تحولت أحلام المعلمة دعاء محمد بمحافظة الشرقية إلى سراب بعد 3 سنوات من العمل كمدرسة بالحصة مقابل أجر زهيد أملا في التعيين.
تقول دعاء لـ"فكر تاني": على الورق أنا مش موجودة، بس كل يوم من 7 الصبح، بشرح وبراجع، وبمشي آخر اليوم زي أي مدرس أساسي، لكن مليش عقد أو تأمين أو حتى وعد بالاستمرار، وماباخدش فلوس، ملاليم كل شهرين ما يكفيش حتى مصاريف المواصلات والإفطار.
دعاء محمد، واحدة من آلاف معلمي الحصة الذين يترقبون “بوابة الوظائف الحكومية” بقلق مستمر بعد إعلان الحكومة عن مسابقة تعيينهم كمعلمين مساعدين.
في أبريل 2026، أعلن الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة تفاصيل مسابقة معلمي الحصة، وجاءت المفاجأة أن الاختبارات الإلكترونية فُتحت فقط لمعلمي “الدراسات الاجتماعية” من معلمي الحصة، بينما تُرك عشرات الآلاف من المعلمين في التخصصات الأخرى، ممن ساهموا في سد العجز لسنوات، أمام مستقبل غير محسوم.
بداية حكاية العجز
في ظل تجميد التعيينات الحكومية منذ جائحة كورونا، استجابة للقيود المفروضة على الموازنة العامة، لجأت وزارة التربية والتعليم إلى سد العجز في أعداد المدرسين بدوام كامل في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية، والذي يُقدر بنحو 470 ألف معلم، عبر التوسع في الاستعانة بمعلمين بعقود نظام الحصة.
ومنذ اعتماد هذا النظام في 2020، شهد عدد المتقدمين له تزايدًا، وصولًا إلى تعيين 50 ألف معلم بنظام الحصة على مستوى الجمهورية، غير أن هشاشة أوضاع مدرسي الحصة، بما يشمل تدني الأجور، وساعات العمل غير المدفوعة، وانعدام الأمان الوظيفي، دفعت الكثيرين إلى تعليق آمال كبيرة على المسابقات الحكومية بحثًا عن قدر من الاستقرار.
وفي ظل اعتراف رسمي بجهود معلمي الحصة وخبراتهم، وافقت الحكومة، على تنظيم مسابقات لتعيين مدرسي الحصة كمدرسين مساعدين، منفصلة عن مسابقات تعيين 30 ألف معلم سنويًا، التي بدأت مع إعلان رئاسي في 2022 بتعيين 150 ألف معلم خلال خمس سنوات تنتهي في 2027 لسد العجز المزمن، وكان آخر إعلان موسع في أوائل 2025، حيث أعلنت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني في مصر لإطلاق مسابقة لتعيين 48ألف معلم من العاملين بنظام الحصة، تنفيذًا لتوجيهات حكومية لتقنين أوضاعهم وسد العجز.
في أكتوبر 2024، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي موافقة الحكومة على تخصيص مسابقة منفصلة لمعلمي الحصة، باعتبارها فرصة استثنائية لتقنين أوضاع من ساهموا لسنوات في سد العجز داخل المدارس، فيما قال نائب وزير التعليم آنذاك، أيمن بهاء الدين، إن المسابقة تأتي تقديرًا لخبراتهم والتزامهم، وبشكل مستقل عن مسابقة الـ30 ألف معلم، لكن فوجئ آلاف المعلمين باستبعاد آخرين بسبب شروط المؤهل أو عدم الاعتداد بالإفادة التربوية، ما أعاد الجدل حول مصير الوعود الحكومية الخاصة بتثبيت معلمي الحصة.
وفي مارس 2026، أعلن الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، برئاسة المهندس حاتم نبيل، بدء امتحانات مسابقات شغل وظائف “معلم مساعد” لمعلمي الحصة بوزارة التربية والتعليم، موضحًا أن الاختبارات ستُعقد تدريجيًا وفقًا لأولويات سد العجز في التخصصات الأكثر احتياجًا داخل المدارس، لكن الإعلان، الذي كان يُفترض أن يمثل خطوة نحو تقنين أوضاع معلمي الحصة، أثار موجة جديدة من الغضب بين آلاف المعلمين، بعد اقتصار الاختبارات على تخصصات بعينها، واستبعاد آخرين بسبب شروط المؤهل أو عدم الاعتداد بالإفادة التربوية، رغم اعتماد المدارس عليهم لسنوات في سد العجز داخل الفصول.
تقول دعاء لـ«فكر تاني»: عندما أعلنت شروط المسابقة، اكتشفت أن أحدها يحرمني من فرصة التقدم لوظيفة بدوام كامل في مدرسة حكومية، لأني كنت لسه مخلصة الدبلومة التربوي وقت الإعلان بالتعيين ودفعت فيها 8 آلاف جنيه، وشهادة النجاح ما طلعتش وقتها، وضاعت عليا فرصة التعيين، وأنا مستحملة بدي حصص بـ35 جنيها، وأنا فاتحة بيت.
دعاء ليست معلمة فقط، بل أم تُعيل طفلًا صغيرًا وحدها، بعد أن تركها زوجها وهي حامل، وتخلى عن كل مسؤولية، منذ ذلك الوقت وهي تُوازن بين دخل الحصة البسيط وبعض أعمال الخياطة، وتراكمت الديون عليها، تحاول أن تمنح ابنها فرصة لمستقبل أفضل، وتحلم بوظيفة
حكومية تضمن لها الاستقرار
تقول "إحنا أصلاً اتطلبنا من الإدارة نشتغل من غير تربوي، لأن المدارس كانت فاضية من المدرسين، طلبونا من كليات تجارة وآداب عشان يسدوا العجز، بقالي 3 سنين وفجأة لما جه وقت التعيين الأخير في عام 2025، بقى لازم تربوي وشهادة، طيب ما إحنا أصلاً شغالين بناءً على طلبكم من سنين، ودلوقتي بتستبعدونا".
الإفادة التربوية هي مستند رسمي مؤقت يُمنَح للخريجين الذين أنهوا الدبلومة التربوية (وهي دبلومة دراسات عليا تُمنح لخريجي الكليات غير التربوية، مثل التجارة أو الآداب، وتؤهلهم للعمل في مجال التدريس، وتُستخدم لإثبات النجاح في الدبلومة إلى حين صدور الشهادة النهائية من الجامعة، والتي قد تتأخر عدة شهور.
الحصة بـ35 جنيهًا
تصف دعاء تفاصيل المعاناة اليومية بدقة: "المرتب اللي بيقولوا عليه 50 جنيها في الحصة، عمرنا ما شوفناه، اللي بنقبضه فعليًا 35 جنيها، وبياخدوا منه تأمينات واستقطاعات، وآخر مرة قبضت فيها كانت من شهرين، المرتب بيخلص في المواصلات والإفطار، دا غير إننا بنشتري أدواتنا على حسابنا: أقلام السبورة، دفاتر التحضير، أقلام التصحيح، كله من جيبي، كل حاجة كنت بشتريها عشان أشرح للعيال كويس، عشان ما أحسسهمش إن مفيش فرق بيني وبين المدرس المعين".
وتضيف: "في صديقة ليا اسمها مي، كانت بتركب مواصلتين كل يوم عشان توصل لمدرسة بإحدى قرى محافظة الشرقية، عندها طفل، وكانت بتسيبه من الفجر عشان تلحق الحصة، فيه أمهات كتير زيها، بيشتغلوا على أمل واحد، إن الوزير وعد بمسابقة خاصة بينا، وقال إنها هتكون مختلفة، وإن هيكون فيها تيسيرات".
تقول: "بس كل ده راح، نزلوا المسابقة من غير ولا تيسير، لا قبلوا إننا لسه بنخلص التربوي، ولا قبلوا إن إحنا اشتغلنا بناءً على طلبهم، وكأننا ما عملناش حاجة، وكأن السنين دي كلها كأنها مش موجودة".
وتؤكد: "إحنا مكناش طالبين يتغاضوا عن الشروط، وكان كل مطالبنا أن يقبلوا إفادة التربوي، لأن على ما تيجي اختبارات التنظيم والإدارة نكون خلصنا الدبلومة وجبنا الشهادة، ده أقل تقدير لكل اللي قدمناه".
دعاء واحده من120 ألف معلم، يتقاضى كل منهم 35 جنيهًا عن الحصة، بحد أقصى 20 حصة أسبوعيًا، على الرغم من أن الوزارة حددت50 جنيها مقابل الحصة إلا أنه لم يطبق حتى الآن.
ضعف المقابل المالي يترافق بحسب شهادات عدد من معلمي الحصة لـ«فكر تاني»، مع ما يصفونه بـ«الإذلال الإداري»؛ إذ يقول معلمون إن إجراءات الاستعانة بهم تتضمن توقيع إقرارات بعدم المطالبة بالتعيين أو التثبيت مستقبلًا، رغم اعتماد المدارس عليهم لسد العجز داخل الفصول، ويبدأ المعلم عمله بخطاب توجيه من الإدارة التعليمية بعد موافقة الجهات الأمنية، مع اشتراط عدم وجود أقارب له داخل المدرسة، ومنعه من المشاركة في أعمال الامتحانات، باعتباره “استعانة مؤقتة” لا موظفًا دائمًا.
ووفقًا لأحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التعليم، يواجه قطاع التعليم العام أزمة نقص حادة في الكوادر البشرية، حيث صرّح وزير التعليم بأن العجز الفعلي في أعداد المعلمين على مستوى الجمهورية قد وصل إلى 469,860 معلمًا، وهو رقم يضع جميع مسابقات التوظيف الأخيرة، بما فيها تلك المخصصة لمعلمي الحصة، في سياق محاولة لسد جزء ضئيل من فجوة عميقة تهدد جودة ومستقبل التعليم في مصر.
ورغم اتجاه الدولة للتوسع في الاستعانة بمعلمي الحصة لسد العجز داخل المدارس، أقرت وزارة التربية والتعليم بأن الأزمة تعود إلى تراكمات ممتدة منذ سنوات، نتيجة توقف تكليف خريجي كليات التربية وخروج ما بين 30 إلى 50 ألف معلم سنويًا إلى المعاش، ما أدى إلى وصول العجز لنحو 468 ألف معلم على مستوى الجمهورية، بحسب تصريحات الدكتور أكرم حسن، مساعد وزير التربية والتعليم، الذي أوضح أن الوزارة استعانت بنحو 200 ألف معلم حصة كحل مؤقت لمواجهة الأزمة، إلى جانب تعيين قرابة 60 ألف معلم خلال السنوات الثلاث الماضية ضمن مسابقة الـ30 ألف معلم، مع إعداد دفعات جديدة تمهيدًا لضمها إلى المنظومة التعليمية.
زيادة أعداد الطلاب ونقص أعداد المعلمين
ارتفع عدد الطلاب في مراحل ما قبل التعليم الجامعي بمقدار 1.4 مليون طالب خلال خمس سنوات، ليصل إلى نحو 25.8 مليون طالب في العام الدراسي 2024/2025 مقارنة بـ24.4 مليون فقط في 2020/2021.
https://public.flourish.studio/visualisation/23878521/
في الوقت نفسه، فقدت وزارة التربية والتعليم نحو 134 ألف معلم خلال خمس سنوات، حيث تراجع العدد الإجمالي من أكثر من مليون معلم في عام 2020/2021 إلى 876 ألفًا فقط في عام 2024/2025، بحسب بيانات مركز المعلومات بالوزارة.
https://public.flourish.studio/visualisation/23878525/
أكد خلف الزناتي، نقيب المعلمين ورئيس اتحاد المعلمين العرب، أن الأوضاع داخل الإدارات والمدارس شهدت تحسنًا “ملموسًا ومحسوسًا”، وإن الأعداد التي كانت قليلة داخل المدارس زادت بصورة واضحة، لكنه أوضح أن أرقام العجز التي تعلنها الوزارة تختلف عما وصفه بـ«العجز الحقيقي» من وجهة نظر النقابة، مشيرًا إلى خروج أكثر من 460 ألف معلم من الخدمة خلال السنوات الأخيرة، يقترب عددهم من نصف مليون، وجميعهم كانوا معينين ويتقاضون رواتبهم من الدولة ووزارة المالية.
واعتبر الزناتي، أن الاعتماد على “التعاقد بالحصة” ومد الخدمة للمعلمين بعد سن المعاش يمثل حلًا “مسكنًا” وليس حلًا أساسيًا للأزمة، مؤكدًا أن الأساس هو تعيين المعلمين بشكل دائم على غرار مسابقة الـ30 ألف معلم، بينما تأتي حلول “الحصة” والاستمرار بعد المعاش كإجراءات مؤقتة لمواجهة الأعداد الكبيرة من العجز دون ضمان استمرارية الحل الجذري، مضيفًا أن النقابة فتحت باب العضوية أمام المعلمين المتعاقدين بالحصة بعضوية مؤقتة تُجدد سنويًا طوال فترة التعاقد، وتتحول إلى عضوية دائمة حال تثبيت المعلم.
وشدد على ضرورة التطبيق الكامل لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بشأن تعيين 30 ألف معلم سنويًا لمدة خمس سنوات، موضحًا أن ما تم تعيينه حتى الآن يقتصر على دفعة الـ30 ألف ثم دفعة الـ16 ألف معلم فقط، وهو ما لا يكفي بحسب قوله لحل الأزمة الحقيقية داخل المدارس.
وفي السياق نفسه، حذّر الدكتور أشرف الشيحي، رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، من الاعتماد طويل المدى على نظام معلمي الحصة، معتبرًا أنه حل مؤقت لا يضمن جودة العملية التعليمية، مؤكدًا أن المنظومة التعليمية تحتاج إلى خطة واضحة ومستدامة لسد العجز في أعداد المعلمين خلال السنوات المقبلة، تشمل إعداد وتأهيل كوادر جديدة بشكل احترافي، وإنشاء أكاديمية متخصصة لتدريب خريجي كليات التربية قبل التحاقهم بالمدارس، إلى جانب وضع تصور تدريجي للاستغناء عن الاعتماد الواسع على معلمي الحصة عبر جدول زمني واضح لتحسين أوضاع المعلمين داخل المدارس.
عبث إداري وتخبط
في المقابل، وجّه عبدالرحمن المهدلي، مؤسس ورئيس مبادرة "إحنا قدها"، انتقادات لاذعة لما وصفه بـ"العبث الإداري والتخبط المزمن" الذي يحيط بملف معلمي الحصة، معتبرًا أن ما يحدث ليس مجرد خلل مؤقت، بل "منظومة كاملة من التناقضات" تُهدر جهد المعلمين وتُقصيهم في اللحظة التي يُنتظر فيها إنصافهم، خلال حديثه مع "فكر تاني".
يقول المهدلي إن هذه الفئة تحملت طوال عام دراسي كامل أعباء التدريس وسد العجز والإشراف على الامتحانات والتصحيح، دون أن تنال أبسط حقوقها: التقدير، أو حتى الشكر.
وأضاف: "كان من المفترض أن تصدر نهاية هذا العام رسالة شكر عامة لهؤلاء المعلمين، على الأقل من وكلاء الوزارات في المحافظات، لكن لم يحدث شيء، وكأننا لم نكن".
واعتبر المهدلي أن أصل الأزمة يعود إلى قرار الوزارة بقبول خريجي مؤهلات غير تربوية للعمل بالحصة لسد العجز الشديد، دون اشتراط الدبلومة التربوية، ثم استبعادهم فجأة من المسابقة الجديدة بحجة عدم انطباق الشروط عليهم.
"إذا كان الخطأ قد بدأ بقبول هذه المؤهلات وتكليف أصحابها بالعمل داخل المدارس، فلماذا تُعاقبهم الوزارة الآن؟"، ويتساءل المهدلي :"قبلتم تخصصات زي تجارة، آداب فرنساوي، تربية نوعية، أصول دين، هندسة زراعية وغيرها، واشتغلوا فعليًا وقدموا كل اللي عندهم، وبعدين تقولوا: آسفين، أنتم مش مطلوبين؟ دي مهزلة إدارية".
المؤهل لا يفيد
بعيدًا عن أزمة "الإفادة التربوية"، تبرز قضية فوزية أحمد، 28 عامًا المعلمة بالحصة بأحد مدارس محافظة الشرقية كدليل على التخبط في معايير التعيين.
فوزية، خريجة كلية التربية النوعية قسم الحاسب الآلي، لم تُستدع للعمل بالحصة مصادفة، بل لأنها كانت مطلوبة تحديدًا لسد العجز في تخصصها، تقول: "قدّمت لما الوزارة فتحت الباب لمعلمين الحصة، وكانوا طالبين تخصصي، واشتغلت فعلًا، وكنت مؤهلة زيي زي أي خريج، بالعكس، أنا معايا كمان مواد تربوية".
لكن ما كان منطقياً في وقت "سد العجز"، لم يعد كذلك في وقت "رد الجميل"، تقول فوزية بأسى: "في المسابقة تعيين 30 ألف معلم التي أعلنها جهاز التنظيم والإدارة في 2025، لم يدرجوا تخصصي 'تربية نوعية حاسب آلي' واختاروا 'علوم حاسب آلي' فقط، وهي كلية غير تربوية أصلاً، يعني إحنا بنقدم على شغلانة تدريس وهما اختاروا ناس مش دارسين تربية، وهنا يكمن العبث".
ما يزيد من إحباطها أن كلية التربية النوعية لا تختلف في جوهرها الأكاديمي عن كليات علوم الحاسب الآلي، لا في المناهج ولا في مستوى التأهيل التقني، لكنها تمتاز بإضافة المواد التربوية، "يعني اللي اتعلمته مش بس برمجة وشبكات، لأ، كمان إزاي أشرح وأتعامل مع الطالب وأقيّم أداءه، دي حاجات المفروض تبقى ميزة، مش عيب"، بحسب حديث فوزية لـ«فكر تاني».
منال رفعت، 35 عامًا، خريجة كلية الهندسة، وأم لثلاثة أبناء، ليست معينة، لكنها تصحو كل صباح لتشرح مادة الرياضيات في مدرسة على أطراف محافظة الشرقية، وتحمل إفادة تربوية مؤقتة بدلًا من شهادة، وفي نهاية كل شهرين أو ثلاثة، تنتظر ما تسميه "المرتب المؤجل" الذي بالكاد يغطي تكاليف المواصلات وأوراق التدريس.
تقول لـ"فكر تاني" :"أنا خريجة هندسة دفعة 2012، بعد التخرج حاولت أشتغل في مجالي، خدت كورسات، وقدّمت في مسابقات، بس كل ما أوصل باب ألاقيه مقفول، لأن التعيين للمهندسين بيقف عند سن 30، ولما عدّيت السن ده خلصت الفرص."
لم تيأس منال، ظلت تبحث عن ثغرة تفتح بابًا جديدًا، حتى رأت أعلان مسابقة التعيين وطلب الإدارات التعليمية خريجي هندسة وتجارة لتدريس الرياضيات بالحصة، دون اشتراط دبلومة تربوية، فرصة بدت أقرب إلى طوق نجاة.
تقول: "فرحت وقدّمت وقبلوني، وبدأت التدريس فورًا، بس المدرسة اللي وزعوني عليها كانت بعيدة جدًا، بروح لها في 3 مواصلات رايح و3 راجع، المرتب بيتأخر، وبياخدوا منه استقطاعات، ما بيوصلنيش 1000 جنيه في الشهر، ورغم التكاليف اختارت ألا أترك العمل، وبدأت أطوّر نفسي أكاديميًا، وقدّمت للدبلومة التربوية علشان أتأهل لأي فرصة جاية".
"كنت مقيدة في الدبلومة، ومعايا إفادة رسمية، وامتحاناتنا كانت خلال شهرين وتكون الشهادة معانا، لكن لما نزلت شروط المسابقة العام الماضي، لقيناهم طالبين الشهادة الأصلية، ومش معترفين بالإفادة!"، "إحنا طول العام الماضي كنا شغالين معاهم بالإفادة، واشتغلنا وقت الأزمة، ولما جت أول فرصة نثبت فيها نفسنا، اتقفل الباب في وشنا."
لا تعليق
تواصلت فكر تاني مع المتحدث الرسمي باسم وزارة التربية والتعليم شادي زلطة، للحصول على توضيحات رسمية بشأن أوضاع معلمي الحصة وما أثير حول شروط مسابقة التعيين العام الماضي وتفاصيل المسابقة الجديدة، وفي حين أبدى زلطة تجاوبًا أوليًا ووعد بالرد، إلا أنه عاد واعتذر لاحقًا عن التعليق دون إبداء أسباب، ما يترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من التساؤلات حول موقف الوزارة الرسمي من القضية.
فيما قال محمد ناصر، خريج كلية التجارة قسم محاسبة، أنا عمري 27 سنة، بشتغل معلم رياضيات في مدرسة الناصرية الابتدائية، مركز ومدينة الحسينية، بمحافظة الشرقية، يمكن أكون مش دارس تربية، بس بدخل الفصل يوميًا وأشرح لولاد الناس وكأني معين رسمي."
يقول لـ«فكر تاني» :"اشتغلت سنتين تطوع، من غير مرتب ولا حصة، بس علشان العجز كان رهيب، وماكانش فيه بديل، مافكرتش وقتها في مقابل، فكرت إني أساعد، وأثبت نفسي"، يضيف محمد، وهو يوضح أن تطوعه لم يكن تدريبًا، بل تدريسًا فعليًا بناءً على طلب الإدارة التعليمية.
ما يميّز محمد عن كثيرين أنه لم يتوقف عند مؤهله، بل بادر بالتسجيل في الدبلومة التربوية، وهو الآن يحمل إفادة قيد رسمية، حاله كحال أكثر من 80% من زملائه بالحصة هذا العام، الذين يدرسون الدبلومة على نفقتهم الخاصة على أمل استيفاء الشروط.
يقول: "المسابقة الل أعلنوا عليها في عام 2025 كانت أول مرة تكون مخصصة فعليًا للناس اللي زيي، بس الصدمة كانت إن الإفادة مش معترف بيها، وكأننا مش ماشيين في السكة الصح، كنا لسه في امتحانات التربوي، ولو استنوا شوية، الشهادة هتطلع"، يقول محمد بنبرة حزن لا تخلو من الإصرار.
رغم كل شيء، يقف محمد ودعاء ومنال وفوزية كل صباح داخل الفصل، يراجعون مع طلابهم، يشرحون الدروس بحماس، دون عقد رسمي أو تأمين أو استقرار وظيفي، حلمهم بسيط جدا الاعتراف بوجودهم.