"اتولدت واتجوزت وخلفت.. ومكنتش موجودة إلا من وقت قريب"، هكذا فتحت "ريا. ع"، بوابة حكايتها التي تختزل معاناة نساء وأسر حُرمت من أبسط حقوقها المدنية، وفي مقدمتها الحصول على بطاقة الهوية.
فالمرأة المنحدرة من سوهاج، والبالغة من العمر 58 عامًا، ظلت ما يزيد على نصف قرن بلا بطاقة رقم قومي، فقط لأن أبويها كانا يخشيان عليها من "العين"، تقول ريا لـ"فكر تاني"، إن أهلها "كانوا خايفين من الحسد والنحس، وكمان كانوا خايفين إني أموت ويبقوا اتكلفوا ثمن كتابتي على الفاضي"، في حين سُجِّل إخوتها الأربعة الذين جاؤوا بعدها جميعًا.
هكذا نشأت "ريا" الطفلة بلا قيد رسمي بين أسرتها وجيرانها، لا تحمل أي دليل رسمي يُثبت وجودها، وحين جاء زوجها لخطبتها، لم تكن لديها وثيقة رسمية واحدة تُقدمها، فاخترعت أمها حلاً غريبًا، إذ جاؤوا بشهادة ميلاد لفتاة وُلدت في اليوم ذاته، ونقلوا بياناتها كاملةً مع تغيير الاسم فحسب، تقول ريا إنها تزوجت ليس فقط بـ"شهادة تسنين"، وإنما بـ"شهادة مستعارة"، ومع ذلك ظلت في نظر الدولة غير موجودة.
امتد غياب ريا القانوني حتى في أبسط المعاملات اليومية، فقد كان زوجها يستخدم قسيمة الزواج لاستخراج بطاقة التموين ويُسجلها عليها من دون أن تكون مقيدة في السجلات الحكومية أصلاً. غير أن هذا الحل المؤقت لم يصمد طويلاً، فمع إعادة الدولة هيكلة قواعد بياناتها وتنقيتها، اكتُشف غياب ريا من السجلات الأساسية، فصدر القرار الحكومي بإزالتها من قوائم التموين، وهكذا وجدت نفسها محرومة من كل حقوق وخدمات الدولة، من تأمين وتموين ورعاية صحية، بل ومن التعليم الذي لم يكن في المقام الأول متاحًا لفتيات جيلها.
حملت ريا على عاتقها ثقل هذا الغياب عقودًا متواليةً، وكانت كلما حاولت التسجيل اصطدمت بإجراءات شاقة وبمن يثبطون عزيمتها قائلين "ماذا تريدين من الشهادة؟ احنا عارفين إنك عايشة، وأنتِ لا محتاجة فلوس ولا هتنزلي انتخابات علشان تتسجلي"، ثم بلغ الشعور بالإنكار ذروته حين أصبحت جدةً، وراحت تشهد أحفادها يُسجَّلون ويحصلون على هوياتهم بينما هي لا تزال تنتظر.
جاءت اللحظة الفاصلة قبل نحو خمس سنوات، حين أراد زوجها أداء العمرة وطلبت مرافقته، لكنها رده "أنتي معندكيش أي إثبات إنك موجودة، ومش هنعرف نعملك جواز سفر" الشرارة التي دفعتها إلى معركة لإثبات وجودها بشكل رسمي. تقول إنها "اتبهدلت علشان يثبتوا وجودي ويعرفوا سني"، فذهبت إلى أكثر من جهة، وأحضرت أشقاءها الأكبر والأصغر شهودًا، وخضعت لإجراءات الأطباء لتحديد عمرها عبر "التسنين"، وكل ذلك وهي امرأة مسنة تعاني من السكر والضغط.
في النهاية تحقق الحلم، فبعد أكثر من نصف قرن، حصلت ريا على بطاقة هويتها الرسمية، وهي لحظة تصفها بالقول "حسيت إني اتولدت من جديد، وبقالي اسم وبطاقة، بعد ما كان محدش يعرفني غير أهلي."
أما نجلها عبد الرحمن الذي أسهم في استخراج تلك البطاقة، فيؤكد في حديثه لـ"فكر تاني" أن المسار لم يكن يسيرًا، وإنما مر بمراحل متعاقبة واجهوا فيها عقبات جمة حتى تمت استكمال الإجراءات، مشيرًا إلى إنهم أمضوا سنتين كاملتين في سبيل استخلاص الأوراق، واستلزم ذلك جمع جميع أشقاء والدته لإثبات أنها شقيقتهم، إلى جانب إجراء التسنين اللازم لها.
أجساد بلا هوية
حالة ريا ليست استثناءً فرديًا، وإنما جزء من نسيج اجتماعي معقد، ففي الوقت الذي تضخ فيه الدولة جهودًا متواصلة لميكنة خدماتها وأتمتة سجلاتها، لا يزال أعداد كبيرة من المواطنين يعيشون خارج هذا التحول الرقمي كالأشباح، يأكلون ويشربون ويمشون في الشوارع، غير أنهم في نظر الدولة غير موجودين، ليسوا وافدين أو لاجئين، بل مصريون خانتهم لحظة تسجيل، أو عطلتهم ثغرة قانونية، أو أهل لم يكترثوا بتسجيلهم، فوجدوا أنفسهم في مواجهة لقب "ساقط قيد" يطاردهم مدى الحياة. هنا يختبئ مواطنون "نصف أحياء"، يملكون أجسادًا بلا بصمات رسمية، ويملكون أصواتًا بلا صدى في صناديق الاقتراع أو سجلات التوظيف.
تُطلق صفة "ساقط قيد" على الأشخاص الذين لم تُسجَّل واقعة ميلادهم رسميًا في سجلات الأحوال المدنية، ما يجعلهم بلا وجود قانوني رغم كونهم أحياء، ويضعهم خارج منظومة الحقوق والخدمات الأساسية المرتبطة بالهوية الرسمية.
وتُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد المواليد المسجلين في مصر بلغ مليونًا و968 ألفًا و396 مولودًا بنهاية عام 2024، مقابل مليونين و44 ألفًا و880 مولودًا عام 2023، فإذا كانت مصر تسجل سنويًا ما يقارب مليوني مولود وفق البيانات الرسمية، فكم عدد الأطفال الذين يولدون خارج هذه السجلات؟
ورغم محاولات البحث في المصادر الرسمية وتقارير الجهات المعنية، لم يُتوصَّل إلى رقم دقيق أو حصر منشور يوضح عدد ساقطي القيد بشكل مباشر أو مجمع، سواء على مستوى الجمهورية أو ضمن المبادرات التنموية، بينما تقتصر البيانات المتاحة على مؤشرات جزئية وتقديرات غير مباشرة، دون وجود إحصاء رسمي محدد يمكن الاعتماد عليه بصورة قاطعة.
في عام 2011، أقدم محسن النعماني، وزير التنمية المحلية آنذاك، على إجراء حصر فعلي لأعداد المواليد غير المسجلين بهدف مساعدتهم على إثبات هويتهم، وقدّر عددهم حينها بـ3.5 مليون مواطن، ومنذ تلك اللحظة، لم تُنشر إحصاءات محدثة أو تقارير دورية توضح حجم الظاهرة في الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2025، ويقتصر ما هو متاح للجمهور على أرقام متفرقة عن عدد الوثائق أو قرارات القيد الصادرة سنويًا، من دون أن تعكس العدد الفعلي للأشخاص الذين يعيشون خارج السجلات الرسمية، مما يُخلّف فجوة واضحة بين الواقع الميداني والبيانات الحكومية المعلنة.
ثلاثة أجيال من السقوط
في إحدى قرى الشرقية، لم تكن مروة مجرد فتاة ريفية عادية، كانت حلقةً في سلسلة ضياع قانوني بدأت قبل أن تولد، فكما تجري العادة في كثير من القرى للتحايل على قانون منع زواج القاصرات، تزوجت أمها بعقد عرفي على أن يُوثَّق رسميًا حين تبلغ السن القانونية، غير أن الأب رحل مبكرًا ورحل معه كل أمل في توثيق وجود مروة وشقيقها في دفاتر الدولة، فكبرت مروة "شبحًا"، لتجد نفسها في السادسة عشرة من عمرها تُعيد إنتاج المأساة ذاتها، زواج عرفي، وحمل ينتظر مجهولاً.
وبحسب المحامية والإعلامية أميرة همام، رئيس مجلس أمناء مؤسسة إنسانيات لرعاية المرأة والتنمية، التي تولت الدفاع عن مروة، فإن قصتها نموذج لحالات ممتدة من غياب التوثيق عبر الأجيال، تتشابك فيها العوامل الاجتماعية والقانونية، إذ ورثت مروة السقوط القانوني عن أم لم تُسجَّل، ثم نقلته بدورها إلى طفلها.
وتُوضح همام أنها اصطحبت مروة إلى قريتها في الشرقية لمحاولة إثبات نسب طفلها، بعدما غدا الوضع القانوني للأم نفسها غير مستقر نتيجة عدم تسجيلها منذ البداية.
وتُشير همام، في تصريحات إلى "فكر تاني"، إلى أن التعامل مع هذه الحالة استلزم سلسلة طويلة من الإجراءات القانونية، بدأت بالبحث عن أي مستند يُثبت العلاقة الزوجية بين والدي مروة، حيث اعتُمد على قسيمة زواج عرفي وشهادات من شهود العائلة لإثبات وجود علاقة زوجية فعلية، ثم استُصدر ما يُفيد بإثبات الزواج قانونيًا، فاستُخرجت شهادة وفاة للأب وأُثبت القيد العائلي للأم تمهيدًا لضمها إلى المنظومة الرسمية. وبعد ذلك رُفعت دعاوى قضائية لإثبات نسب مروة وشقيقها، مستندةً إلى شهادات الشهود والتحريات والمستندات الطبية، حتى استُخرجت شهادات ميلاد لهما.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد رُفعت لاحقًا دعوى أخرى لإثبات نسب مروة وطفلها، حيث لُجئ إلى القضاء لإلزام الزوج بالإقرار بالعلاقة الزوجية أمام المحكمة، وهو ما أسهم في استكمال الإجراءات القانونية الخاصة بالطفل. وقد استغرقت هذه الإجراءات مجتمعةً أكثر من عام كامل، كانت مروة خلاله محرومة من أبسط حقوقها الأساسية في التعليم والرعاية الصحية والتطعيمات، فضلاً عن تعذر حصولها على أي خدمات علاجية أو تأمينية باعتبارها غير مقيدة رسميًا.
اتهام بالسرقة
في أحد شوارع حي عين شمس، عاشت أسرة سنواتٍ بعيدة عن سجلات الدولة، بعدما اختار الأب والأم الزواج عرفيًا دون توثيق رسمي، وهو ما انعكس لاحقًا على عدم تسجيل ابنتيهما منذ الولادة، فنشأت الطفلتان دون أوراق ثبوتية أو هوية قانونية معترف بها.
وبحسب حديثهما لـ"فكر تاني"، لم يكن ما دفع الأبوين إلى التقاعس عن التسجيل رفضًا أو إهمالاً بقدر ما كان خشيةً من تعقيدات إثبات الزواج الرسمي وما يسبقه من إجراءات قانونية، فظلت الأسرة بالكامل خارج المنظومة الرسمية.
تحول هذا الوضع إلى أزمة مفاجئة حين تلقت الأسرة بلاغًا من أحد الجيران يتهمهم فيه بسرقة الأطفال، وهو ما وضع الأبوين أمام مسار قانوني معقد لإثبات نسب الطفلتين وتبرئة موقفهما من الاتهامات، ومع بدء التحقيقات، باتا مُلزَمَين بتقديم ما يُثبت العلاقة الزوجية وواقعة الميلاد، في ظل غياب قسيمة زواج رسمية أو مستندات قيد معتمدة.
وحين تعذر الوصول إلى وثائق مباشرة تُثبت الزواج أو النسب، لجأت الأسرة إلى سلسلة من الإجراءات القانونية شملت التحريات الرسمية وإثباتات الشهود، قبل أن يظهر دليل غير متوقع حسم جزءًا كبيرًا من الأزمة، وهو إيصال قديم صادر عن أحد المراكز الطبية وقت ولادة الأم، شكّل هذا المستند البسيط نقطة تحول في القضية، إذ أسهم في إثبات واقعة الميلاد، وفتح الطريق أمام استكمال الإجراءات القانونية التي انتهت بإثبات نسب الطفلتين، ورفع الاتهام عن الأبوين، وإعادة إدماج الأسرة داخل المنظومة الرسمية بعد سنوات من الغياب.
ضحية لم تحصل على حقها
في قلب الجيزة، تعيش أم مع أطفالها مأساةً لا تشبه غيرها، فهي ليست "ساقطة قيد" بسبب الإهمال وحده، وإنما بسبب الغدر أيضًا.
بدأت الحكاية من جيل الأجداد الذين حال جهلهم دون تسجيل ابنتهم في دفاتر الدولة قديمًا، فلما رحلوا تركوا خلفهم تركةً وابنةً بلا أوراق، وشقيقًا هو الشاهد الشرعي الوحيد الباقي على وجودها.
تُوضح، الأم التي فضلت عدم الكشف عن هويتها، في حديثها لـ"فكر تاني" أن أهلها لم يسجلوها في البداية جهلاً منهم، وأنها تزوجت بشهادة تسنين، وحين أرادت توثيق وجودها كان أهلها قد رحلوا، ولم يتبقَّ سوى شقيقها الذي تعد شهادته أساسية لإثبات صلة قرابتها بالعائلة، غير أنه رفض تسجيلها طمعًا في ميراثها، فلا تزال حتى اليوم تنتظر أملًا في إثبات قيدها.
أين يكمن جوهر الأزمة؟
ترى المحامية أميرة همام أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الإجراءات القانونية، وإنما في واقع مجتمعي لا يزال يتعامل مع الزواج العرفي كأمر مقبول، رغم ما يترتب عليه من إهدار لحقوق المرأة وتجريدها من الحماية القانونية، موضحةً أن إثبات العلاقة الزوجية في هذه الحالات لا يتم إلا عبر اللجوء إلى القضاء، وهو ما يستلزم وجود مستندات أو عقود يمكن الاستناد إليها، بينما يؤدي غيابها إلى تعقيد عملية إثبات الزواج أو نسب الأطفال ويضع الأسر في دائرة من الإجراءات المطولة وغير المضمونة النتائج.
وترى المحامية أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب حلولاً أكثر صرامة، من بينها إعادة النظر في التعامل مع الزواج العرفي وتشديد آليات التحقق الرسمية، بما يضمن عدم إتمام عمليات الولادة داخل المنشآت الطبية إلا بوجود ما يُثبت الزواج بشكل قانوني موثق.
ويفرض قانون الأحوال المدنية رقم 143 لسنة 1994 التبليغ عن المواليد خلال 15 يومًا فحسب وفق المادة الـ15، مع تحميل المسؤولية للأب أو من ينوب عنه وفق المادة الـ16، غير أن تجاوز هذه المدة ينقل الواقعة بالكامل إلى ساحة القضاء وفق المادة الـ26، حيث يصبح استخراج شهادة الميلاد مرهونًا بحكم قضائي، وذلك على الرغم من وجود غرامات قانونية على التأخير منصوص عليها في المادة الـ68.
وتُوضح المحامية نهى الجندي، المتخصصة في قضايا المرأة، أن ظاهرة "ساقطي القيد" ليست مجرد حالات فردية، وإنما نتيجة تداخل عوامل قانونية وإدارية واجتماعية متشعبة، أبرزها عدم التبليغ عن واقعة الميلاد أو الوفاة خلال المدة المحددة بالقانون، ما يُفقد الشخص حقه في الظهور رسميًا داخل سجلات الدولة.
وتؤكد نهى، في حديثها لـ"فكر تاني"، أن غياب الوثائق الثبوتية الرسمية يشكل عائقًا كبيرًا أمام إثبات الهوية ويجعل هؤلاء المواطنين غير موجودين في نظر النظام القانوني، إلى جانب ذلك، تلعب الأخطاء الإدارية والفنية في تسجيل البيانات دورًا بارزًا في تعقيد الوضع القانوني للأشخاص، حيث قد تُفقد بعض المستندات أو تُسجَّل البيانات بشكل خاطئ، مما يزيد من صعوبة التصحيح لاحقًا.
وتُشير نهى الجندي إلى أن الأشخاص الذين يسقط قيدهم يجب أن يمروا بسلسلة من الإجراءات القانونية الطويلة والمعقدة قبل أن يتمكنوا من إثبات وجودهم، مشيرة إلى أن هذه السلسلة قد تمتد إلى أكثر من خمس سنوات، تبدأ العملية عادةً بتقديم بلاغ في قسم الشرطة لتوثيق عدم وجود شهادة ميلاد أو أي مستند رسمي يُثبت الهوية، يليه شراء نموذج 26 من مصلحة الأحوال المدنية وملء البيانات المطلوبة بعناية. وبعد ذلك يُقدَّم الطلب للموظف المختص في المصلحة، وتتولى لجنة مختصة فحصه للتحقق من صحة البيانات والمستندات المرفقة، فإذا استوفى الطلب جميع الشروط أصدرت مصلحة الأحوال المدنية قرارًا بتسجيل القيد سواء للميلاد أو الوفاة، لتتمكن الأسرة أو الفرد أخيرًا من الدخول إلى سجلات الدولة بشكل قانوني.
ثغرات قانونية
تقول نهى الجندي إن "القانون الحالي يحتوي على ثغرات تؤدي إلى استمرار هذه الأزمة، من أبرزها غياب آلية متابعة فعالة تضمن تسجيل جميع المواليد والوفيات فور حدوثها، ما يترك المجال للإهمال والتأخير"، مشيرة إلى أن عدم وجود عقوبات رادعة للمتأخرين في التسجيل أو للممتنعين عن التبليغ يجعل التجاوزات مستمرة، في حين تزيد تعقيدات الإجراءات الحالية من صعوبة تسجيل ساقطي القيد، وهو ما يضطر الكثيرين للجوء إلى المحاكم لفترات طويلة قبل الحصول على الأوراق الرسمية.
وفي عام 2021، تقدم النائب هشام الجاهل، عضو مجلس النواب حينذاك، بمشروع قانون يتعلق بتعديل بعض أحكام قانون الأحوال المدنية المصري رقم 143 لسنة 1994، بخصوص حماية ساقطي القيد ومعاقبة كل من يمتنع عن القيد أو يُجري التسنين مخالفًا للحقيقة.
ونصَّ مشروع القانون على اختصاص مديري إدارات الأحوال المدنية بفحص طلبات قيد ساقطي قيد الميلاد والوفاة وإصدار قرار القيد إذا قُدِّم الطلب خلال 6 أشهر من تاريخ الواقعة. كما نصَّ على عقوبة بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات وغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه لكل شخص مكلف بالتبليغ، وفق المادة الـ20 من القانون يخالف هذه المادة، فضلاً عن عقوبة بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه لمخالفة أحكام مواد بعينها.
وفي حديثه لـ"فكر تاني"، أوضح الجاهل أن أي بحث عن رقم أو إحصائية توضح عدد ساقطي القيد في مصر سيكون بلا جدوى، لأن هذا الرقم ببساطة غير موجود، مؤكدًا أنه ذهب بنفسه إلى وزارة الداخلية والجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ولم يحصل على أي معلومة، مشيرًا إلى أن ساقطي القيد منتشرون بشكل كبير في مختلف محافظات الجمهورية، ولا أحد يريد التطرق لهذا الموضوع، مشيرًا إلى أنه تقدم بمشروع القانون لأنه يعد هذه المشكلة "قنبلة"، إذ يمكن لهؤلاء الأشخاص أن يرتكبوا الجرائم دون أن يتسنى الوصول إليهم.
ويلفت الجاهل إلى أن وزارة الداخلية والجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء هما الجهتان المعنيتان بأمر هؤلاء، مؤكدًا أن الجهاز لا يمتلك هو الآخر معلومات دقيقة عن أعدادهم، ويصف كل شخص ساقط قيد بأنه "إنسان مظلوم" لم يحصل على حقوقه في التعليم والصحة وليس له أي دخل من الدولة، ولا أوراق ثبوتية، فضلاً عن أن بعضهم قد ينضم إلى عصابات ويُستغل بحكم كونه مجهول الهوية. ويُشير إلى أنه عرض القانون خلال دور الانعقاد الماضي على عدد من أعضاء المجلس إلا أنهم لم يأخذوا الأمر على محمل الجد، معتبرين أنه موضوع لا يهم الجميع، ولم يجد القانون الذي تقدم به أي رد.
تزويج القاصرات
لا تبدو أزمة ساقطي القيد في مصر مجرد خطأ إداري، بحسب النائبة سناء السعيد، عضو المجلس القومي للمرأة وعضو مجلس النواب، التي ترى أن ظاهرة ساقطي القيد في مصر ترتبط ارتباطًا وثيقًا بزواج القاصرات والزواج غير الموثق، مؤكدةً أن عددًا كبيرًا من الحالات يكون لسيدات وأطفال لا يمتلكون أوراقًا رسمية أو ما يُثبت هويتهم القانونية.
وتضيف سناء، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن "الفتيات القاصرات يتم تزويجهن أحياناً بعقود عرفية غير موثقة قبل بلوغ السن القانونية، ثم تحدث حالات حمل وإنجاب قبل تقنين الزواج رسميًا، ما يؤدي إلى أزمات قانونية تتعلق بإثبات النسب وقيد الأطفال في السجلات الرسمية."
وحين يغيب الأب سواء بالوفاة أو الانفصال قبل توثيق الزواج، تتحول الأزمة من مشكلة إجرائية إلى كارثة إنسانية وفق سناء السعيد، التي ترى أن الطفل الناتج عن هذا النوع من الزيجات يواجه صعوبات في التسجيل باسم الأب أو الأم بسبب غياب عقد زواج موثق، وتزداد الأزمة تعقيدًا في حالات الانفصال أو وفاة الزوج قبل التوثيق، مما يُفرز مشكلات اجتماعية وقانونية واسعة. وتؤكد أن المجلسين القومي للمرأة والقومي للأمومة والطفولة يطلقان حملات للتوعية بمخاطر زواج القاصرات، موضحةً أن هذه الزيجات تخلق أزمات مجتمعية كبيرة، من بينها أطفال بلا أوراق ثبوتية أو حقوق قانونية واضحة.
وفيما يخص المطالبات بتعديل بعض مواد قانون الطفل للسماح للأم بتسجيل طفلها في حال غياب الأب، تقول سناء إنه لا توجد حاليًا مشروعات قوانين مطروحة بشكل رسمي بشأن هذا الأمر، وإن القضية تحتاج إلى دراسة وتشريعات تُوازن بين حماية الأطفال ومنع إساءة استخدام إجراءات القيد. وكشفت أنها لم تكن على علم بمشروع القانون الذي تقدم به النائب هشام الجاهل خلال دورة 2021، مشيرةً إلى أن إعادة طرح الملف داخل البرلمان في الفترة المقبلة "أمر وارد"، خاصة مع استمرار وجود الظاهرة داخل بعض المجتمعات.
سراب الخط الساخن
وعلى الرغم من تأكيد النائبة سناء السعيد على الدور المحوري الذي يضطلع به المجلس القومي للمرأة في تقديم الدعم القانوني عبر الخط الساخن 15115 أو المكتب المختص بالشكاوى، فإن الواقع الميداني الذي رصدته "فكر تاني" كشف عكس ذلك. فبينما يُفترض أن يكون هذا الخط "طوق نجاة" للسيدات اللواتي يصارعن الزمن لقيد أنفسهن أو أطفالهن وأخذ الاستشارات القانونية، أجرت كاتبة التحقيق محاولات تواصل متكررة على مدار أيام وأوقات مختلفة، سواء عبر الاتصال الهاتفي أو رسائل "الواتساب" المعلنة، لكن الصمت كان هو الرد الوحيد، إذ لم تتلقَّ تلك المحاولات أي استجابة أو إرشاد قانوني يُذكر.
ومثل رد المجلس القومي للمرأة، يبقى هؤلاء المواطنون "عدم"، يعيشون بلا أوراق رسمية، محرومين من التعليم والخدمات الصحية والحماية القانونية، وهم رغم ذلك جزء لا يتجزأ من المجتمع، يستهلكون الموارد دون ظهور رسمي، ويظلون خارج نطاق العدالة. يجعل ذلك منهم الفئة المختفية والمخيفة الأكبر بين المواطنين، وسؤال يظل بلا إجابة، فكم منهم يعيشون اليوم بيننا في صمت؟