدل.

ومع حلول عام 2024 أصدرت الدكتورة جيهان زكي كتابها "كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين"، ومع طرحه في الأسواق بدأت الكاتبة سهير عبد الحميد في مقارنة العملين، لتعلن لاحقًا أن كتاب الوزيرة، بحسب ما انتهت إليه، تضمن نقلًا حرفيًا لأجزاء كبيرة من كتابها، إلى جانب تشابهات في البناء السردي والتحليلي، بما يتجاوز الحدود التي يسمح بها قانون حماية الملكية الفكرية.

ولم يقتصر التشابه على وجود معلومات تاريخية مشتركة، وهو أمر قد يكون طبيعيًا في الأعمال التي تتناول الشخصية نفسها، وإنما امتد إلى طريقة العرض والصياغة والتسلسل والمنهج المستخدم في تناول الوقائع، وهو ما اعتبرته اعتداءً على حقوقها الأدبية والمالية كمؤلفة. وعلى هذا الأساس، أقامت دعواها أمام المحكمة الاقتصادية، مطالبة بإثبات الاعتداء على حقوقها الفكرية، وتعويضها عن الأضرار التي قالت إنها لحقت بها نتيجة تداول الكتاب.

لجنة الخبراء.. محطة فارقة في القضية

شكّل تقرير اللجنة الفنية المتخصصة إحدى أهم المحطات في مسار الدعوى، إذ انتهى تقرير اللجنة الثلاثية من خبراء الملكية الفكرية، بحسب ما استندت إليه المحكمة، إلى وجود نقل حرفي وتجاوز لحدود الاقتباس المشروع، وهو التقرير الذي أصبح لاحقًا أحد المرتكزات الأساسية التي استندت إليها المحكمة الاقتصادية في إصدار حكمها.

وفي يوليو 2025، أي قبل تعيين جيهان زكي وزيرة للثقافة، أصدرت المحكمة الاقتصادية حكمها في القضية، بعد نظر أوراق الدعوى وتقارير الخبراء وسماع دفاع الطرفين، فقضت بإلزام الدكتورة جيهان زكي بأن تؤدي للكاتبة سهير عبد الحميد مبلغ 100 ألف جنيه تعويضًا عن الأضرار الأدبية والمادية. ولم يقف الحكم عند هذا الحد، وإنما قضى كذلك بسحب كتاب الوزيرة "كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين" من التداول، ومنع إتاحته للبيع أو النشر أو التوزيع.

ولم يكن حكم المحكمة الاقتصادية نهاية المطاف، فبعد صدوره سلكت الدكتورة جيهان زكي الطريق القانوني المقرر للطعن عليه أمام محكمة النقض، برقم 29310 لسنة 95 قضائية، باعتبارها أعلى جهة قضائية مختصة بالفصل في الطعون على الأحكام النهائية. ومع انتقال النزاع إلى محكمة النقض، لم تعد المحكمة تعيد بحث الوقائع أو المفاضلة بين الأدلة كما فعلت محكمة الموضوع، وإنما نظرت فيما إذا كان الحكم المطعون عليه قد طبق القانون تطبيقًا صحيحًا، واستند إلى أسباب سائغة تكفي لحمله. وخلال تلك المرحلة، بدأت القضية تكتسب اهتمامًا أكبر، لا سيما بعد التطورات اللاحقة التي شهدتها الساحة السياسية.

تعيين جيهان زكي وزيرة للثقافة

ورغم أن قضية سرقة الكتاب وصلت إلى مرحلة النقض بعد حكم قضائي بالسرقة، فوجئ الوسط الثقافي والسياسي في العاشر من فبراير 2026 بتعيين الدكتورة جيهان زكي وزيرة للثقافة، وتأديتها اليمين الدستورية ضمن التعديل الوزاري. وفور تعيينها خرجت اعتراضات من كتاب ومثقفين وسياسيين بسبب ترشيح دكتورة مدانة بسرقة أدبية لكتاب، مطالبين بإقالتها لرفع الحرج السياسي عن الحكومة، وهو ما دفع وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان للرد على الاعتراضات بأن الحكم القضائي على الوزيرة ليس حكمًا نهائيًا، وأن القضية منظورة أمام محكمة النقض، وحينما يصدر حكم نهائي سينظر مجلس الوزراء في الأمر.

وفي مارس 2026 وضعت نيابة النقض مذكرة الرأي الاستشاري المقدمة منها لمحكمة النقض، التي أوصت برفض الطعن وتأييد الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية، مستعرضة الأساس القانوني الذي بنت عليه توصيتها، مستندة إلى تقرير اللجنة الثلاثية من خبراء الملكية الفكرية التي انتهت إلى وجود نقل حرفي وتجاوز لحدود الاقتباس المشروع، كما أوضحت أن مجرد الإشارة إلى المصدر في قائمة المراجع لا يكفي وحده لإضفاء المشروعية على نقل أجزاء جوهرية من مصنف سابق، إذا كان ذلك يؤدي إلى طمس الفوارق الجوهرية بين العملين.

رد الاعتبار

واستقبلت الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد الحكم باعتباره نهاية رحلة قضائية طويلة، وقالت في أول تعليق لها عليه "الحمد لله الآن حصحص الحق". وأضافت لـ"فكر تاني" أنها تنتظر ردًا ممن سبق أن دافعوا عن الوزيرة استنادًا إلى أن الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية كان حكم أول درجة وقابلًا للطعن، وفي مقدمتهم وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، مشيرة إلى أنها كانت تنتظر الكلمة النهائية لمحكمة النقض التي أيدت الحكم السابق "الآن بعد حكم النقض أنتظر رد الاعتبار لي أنا". وتابعت أنها ستجتمع بمحاميها لدراسة حيثيات الحكم فور صدورها، من أجل بحث الخطوات القانونية المقبلة، موضحة أنها ستناقش إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية جديدة، سواء فيما يتعلق بالمطالبة بتعويض مالي أكبر، أو دراسة أي مسارات أخرى قد يتيحها القانون، ومؤكدة أن القرار النهائي لن يُتخذ إلا بعد الاطلاع على الأسباب الكاملة للحكم.

الحكم عنوانًا للحقيقة القانونية

وفي تعليقه على الحكم، يقول المستشار الدكتور محمد شعبان، وكيل النائب العام الأسبق وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، إن محكمة النقض حين رفضت الطعنين تكون قد صادقت على ما انتهت إليه محكمة الموضوع من ثبوت الخطأ في جانب المدعى عليها. ويوضح أن المحكمة أيدت ما خلص إليه الحكم الابتدائي من وجود علاقة سببية بين الخطأ المنسوب إلى المدعى عليها وبين الأضرار التي لحقت بالمدعية، وهو ما يبرر التعويض الذي سبق أن قضت به المحكمة الاقتصادية.

ويضيف في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن جميع الدفوع وأوجه الدفاع التي تمسكت بها المدعى عليها خلال نظر الطعن لم تر محكمة النقض أنها تصلح لنقض الحكم، ومن ثم انتهت إلى رفض الطعنين، ليصبح الحكم الصادر في الدعوى حائزًا لقوة الأمر المقضي. ويشير إلى أن اكتساب الحكم لهذه القوة يعني أنه أصبح عنوانًا للحقيقة القانونية في هذه الخصومة، ولم يعد جائزًا إعادة طرح موضوعها أمام القضاء.

وينتقل المستشار محمد شعبان إلى الحديث عن الأبعاد السياسية للحكم، مؤكدًا أن ما ثبت بحكم القضاء، وفقًا لما انتهت إليه المحكمة، يتعلق بخطأ يمس الثقة والاعتبار لارتباطه بحقوق الملكية الفكرية، وهو ما يضع، بحسب تقديره، وزيرة الثقافة في موقف سياسي شديد الحساسية، بالنظر إلى أن الوزارة التي تتولى قيادتها هي الجهة المنوط بها رعاية الإبداع وحماية حقوق المؤلفين. ويرى أن الحكم لا يترتب عليه قانونًا عزل الوزيرة أو إنهاء ولايتها، إذ لا يوجد في القانون نص يقضي بذلك في مثل هذه الحالة، إلا أنه اعتبر أن استمرارها في المنصب قد يضع الحكومة في موقف سياسي حرج، وهو ما يجعله يرى أن تقديم الاستقالة من جانب الوزيرة، أو اتخاذ قرار سياسي بشأن استمرارها، قد يكون، من وجهة نظره، الخيار الأكثر ملاءمة من الناحية السياسية، مؤكدًا في الوقت نفسه أن هذا الرأي يظل تقديرًا سياسيًا، وليس أثرًا قانونيًا مباشرًا يفرضه الحكم القضائي.

لا أثر قانوني للحكم على المنصب الوزاري

ومن جانبه، يقدم المحامي بالنقض والدستورية العليا محمد حامد سالم قراءة قانونية مختلفة فيما يتعلق بالآثار المترتبة على الحكم، فيوضح أن رفض محكمة النقض للطعنين يعني انتهاء الخصومة القضائية بصورة كاملة، واكتساب الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية قوة الأمر المقضي، ليصبح واجب التنفيذ والاحترام.

ويضيف لـ"فكر تاني"، أن الحكم الصادر في القضية حكم مدني يتعلق بالتعويض عن الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، وليس حكمًا جنائيًا بعقوبة سالبة للحرية أو بعقوبة يترتب عليها الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية أو تولي الوظائف العامة، ولذلك فإن الحكم، بحسب سالم، لا يؤدي بقوة القانون إلى عزل وزيرة الثقافة أو إنهاء عضويتها في الحكومة.

ويشير إلى أن الخلط بين الأثر القانوني والأثر السياسي قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، موضحًا أن القضاء أنهى النزاع القانوني فقط، بينما يظل استمرار الوزيرة في منصبها أو إعفاؤها منه مسألة تدخل في نطاق السلطة التقديرية للسلطة التنفيذية، ولا تمثل نتيجة قانونية مباشرة للحكم، ويضيف أن مثل هذه القرارات ترتبط باعتبارات سياسية وإدارية تتعلق بتقييم السلطة التنفيذية للموقف، ولا تدخل ضمن اختصاص المحكمة التي اقتصر دورها على الفصل في النزاع المعروض عليها.

ما الحيلة؟

بصدور حكم محكمة النقض، يكون القضاء قد أغلق الملف من الناحية القانونية، بعدما قال كلمته الأخيرة في نزاع بدأ مع صدور كتابين، ومر بفحص الخبراء، ثم بأحكام المحكمة الاقتصادية، وانتهى أمام أعلى محكمة مختصة بنظر الطعون، غير أن نهاية الخصومة القضائية لا تعني بالضرورة نهاية الأسئلة التي أثارتها القضية. ويظل سؤال حديث الصباح والمساء بعد إدانة الوزيرة بسرقة أدبية ونقل صفحات كاملة قائمًا، فما حيلة الحكومة؟ ولديها وزيرة سرقت كتابًا وتدعي الدفاع عن الثقافة؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة