"ماحدش شاف ماكينة فيها فلوس".. القصة الكاملة لأزمة الـATM قبل العيد وحلولها

تعكس أزمة ماكينات الصراف الآلي الحالية صورة واضحة لحالة الجزر المنعزلة التي تعاني منها الجهات الحكومية، إذ تتخذ كل جهة قراراتها بمعزل عن تأثيراتها في الجهات الأخرى، فتكون النتيجة معاناة المواطن حتى في الحصول على راتبه أو معاشه الشهري.

ولا يخلو أي بنك مصري، في الوقت الراهن، من طوابير طويلة لمواطنين يقفون أمام ماكينات الصراف الآلي، منتظرين حظهم في سحب رواتبهم، بينما يجول آخرون في شوارع القاهرة "كعب داير" بحثًا عن ماكينة داخل الخدمة وبها أموال، رافعين شعار "ماحدش شاف ماكينة شغالة يا ولاد".

ماذا يجري؟

كشف محمد الأتربي، رئيس اتحاد بنوك مصر والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي، أن الأزمة الحالية سببها وزارتا التضامن والمالية، اللتان قررتا تبكير صرف المعاشات إلى يوم 24 من الشهر بدلًا من يوم 1 يونيو، ما جعل التوقيت يتزامن مع صرف الرواتب في غالبية الشركات الخاصة، التي تمثل الجزء الأكبر من القوى العاملة في مصر حاليًا.

وأوضح الأتربي، في تصريحات متلفزة لـ"قناة إكسترا نيوز"، أن "المصريين سحبوا 9 مليارات جنيه في يومين من ماكينات البنك الأهلي، بسبب تزامن ضغط الإجازات مع صرف الرواتب، فضلًا عن تركز السحب في وقت واحد".

وقد دفع هذا التبكير 11.5 مليون مواطن من المستفيدين من المعاشات إلى ماكينات الصراف الآلي، وهي فئة معروف عنها أنها تستغرق وقتًا أطول في الحصول على مستحقاتها من الماكينات، وغالبًا ما تحتاج إلى مساعدة، وهو ما أطال المدى الزمني للسحبة الواحدة من الماكينة إن كانت تحتوي على أموال من الأساس، حسب الأتربي.

وفي التوقيت ذاته، بدأت غالبية الشركات الخاصة تحويل رواتب العاملين بها، وهم فئة تمثل نحو 80% من إجمالي القوى العاملة المصرية، بإجمالي رواتب سنوية تعادل 596.719 مليار جنيه، أي ما يعادل نحو 50 مليار جنيه شهريًا، وهي شريحة نزلت أيضًا إلى ماكينات الصراف الآلي للحصول على مستحقاتها الشهرية. ويشير محمد الأتربي إلى أن السحب يتراوح بين 2 و4 مليارات جنيه في الأوقات المعتادة، لكن المبالغ المسحوبة خلال يومين وصلت إلى الضعف، أي حوالي 9 مليارات جنيه، مضيفًا أن البنك الأهلي وبنك مصر هما أكبر بنكين في السوق، ولديهما حوالي 13 ألف ماكينة صراف آلي.

لكن تصريحات الأتربي تشير أيضًا إلى مشكلة أخرى تتعلق بالحاجة إلى ضخ استثمارات جديدة في ماكينات الصراف الآلي لتلبي الزيادة السكانية وخطط البنك المركزي لنشر الشمول المالي وإلغاء التعاملات الورقية.

ويصل عدد ماكينات الصراف الآلي المنتشرة في أنحاء الجمهورية إلى نحو 26 ألفًا و160 ماكينة، بينما تجاوز عدد حاملي البطاقات البنكية 27.5 مليون بطاقة، بخلاف مستخدمي خدمات المحافظ الإلكترونية الذين يستخدمون "خدمات بلا بطاقة" في ماكينات الصراف الآلي.

ويظهر عدد ماكينات الصراف الآلي وحجم البطاقات أن كل ماكينة تخدم في المتوسط نحو 1052 بطاقة خصم مباشر، كما أن البنك الأهلي، الذي يبلغ عدد عملائه على سبيل المثال 22 مليون عميل، لديه 7232 ماكينة صراف آلي، بما يجعل حصة كل 3042 عميلًا ماكينة صراف آلي واحدة.

تحرك نيابي

وأمام تفاقم المشكلة، تقدم النائب أشرف سعد سليمان، عضو مجلس النواب، بـبيان عاجل إلى رئيس المجلس موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء ومحافظ البنك المركزي، حول نقص السيولة النقدية داخل ماكينات الصراف الآلي، وتكدس المواطنين واستغلال البعض لهم، بالتزامن مع قرب حلول عيد الأضحى المبارك.

وأكد النائب أن عددًا كبيرًا من المواطنين اشتكوا خلال الأيام الماضية من عدم توافر الأموال داخل ماكينات الصراف الآلي في العديد من المناطق، الأمر الذي أدى إلى حالة من الزحام الشديد، مع زيادة احتياجات الأسر المصرية وصرف المرتبات والمعاشات قبل العيد.

وأشار إلى أن الأزمة تسببت في معاناة كبيرة للمواطنين، لا سيما كبار السن وأصحاب المعاشات والموظفين، فضلًا عن استغلال بعض الأشخاص للأزمة عبر فرض مبالغ إضافية مقابل توفير السيولة النقدية، وهو ما يتطلب تدخلًا عاجلًا وحاسمًا.

وطالب الحكومة والبنك المركزي بسرعة تغذية ماكينات الصراف الآلي بشكل مستمر، وضمان توافر السيولة الكافية في جميع المحافظات، مع تكثيف الرقابة والمتابعة على ماكينات الصرف والبنوك خلال الفترة الحالية، منعًا لتكرار الأزمة وحفاظًا على حقوق المواطنين.

الدور على مين في الطابور؟

وفي الشارع، يبدو الوضع أصعب من بيان النائب، إذ تقول ليلى رمضان، موظفة على المعاش، إنها اضطرت إلى المشي من ميدان التحرير حتى محطة السكك الحديد للعثور على ماكينة صراف آلي بها أموال، وكان حظها أنها وصلت في وقت كانت فيه إحدى الماكينات تُغذّى.

وأضافت، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أنها لم تستطع الوقوف، فجلست أمام الماكينة، فتعاطف معها طابور الواقفين وسمحوا لها بأن تتخطى الدور بعد رحلة مشي استمرت منها قرابة الساعة، لصرف معاش قدره 3400 جنيه فقط.

أما محمود زرعي، موظف بشركة استيراد وتصدير، فقد اضطر إلى التوجه بالسيارة من التوفيقية بوسط القاهرة حتى مصر الجديدة للحصول على ماكينة تعمل وبها أموال من أجل سداد مشتريات لسيارته من التوفيقية، في رحلة أضاعت عليه الوقت والزبائن، واستنزفت منه بنزينًا إضافيًا.

ويقول أحمد علي، محامٍ، لـ"فكر تاني"، إنه بعد رحلة مضنية استطاع العثور على مواطن يريد إجراء إيداع أمام ماكينة صراف آلي لسداد مستحقات فيزا مشتريات، فحصل منه على الكاش، وأجرى له تحويلًا عبر إنستا باي، مضيفًا أن التطبيق، مع الضغط، يواجه مشكلات أيضًا.

أخطاء متراكمة

يقول أحمد العطيفي، محلل سوق المال، إن مشكلة ماكينة ATM تكشف أخطاء متراكمة، فالكل يتحدث عن نقص السيولة والإهمال من شركات نقل الأموال، لكن هناك علاقة بين المشكلة والتضخم وعدد مرات السحب من ماكينة ATM، ففي نفس الوقت العام الماضي كانت السلع أقل من العام الحالي بمقدار الضعف، وبالتالي يضطر المواطن إلى سحب ضعف المبلغ المعتاد من أجل تلبية الشراء المعتاد.

وأضاف، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن العميل إذا أراد السحب من فرع غير فرع بطاقته، فسيواجه مشكلة أن الحد الأقصى للسحب آلاف جنيه في المرة، وسيحتاج إلى استخدام الماكينة أكثر، ما يؤدي إلى نفاد الأموال بها وطول عملية السحب، مضيفًا أن الخطأ من القائمين على المنظومة لوضعهم قيدًا على حدود السحب لم يتغير منذ أكثر من عام، سعيًا وراء عمولة سحب أكبر.

وأضاف أن الخطأ الثاني هو عدم انتشار الماكينات مقارنة بحجم ارتفاع أعداد العملاء بالبنوك، وفتح حسابات للجميع، وتطبيق الشمول المالي على المجتمع، وهو أمر إيجابي، لكن له سلبيات تظهر وتحتاج إلى معالجة، موضحًا أنك لو توجهت إلى البنك لسحب مبلغ أقل من 10 آلاف جنيه بسبب عدم وجود ماكينة صرف عاملة، يحصل البنك على مصاريف أكبر، مضيفًا أنه شاهد ذلك في أحد البنوك، بسيدة انتظرت ساعة لكي تسحب 3000 جنيه، ثم طلب منها الموظف 50 جنيهًا غرامة.

ويؤكد أن هناك إشكالية تتمثل في علاقة الشمول المالي بماكينات صرف الأموال، فالشمول المالي يعني شمول المجتمع كله بخدمات البنوك، وأحد دعائمه امتلاك المجتمع كله حسابات بنوك وكارت، وأن يملك كل التجار ماكينات الدفع، وهذا يعني عدم الحاجة إلى سيولة، لأن كل الاحتياجات يمكن شراؤها بالفيزا، وهذا لم يحدث بشكل كامل، لأننا نحتاج إلى كاش يوميًا لسداد أجرة الميكروباص، ومحصل الكهرباء والمياه والغاز، والمدرس الخصوصي، وفاتورة الطبيب، وورشة تصليح السيارة، وشراء الخبز والخضروات، ما يعني أن المجتمع لن يصل إلى الشمولية الكاملة، وبالتالي تظل السيولة مهمة.

وأوضح أن ماكينات الصرف المنتشرة لها طاقة تخزين، وأن عدد الأدراج ثابت يصعب تعديله، وبالتالي تحتاج البنوك إلى تغيير طاقة التخزين بشراء ماكينات ضخمة، وتوفير سيارات متنقلة توجد بها ماكينات سحب أموال تتواجد في المناسبات.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة