يوميات صحفية برلمانية| الشاشة بديلًا عن البرلمان

في مفارقة لافتة، تزامن تقديم استجواب برلماني بشأن أزمة التأمينات والمعاشات وتعطُّل المنظومة الرقمية مع ظهور رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، اللواء جمال عوض، على شاشة التلفزيون مدافعًا عن المنظومة الجديدة، مستعرضًا مبررات تطبيقها ومزاياها.

ظهر عوض في الحلقة المسجلة مع الإعلامي رامي رضوان في برنامج "من ماسبيرو"، معتذرًا معترفًا بمعاناة عشرات الآلاف من أصحاب المعاشات والتأمينات مع بدء تطبيق المنظومة الرقمية الجديدة، التي قال النائب أحمد فرغلي في استجوابه إنها تكلّفت نحو مليار وأربعمائة مليون جنيه.

عوض الذي حضر الجلسة العامة لمجلس النواب في أثناء نظر تعديلات على قانون التأمينات والمعاشات في أبريل الماضي، لم يردّ خلالها على انتقادات النائب ضياء الدين داود بشأن تعطيل صرف المعاشات، كما غاب في 18 مايو الماضي، عن اجتماع اللجنة البرلمانية المختصة للردّ على طلبات الإحاطة المقدَّمة من النواب، لكنه يتحدث في لقائه التلفزيوني عن تقدير دور مجلس النواب وانتفاء أي خلافات معه، مشددًا على أنه لا يملك رفض المثول أمام البرلمان، بل على العكس مستعدٌّ للذهاب والتحدث مع النواب بكل شفافية.

وأوضح في اللقاء ذاته أنه أرسل خطابًا رسميًا لمجلس النواب لنفي ما تردَّد بشأن تعطُّل صرف المعاشات على مستوى الجمهورية، مشيرً إلى أن النظام الحالي للتأمينات الاجتماعية مرّ عليه أكثر من 45 عامًا وكان لا بدّ من تحديثه لمواكبة التطورات، ولفت إلى أن الهيئة تعاقدت مع شركتين عالميتين لإنشاء نظام تأمينات جديد أكثر كفاءة.

من صاحب الكريديت؟

أثار غياب عوض عن البرلمان للردّ على طلبات الإحاطة غضبَ عدد من النواب، ورفض بعضهم مناقشة طلبات الإحاطة، وأوصت اللجنة حينها بضرورة صرف مستحقات أصحاب المعاشات المتأخرة قبل عيد الأضحى.

بعدها بيومين، أعلنت الهيئة صرف 10 آلاف جنيه لأصحاب المعاشات والتأمينات المسجَّلين في المنظومة الرقمية، تحت حساب مستحقاتهم المتأخرة، قبل أن ندخل في خلاف جانبي حول من صاحب "الإنجاز" أو "الكريديت"، عندما دخل رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن النائب أحمد عبد الجواد على خط الأزمة، وأعلن القرار في بيان وكأنه صاحب الفضل في انتزاعه من رئيس الهيئة.

غير أن الهيئة نشرت خطابًا موجَّهًا لرئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب النائب محمد سعفان، توضح فيه أن القرار جاء استجابةً لتوصيات اللجنة.

استمر الإخفاق بعد انتهاء إجازة عيد الأضحى، وبات تكرار مدّ الفترة الزمنية لحلّ الأزمة مملًّا وأفقد الحكومةَ مزيدًا من المصداقية، فالمهلة التي كان آخر موعد لها 5 يونيو امتدّت مرة أخرى إلى أغسطس المقبل، على أمل التوصل إلى حلٍّ نهائي.

حراك برلماني من أجل الحقيقة والتعويضات

بينما كان رئيس الهيئة القومية للتأمينات يُعدّ عدّته لتسجيل الحلقة التلفزيونية والدفاع عن موقفه، تصاعد الحراك البرلماني بحثًا عن سبل لحلّ الأزمة ووسيلة للمحاسبة وتعويض المتضررين.

واصل النائب أحمد بلال البرلسي، عضو مجلس النواب عن حزب التجمع، محاولات جمع 60 توقيعًا لتوجيه طلب تشكيل لجنة تقصي حقائق إلى رئيس مجلس النواب، لبحث أصل الأزمة وأسبابها وتحديد المسؤولين عنها وسبل حلّها.

وتنص اللائحة الداخلية لمجلس النواب على آلية تشكيل لجان تقصي الحقائق كأحد الأدوات البرلمانية الرقابية، لتقصّي الحقائق في موضوع معين وإبلاغ المجلس بحقيقة الأوضاع المالية أو الإدارية أو الاقتصادية، أو إجراء تحقيقات في أي موضوع يتعلق بعمل من الأعمال السابقة أو غيرها.

ولم يكن حراك البرلسي التصعيدَ الوحيد تحت القبة، إذ أصدرت الهيئة البرلمانية لحزب العدل بيانًا يوم 5 يونيو، بالتزامن مع انتهاء المهلة السابقة لحلّ الأزمة، واعتبر البيانُ أن الأخطر من استمرار الإخفاق ومدّ مهل جديدة بعضُ التصريحات الرسمية التي اختزلت الأزمة في عشرات الآلاف من الحالات أو الطلبات، وكأن المشكلة مجرد رقم يمكن التقليل من أهميته، وهو ما رفضته الهيئة مشكِّكةً في دقة الأرقام المُعلنة، ومؤكدةً ضرورة قياس القضية لا بعدد الملفات المتأخرة فحسب، وإنما بعدد الأسر التي تعطّلت مصالحها، وعدد المواطنين الذين تأخّر صرف مستحقاتهم، وعدد أصحاب الأعمال الذين تعطّلت إجراءاتهم، وعدد الساعات التي قضاها المواطنون في طوابير الانتظار بحثًا عن حق يكفله لهم القانون.

وأكد البيان استمرار نواب الهيئة البرلمانية البالغ عددهم 11 نائبًا في مواصلة العمل على الملف، وشدّد على أن البرلمان لم يُنشأ ليكون جهةً لتبرير الإخفاقات التنفيذية أو تمرير روايات مريحة للحكومة، وإنما ليكون صوتَ المواطنين ورقيبًا على أداء السلطة التنفيذية.

بعدها تقدّم النائب عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، بطلب إحاطة مطالبًا بتفعيل المادة (130) من قانون التأمينات وصرف التعويضات القانونية للمتضررين من أزمة المنظومة الجديدة.

وأوضح إمام أن المادة (130) من القانون جاءت واضحة وصريحة، إذ ألزمت الهيئة بصرف الحقوق التأمينية خلال أربعة أسابيع من تاريخ تقديم الطلب مستوفيًا للمستندات المطلوبة، كما أوجبت إضافة مبلغ إضافي عن كل شهر تأخير بعد انقضاء المدة القانونية وحتى تاريخ الصرف الفعلي.

كما طالب الحكومةَ والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بالإفصاح عن عدد الحالات التي تجاوزت المدة القانونية المنصوص عليها في المادة (130)، وحجم الالتزامات المالية المترتبة على التأخير، وخطة الهيئة لتنفيذ أحكام القانون كاملةً تجاه جميع المتضررين.

استجواب برلماني وتصعيد جديد

بالتزامن مع عرض حوار رئيس الهيئة القومية للتأمينات في التلفزيون المصري، أعلن النائب أحمد فرغلي تقدُّمه باستجواب موجَّه لرئيس مجلس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي ورئيس الهيئة، وتحدّث فرغلي في الاستجواب عن اتهامات تتعلق بإهدار المال العام وتربيح الغير وسوء الإدارة.

وقال إنه رغم إنفاق نحو مليار وأربعمائة مليون جنيه من المال العام على هذا المشروع، إضافة إلى مبالغ أخرى طائلة لا تزال تُنفق حتى الآن في محاولات معالجة الأعطال وإصلاح أوجه القصور، إلا أن المنظومة أخفقت في تحقيق مستهدفاتها.

وأوضح فرغلي أن هذا الإخفاق يُظهر بوضوح غيابَ دراسات إدارة المخاطر قبل التعاقد، وعدم وضع خطط تشغيل بديلة تضمن استمرارية خدمات المواطنين، فضلًا عن التضارب الواضح في التصريحات الرسمية بشأن آليات الإصلاح وتعويض المتضررين.

وحمّل النائبُ الحكومةَ المسؤولية السياسية عن سلسلة من القرارات المتناقضة التي صدرت خلال فترة رئاسة اللواء جمال عوض للهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية، وأدّت إلى إنفاق مئات الملايين من الجنيهات على المنظومة القديمة، ثم إهدار تلك الاستثمارات بالانتقال إلى منظومة جديدة لم تُثبت جاهزيتها التشغيلية، ثم الاستمرار في تحمّل تكاليف إصلاحها بعد التشغيل.

وتكشف أزمة التأمينات الرقمية مفارقةً لافتة، بين قوة الأدوات الرقابية وتأثيرها من جهة، وسحر الشاشة وتفضيلها من جهة أخرى. ولعلّ الخلاف الحقيقي ليس في كفاءة المنظومة الرقمية وحدها، بقدر احترام مسار المساءلة والمحاسبة البرلمانية وتقديره، فصاحب الرواية الرسمية آثر الغياب عن البرلمان واختار المقابلة التلفزيونية التي لا تُغني عن مواجهة الأسئلة تحت القبة، ولا يمكن للشاشات أن تحلّ محل المؤسسات المخصصة للمحاسبة والرقابة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة