يتوجه، صباح غدًا الجمعة 26 يونيو، أكثر من 16 ألف قاضٍ وعضو نيابة عامة ومستشار متقاعد إلى صناديق الاقتراع في دار القضاء العالي، لا لاختيار رئيس جديد لنادي القضاة فحسب، وإنما للبتّ في سؤال أعمق وأكثر إلحاحًا يتردد داخل الوسط القضائي منذ أشهر، ماذا يريد القضاة المصريون من ناديهم في المرحلة المقبلة؟
هذا السؤال هو ما يجعل الانتخابات الحالية واحدة من أكثر دورات نادي القضاة إثارة للاهتمام خلال السنوات الأخيرة، إذ تحولت المنافسة بين المرشحين إلى ما يشبه الاستفتاء غير المباشر على طبيعة دور النادي، وأولوياته، وحدود المهمة التي يُفترض أن يضطلع بها.
لم يكن مجرد ناد
لفهم ما يجري، لا بد من استحضار تاريخ هذه المؤسسة، فعلى امتداد عقود، لم يكن نادي القضاة مجرد جهة تقدم خدمات اجتماعية أو تدير أنشطة ترفيهية لأعضائها، وإنما كان حاضرًا في المحطات الكبرى التي شهدها القضاء المصري، وارتبط اسمه بالمطالبة باستقلال السلطة القضائية، وبالدفاع عن ضمانات القضاة الدستورية والمهنية، وكان في طليعة المعركة التي خاضها القضاء من أجل الإشراف الكامل على الانتخابات البرلمانية والرئاسية، فضلًا عن مواقف سنوات ما قبل 2006 وما بعدها بشأن رفض التدخل في شؤون القضاء.
ويؤكد عدد من شيوخ القضاة أن النادي اكتسب مكانته التاريخية لأنه كان معبرًا حقيقيًا عن القضاة في قضاياهم الكبرى، ومدافعًا عن الضمانات الدستورية لاستقلال السلطة القضائية، لا بسبب الخدمات التي يقدمها وحدها. غير أن البُعد الخدمي والاجتماعي ظل حاضرًا أيضًا في فلسفة النادي، وهو ما جعل الجدل حول حدود الدورين المهني والخدمي يتجدد في كل دورة انتخابية تقريبًا.
المعركة الفعلية
وفق ما أفادت به 4 مصادر قضائية تحدثت إلى "فكر تاني"، فإن الانتخابات الراهنة أعادت هذا الجدل القديم إلى الواجهة بصورة لم تشهدها دورات سابقة. وتوضح المصادر أن النقاشات التي دارت خلال الأسابيع الماضية لم تكن في معظمها عن الأشخاص، بقدر ما كانت عن الرؤية التي يحملها كل مرشح لدور النادي ومستقبله.
وعلى هذا الأساس، تتشكل المعركة الفعلية بين اثنين من رؤساء محاكم الاستئناف المتنافسين على كرسي الرئاسة، هما المستشار محمد رفعت جبر، والمستشار ربيع قاسم، فيما يمثل المستشار محمد عبد الرحمن الذهبي خيارًا ثالثًا في السباق، وإن كان المتابعون للشأن القضائي يرون أن التنافس الأساسي يتمحور حول الاسمين الأولين.
نجح رفعت جبر، وفق المصادر ذاتها، في تقديم نفسه مرشحًا يدافع عن استمرار الدور التاريخي للنادي في القضايا المهنية المرتبطة باستقلال القضاء وحقوق القضاة الوظيفية، إلى جانب تحسين الخدمات المقدمة للأعضاء. وفي الساعات الأخيرة من الحملة، واصل التركيز على الملفات ذاتها التي طرحها منذ البداية، مضيفًا إليها الأوضاع الاقتصادية للقضاة والتحديات المعيشية التي تواجه أعضاء السلطة القضائية. وقد ساهم هذا الخطاب في تعزيز حضوره بين القضاة الذين يرون أن النادي لا ينبغي أن يتحول إلى مؤسسة خدمية بحتة.
في المقابل، ارتبطت حملة ربيع قاسم لفترة طويلة بالملفات الخدمية والاجتماعية، وهو ما دفع قطاعات من القضاة إلى إطلاق وصف "مرشح الخدمات" أو "مرشح المصايف" على حملته. وتوضح المصادر أن هذا الوصف لم يكن انتقاصًا بالضرورة من أهمية الخدمات، لكنه عكس طبيعة الأولويات التي هيمنت على خطابه. وحين تصاعدت هذه الانتقادات، سعى قاسم في الأيام الأخيرة إلى توسيع نطاق خطابه، إذ زار مجلس النواب برفقة عدد من أعضاء قائمته والتقى برئيسه، وصدر بعدها بيان تناول قضايا تتعلق بالشأن القضائي واستقلاله وأوضاع القضاة. كما أكد المستشار محمد صلاح الصايم، أحد أبرز أعضاء القائمة، أن من بين أهدافها الحفاظ على استقلال القضاء والعمل على رفعة النادي ورعاية مصالح أعضائه.
غير أن المصادر تلاحظ أن البيان الصادر عقب زيارة البرلمان اكتفى بعناوين عامة دون تفاصيل محددة بشأن آليات التنفيذ أو المبادرات المقترحة، وهو ما دفع بعض القضاة إلى اعتبار الحديث عن الاستقلال في هذه المرحلة أقرب إلى محاولة توسيع الرسالة الانتخابية، أكثر من كونه تحولًا جوهريًا في طبيعة البرنامج المطروح.
64 مرشحًا على 17 مقعدًا
تبلغ قائمة المرشحين النهائية 64 اسمًا يتنافسون على منصب الرئيس و16 مقعدًا في مجلس الإدارة، في واحدة من أكبر الدورات الانتخابية من حيث عدد المرشحين خلال السنوات الأخيرة.
وتُوزَّع مقاعد المجلس على أربع فئات، 5 مقاعد للمستشارين يتنافس عليها 26 مرشحًا، و5 مقاعد لرؤساء المحاكم والقضاة يخوض المنافسة عليها 16 مرشحًا، و5 مقاعد لأعضاء النيابة العامة بين 14 مرشحًا، ومقعد واحد للمستشارين المتقاعدين يتنافس عليه 5 مرشحين.
وتُعدّ فئة المستشارين الأشد تنافسًا من حيث الأسماء، إذ تضم رؤساء بمحاكم الاستئناف ونوابًا لرئيس محكمة النقض ونوابًا لرؤساء محاكم الاستئناف، مما يعكس حجم الاهتمام الذي تحظى به عضوية المجلس بين كبار رجال القضاء.
أما فئة النيابة العامة، فتمثل كتلة انتخابية مؤثرة نظرًا لارتفاع أعداد أعضائها داخل الجمعية العمومية، ومن أبرز مرشحيها المستشار محمد هاني عبد الجابر الداعم لقائمة ربيع قاسم.
وتؤكد المصادر أن المنافسة على عضوية المجلس لا تقل أهمية عن المنافسة على مقعد الرئيس، لأن تركيبة المجلس الجديد ستكون صاحبة الدور الأكبر في رسم سياسات النادي خلال السنوات المقبلة.
ترتيبات غير مسبوقة ليوم الاقتراع
تبدأ أعمال التصويت في العاشرة صباحًا وتستمر حتى السادسة مساءً، يتخللها توقف مؤقت نحو ساعة ونصف خلال فترة صلاة الجمعة والراحة. وتُجرى الانتخابات داخل دار القضاء العالي بدلًا من مقر النادي، لعدم قدرته على استيعاب الأعداد الكبيرة المتوقعة. وللجنة المشرفة صلاحية مد فترة التصويت إذا وُجد ناخبون داخل محيط اللجان عند انتهاء الموعد المحدد.
وتشهد هذه الدورة جملة من الإجراءات التنظيمية التي تُطبق لأول مرة، أبرزها تخصيص لجنة انتخابية مستقلة لشيوخ القضاة المتقاعدين تقديرًا لعطائهم خلال مسيرتهم الطويلة، وتخصيص لجنة مستقلة أخرى للسيدات القاضيات بما يكفل لهن ممارسة حقهن الانتخابي في إطار من المساواة وحسن التنظيم.
أما مراحل الفرز، فتبدأ فور إغلاق الصناديق، وتسير بالترتيب الآتي: مقاعد المستشارين أولًا، ثم مقاعد رؤساء المحاكم والقضاة، يليها مقاعد أعضاء النيابة العامة، ثم مقعد المستشارين المتقاعدين، وتنتهي بمنصب رئيس النادي الذي يحظى بالاهتمام الأكبر داخل الوسط القضائي.
وفي نهاية المطاف، يؤكد المراقبون أن ما سيُقرر يوم الجمعة لن يكون مجرد اختيار أسماء لإدارة النادي، وإنما إعادة تشكيل كاملة لقيادة واحد من أعرق الكيانات القضائية في مصر، وتحديد للملامح التي سترسمها هذه القيادة في المرحلة المقبلة.