من الاختبار إلى التطبيق.. هل تنجح الحلول المستدامة في معالجة أزمة المياه في مصر؟

على بعد نحو 45 كيلو متر من قلب القاهرة في اتجاه شمال شرق  تقع جمعية أحمد عرابي  على طريق مصر الإسماعيلية الصحراوي بالقرب من مدينة العبور، تلك الجمعية التي تم تأسيسها في نهاية السبعينات من القرن الماضي، على مساحة 12 ألف فدان بهدف الاستصلاح والاستزراع لتلك المساحة، تقسم الأرض فيها إلى قطع زراعية وتستمد مياه الري بشكل أساسي من قناة الإسماعيلية، كما تتوفر بها شبكة مياه شرب منفصلة، ولكن نظرُا لتدهور مياه الري اضطر المزارعون إلى الاعتماد على المياه الصالحة للشرب للماشية والزراعة، والتي تكلف ما يقرب من عشرين ضعف تكلفة مياه الري ، وهو ما تسبب في زيادة وطأة الأعباء التي يتحملونها بشكل مباشر، والضغط على الموارد المائية بشكل غير مباشر.

ففي ظل هذه الضغوط  تتنامى الحاجة إلى حلول منخفضة التكلفة وقابلة للتنفيذ، مما يتطلب  ابتكار حلول مستدامة لمواجهة الجفاف المائي،  خاصة في الزراعة -التي تعد أحد  أكبر مصادر استهلاك المياة-  ولتقنين الأساليب والطرق التقليدية لاستخدام المياة بها، ولذلك تعد الحلول المعتمدة على الطبيعة لتحسين دورة المياه الحضرية أحد أهم الأهداف المستدامة التي يجب اتباعها لمواجة أزمة الجفاف المائي الذي يهدد مصر منذ سنوات، و يعتبر معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها في الزراعة أحد أهم التقنيات الحديثة في ذلك الأطار والتي تم تنفيذها في العديد من الدول.

الجدوى الاقتصادية وتكامل الموارد

"عبدالسلام محمد"  أحد المزارعين في الجمعية، استأجر قطعة أرض منذ عام 2015 لمدة عشرة  أعوام لزراعتها "بعد مرور عدة أشهر بدأت الماشية يظهر عليها عدد من الأعراض المرضية والتي شخصها الطبيب المختص أنها نتيجة تلوث المياه التي يتم الاعتماد عليها في الزراعة والشرب للحيوانات في الجمعية، ما دفعني للاعتماد على مياه الشرب، وزاد ذلك من وطأة الأعباء المالية التي تحملتها و انخفاض أرباحي التي كنت أسعى لها  من ذلك الاستثمار" حسب قوله.

 

أشار "عبد السلام" إلى أن الزراعة هي النشاط الرئيسي في الجمعية، ولا سيما زراعة بساتين المانجو، وفي السنوات الأخيرة، تحوّل عدد كبير من المزارعين نحو تربية المواشي، وبعد تلوث مياه الري نتيجة تصريف مياه الصرف في المصارف القريبة من القناة، اضطر المزارعون إلى الاعتماد على المياه الصالحة للشرب للماشية لحمايتهم من الأمراض.

 

لم تختلف تجربة عبد السلام كثيرًا عن تجربة صديقه " أحمد عادل" الذي يمتلك قطعة من الأرض معه في الجمعية ويعاني من المشكلة ذاتها، بعد تلوث المياه المخصصة للري والماشية، اضطر أن يستخدم مياه الشرب، مبينًا أن الأرض في الجمعية مقسمة إلى قطع زراعية، كل منها مزودة بمنفذ مياه ري بقطر بوصتين.

كما تتوفر شبكة مياه شرب منفصلة، وبعد تعرض العديد من الماشية للأمراض وتلوث النبات اضطر الكثير منهم إلى استخدام المياه المخصصة للشرب في الأغراض الزراعية.

 

ومن خلال تتبع كمية المياه النقية المنتجة خلال السنوات العشرة الماضية بالاستناد إلى النشرة السنوية لإحصاءات المياه النقية والصرف الصحي الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تبين أن عام 2024 هو الأعلى في حجم الإنتاج بمقدار 11.6 مليار متر مكعب في حين جاء عام 2015 في المركز الأخير من حجم الإنتاج بـ 4.5 مليار متر مكعب، وذلك بنسبة زيادة بلغت 140% خلال السنوات العشرة .

 

 

 

رسم بياني يوضح : (كمية المياه النقية المنتجة خلال عشر سنوات)

 

وأوضحت البيانات أن نصيب الفرد من المياه النقية المنتجة بلغ 108.6 متر مكعب مقارنة بـ 101.1 متر مكعب  خلال العام الأول من فترة الرصد 2015، بنسبة زيادة بلغت 7.9%  على مدار السنوات العشرة، في حين كشفت البيانات أن الفرد في مصر حصل على أعلى نصيب له من المياه النقية خلال عام 2019  وذلك بمقدار 113 متر مكعب.

 

 

رسم بياني يوضح: ( نصيب الفرد من المياة النقية المنتجة خلال عشر سنوات)

 

وفي هذا الإطار  تتضاعف الضغوط على الموارد المائية في مصر، مما يتطلب  توفير حلول مستدامة منخفضة التكلفة وقابلة للتنفيذ لمواجهة تلك الأزمة،  خاصة في الزراعة  لتقنين الأساليب والطرق التقليدية لاستخدام المياه بها،  حيث يتم استهلاك 85% منها في القطاع الزراعي، وذلك بنظام الري بالغمر الذي يهدر حوالي 50% من إجمالي كمية الري. واستخدام التكنولوجيا سيؤدي إلى تحقيق وفر مائي ووفر في الأسمدة يتراوح ما بين 8% إلى 55%، وزيادة في الإنتاج تتراوح ما بين 1% إلى 50%، للمحاصيل، وذلك وفق ما أشارت إليه دراسة " استدامة المياه في مصر الري الواقع – التحديات- المشكلات والحلول"

و قال وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم،  خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ، في يناير الماضي ، إن "الحكومة تعيد استخدام نحو 23.20 مليار متر مكعب من المياه سنوياً لسد الفجوة بين الطلب المتزايد ومصادر المياه المتجددة"، على ضوء تراجع نصيب الفرد من المياه في مصر إلى حوالي 500 متر مكعب سنوياً نتيجة الزيادة السكانية، بينما يمثل معيار الفقر المائي أقل من ألف متر مكعب.

وأضاف سويلم، إن "الطلب على المياه في مصر يبلغ 88.55 مليار متر مكعب سنوياً، مقسمة بواقع 68.10 ملياراً للزراعة، و12.45 ملياراً لمياه الشرب، و5.50 مليارات للصناعة، و2.50 مليار للأغراض الأخرى، في حين تقدر مصادر المياه بنحو 65.35 مليار متر مكعب، مقسمة إلى 55.50 ملياراً هي حصة مصر من مياه نهر النيل، و0.65 مليار من تحلية مياه البحر، و1.30 مليار من مياه الأمطار، و7.90 مليارات من المياه الجوفية العميقة غير المتجددة".

العلم يحاكي الطبيعة

من خلال تحليل بيانات محطات الصرف الصحي المعالجة وفق النشرة السنوية لإحصاءات المياه النقية والصرف الصحي الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تبين أن إجمالي عدد المحطات خلال السنوات العشرة بلغ 4 آلاف 434 محطة، وأن عام 2024 هو الأعلى بعدد 518 محطة بنسبة زيادة بلغت 32.5% خلال فترة الرصد، وجاء عام 2016 في المرتبة الأخيرة بـ  318 محطة صرف صحي معالجة.

 

 

رسم بياني يوضح: ( عدد محطات الصرف الصحي المعالجة خلال عشر سنوات)

 

ومن جانبه كشف الدكتور السيد الحجري الخبير في توفير المياة في مركز أبحاث الصحراء، أن الحلول المعتمدة على الطبيعة لتحسين دورة المياه - خاصة في المدن الحضرية - أحد أهم الأهداف المستدامة التي يجب اتباعها لمواجهة أزمة الجفاف المائي الذي يهدد مصر منذ سنوات، ويعتبر معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها في الزراعة أحد أهم التقنيات الحديثة  والتي تم تنفيذها في العديد من الدول.

وأشار خلال حديثه لـ "فكر تاني " أن هناك عدة تصنيفات من المياة حسب مصدرها أو طبيعة تلوثها منها مياه الأنهار والأمطار ومياه العواصف و مياه الصرف الزراعي والصرف الصحي ، وتتمثل حصة مصر من هذه الأنواع في نوعين رئيسيين من المياه وهما نهر النيل ومياه الصرف الصحي، ما يتطلب حلول مبتكرة قائمة على الطبيعة لإعادة استخدامها مرة أخرى بدلًا من الاعتماد على مياه الشرب الأساسية للإنسان، خاصة أن هذا الوضع يسلط الضوء على خطر بيئي واقتصادي وصحي عام، ويؤكد على الحاجة إلى حلول مبتكرة قائمة على الطبيعة قادرة على إزالة الملوثات ومسببات الأمراض من مياه الري، لضمان استخدامها الآمن والمستدام في إنتاج الثروة الحيوانية.

 

وأوضح خبير توفير المياه في مركز أبحاث الصحراء، أن هناك العديد من التقنيات التي يمكن من خلالها مواجهة ذلك، ومنها تقنية "الأراضي الرطبة لمعالجة المياه" والتي ثبت مدى فاعليتها في توفير مياه نظيفة، والتي تم تطبيقها في منطقة جمعية أحمد عرابي.

 

مضيفًا أن "التحدي الحقيقي الذي تم مواجهته في منطقة جمعية أحمد عرابي لم يكن فقط نقص المياه، بل تدهور جودتها نتيجة التلوث الميكروبي والمعادن الثقيلة، خاصة بكتيريا الإشريكية القولونية والسالمونيلا، وهو ما شكّل خطرًا مباشرًا على الإنتاج الحيواني وصحة الإنسان."

وأوضح أن اعتماد المزارعين على مياه الشرب لإنتاج الدواجن والماشية كان يمثل عبئًا اقتصاديًا ضخمًا، إذ تصل تكلفتها إلى نحو عشرين ضعف تكلفة مياه الري، مضيفًا مبينًا أنه كان لا بد من إيجاد حل مستدام منخفض التكلفة، يعتمد على الطبيعة نفسها في تنقية المياه."

وأشار إلى أن الفريق البحثي صمّم ونفّذ نموذجين من الأراضي الرطبة المُنشأة ذات التدفق الرأسي تحت السطحي، أحدهما مزروع بنبات القصب، والآخر بدون نباتات، ثم تم تطوير نموذج هجين باستخدام نبات البردي، بالتعاون مع شركاء بحثيين دوليين، ما مكن هذه النماذج من الحصول على تمويل الاتحاد الأوروبي في برنامج هورايزون عام 2020.

لا سيما وأن النتائج كانت مشجعة للغاية – على حد وصفة-  فقد نجح النظام في إزالة بكتيريا الإشريكية القولونية والسالمونيلا بالكامل، وخفض نسب الملوثات العضوية والمواد الصلبة والنيتروجين بنسب كبيرة، مع قدرة معالجة تصل إلى 15 مترًا مكعبًا يوميًا، وهي كمية تكفي لري فدان واحد، و أن الأراضي الرطبة المزروعة أثبتت كفاءة أعلى"

واختتم الدكتور الحجري تصريحاته قائلًا "الحلول القائمة على الطبيعة لم تعد خيارًا تجريبيًا، بل أصبحت ضرورة في ظل ندرة المياه وتغير المناخ. هذا النموذج يثبت أننا قادرون على معالجة المياه الملوثة وإعادة استخدامها بأمان في الزراعة والإنتاج الحيواني، بتكلفة أقل تأثير بيئي إيجابي، مع تعزيز ترابط المياه والطاقة والغذاء والنظام البيئي."

 

فتح أبواب الابتكار

 

الدكتور أيمن عياد، مدير برامج المياه والبنية التحتية الاجتماعية ببعثة الاتحاد الأوروبي في مصر وشار إلى أبرز التحديات التي تواجه قطاع المياه في مصر، ومن بينها محدودية نصيب الفرد من الموارد المائية، وضغوط النمو السكاني وتغير المناخ، والحاجة إلى حلول متكاملة تتجاوز تنفيذ البنية التحتية وحدها، مؤكدا التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومصر في قطاع المياه، ساهم منذ عام 2007 بمنح تجاوزت 600 مليون يورو لدعم تطوير القطاع وتعزيز استدامتها، و ذلك ضمن حزم تمويلية تصل الي ٣ و نصف مليار يورو

كما أوضح أن دعم الاتحاد الأوروبي يشمل تمويل مشروعات مياه وصرف صحي و صرف زراعي وتطوير شبكات مياه الشرب والصرف الصحي، إلى جانب دعم الإصلاح المؤسسي، وتحسين الحوكمة، وبناء القدرات، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.

وتناول عياد في حديثهلـ"فكر تاني"  كذلك أهمية التمويل المدمج في تعبئة موارد إضافية من خلال الجمع بين منح الاتحاد الأوروبي وتمويل بنوك التنمية و دمجها مع برامج التمويل المحلية من الموازنة العامة للدولة.

وأشار إلى أهمية نهج الترابط بين المياه والغذاء والطاقة، بما في ذلك من خلال منصة NWFE، التي أطلقتها الدولة المصرية ضمن مؤتمر المناخ كوب ٢٧ في شرم الشيخ في تعزيز فرص التمويل المناخي ودعم أولويات الاستدامة والمرونة المناخية في مصر، مؤكدًا أهمية بناء منظومة متكاملة لتعزيز القدرة على الصمود المائي، تجمع بين الاستثمار في البنية التحتية، والإصلاح المؤسسي، والابتكار، والتواصل مع القطاع الخاص وتشجيع الابتكار و الربط ما بين توطين الصناعة و الاستثمار و الابتكار و البحث.

 

ومع تزايد التحديات  التي تواجه مصر في مجالات المياه والطاقة والأمن الغذائي، أصبح تمويل البحث العلمي والابتكار عنصرًا حاسمًا في إيجاد حلول مستدامة، خاصة وأن تمويل المشروعات البحثية التطبيقية لمواجهة الأزمات الحيوية يعد أحد الركائز الأساسية للتغلب على تلك الأزمات.

 

 

رسم بياني يوضح:( كمية مياه الصرف المعالج خلال عشر السنوات)

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة