فوضى انتقالية.. أثر قانون الأسرة الجديد على مئات الآلاف من قضايا الأحوال الشخصية

منذ إعلان الحكومة بداية الشهر الحالي تقديم مشروع قانون الأسرة الجديد للبرلمان لمناقشته وإقراره لم يتوقف الجدل داخل البرلمان وخارجه حول بنود مشروع القانون الذي يبدو انه لم يعجب أحد.

القانون الذي من المفترض أن ينظم العلاقة الأقدس عبر التاريخ بين الرجل والمرأة يتقاطع فيه القانون بالدين، وتتداخل فيه اعتبارات العدالة مع الأعراف الاجتماعية، وتتشابك فيه حقوق النساء والرجال والأطفال مع أزمات القضاء والتنفيذ والواقع الاقتصادي والاجتماعي.

وتبرز أهمية مشروع القانون في ظل ارتفاع حالات الطلاق في مصر حتى وصلت إلى 31 حالة طلاق كل ساعة حسب الجهاز المركزي للتعبئة ما حول ساحات محاكم الأسرة إلى مساحة مفتوحة لصراعات ممتدة لا تنتهي، تبدأ غالبا بخلاف أسري بسيط ثم تتشعب إلى عشرات الدعاوى المتبادلة بين الزوجين من نفقة، وتمكين، ورؤية، وحضانة، واستضافة، وتعليم، ومسكن، وتنفيذ، وقوائم منازعات متراكمة قد تمتد لسنوات طويلة وصلت إلى 1.7 مليون قضية تتنازع فيها مئات الآلاف من الأسر، وهو ما فجر مخاوف من أن يؤدي غياب المعالجة الانتقالية الدقيقة لتلك القضايا إلى خلق حالة من الفوضى القضائية والتضارب العملي، بدلا من تحقيق الاستقرار الذي يستهدفه القانون.

فبينما يرى مؤيدو المشروع أنه يمثل نقلة تشريعية مهمة نحو تحديث منظومة الأسرة، يحذر عدد من القانونيين والقضاة والمحامين من أن بعض المواد، خصوصا المتعلقة بمرحلة الانتقال بين القانون القديم والجديد، لا تزال بحاجة إلى صياغات أكثر دقة وحسما، تجنبا لوقوع ارتباك واسع داخل المحاكم وبين ملايين الأسر المرتبطة بالفعل بقضايا منظورة أو أحكام قائمة.

ما مصير القضايا القائمة والأحكام؟ هل يجوز الاستفادة بالقانونين القديم والجديد؟، هل راعى القانون الجديد المرحلة الانتقالية بين القانونين خاصة مع وجود اختلاف كبير بينهما.

مشروع القانون يفتقد لمواد انتقالية صريحة

الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، يعتبر أن مشروع القانون الجديد يمثل من حيث المبدأ "إنجازًا تشريعيًا مهمًا ومتأخرًا”"، بالنظر إلى كونه يحاول للمرة الأولى تجميع تشريعات متناثرة امتد عمر بعضها لأكثر من مئة عام داخل إطار قانوني موحد.

ويرى مهران أن مجرد توحيد القواعد المنظمة للأحوال الشخصية داخل قانون واحد متماسك يعد خطوة فارقة، خاصة مع ما يتضمنه المشروع من استحداثات تقنية وقانونية جديدة، مثل الاعتماد على البصمة الوراثية في مسائل إثبات النسب، وتطوير آليات النفقة، واستحداث الملف الموحد للأسرة، وإعادة تنظيم مسائل الحضانة والرؤية بصورة أكثر اتساعًا.

لكن، ورغم هذا التقدير الإيجابي العام، يؤكد مهران أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط في النصوص الموضوعية، وإنما في "كيفية انتقال المجتمع قضائيًا من المنظومة القديمة إلى الجديدة"، معتبرا أن المشروع الحالي لا يزال يعاني من "فراغ تشريعي انتقالي" قد يتحول إلى أزمة عملية ضخمة حال إقراره دون معالجة دقيقة.

أزمة الأثر الزمني للقانون

واحدة من أبرز الإشكاليات التي أثارها الخبراء تتعلق بالسؤال الأكثر حساسية: هل سيطبق القانون الجديد على القضايا القديمة والأحكام القائمة، أم سيقتصر على الوقائع المستقبلية فقط؟

الدكتور مهران يوضح أن المشروع التزم من حيث الأصل بالمبدأ الدستوري المستقر القائم على عدم رجعية القوانين، مشيرا إلى أن مواد الإصدار نصت على سريان القانون بأثر فوري نحو المستقبل، لا بأثر رجعي.

وبحسب هذا التصور، فإن الوقائع والمراكز القانونية التي استقرت قبل نفاذ القانون الجديد تظل خاضعة للقواعد القديمة، احتراما لمبدأ الأمن القانوني واستقرار المعاملات.

لكن الأزمة، وفقا لمهران، لا تتعلق بهذه القاعدة العامة بقدر ما ترتبط بالتفاصيل التطبيقية المعقدة التي لم يحسمها المشروع بصورة كافية، خاصة فيما يخص القضايا المتداولة والأحكام غير النهائية والأحكام القابلة للتعديل بطبيعتها.

ويشير إلى أن أحكام الأسرة تختلف عن غيرها من الأحكام المدنية التقليدية، لأن كثيرا منها — كالنفقات والحضانة والرؤية — ليست أحكاما جامدة، وإنما أحكام متجددة بطبيعتها، قابلة للتعديل مع تغير الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية أو العمرية للطفل.

ومن هنا يبرز التساؤل المعقد: إذا صدر حكم نفقة أو حضانة وفق القانون القديم، ثم تغيرت الظروف بعد نفاذ القانون الجديد، فهل يتم تعديل الحكم وفق القواعد القديمة أم الجديدة؟

هذا السؤال، بحسب مهران، لم يجد إجابة صريحة داخل المشروع، وهو ما يفتح الباب لاجتهادات قضائية متباينة قد تربك المحاكم والمتقاضين معا.

ازدواجية قانونية داخل الجلسة الواحدة

الإشكالية لا تتوقف عند حدود الأحكام القديمة فقط، بل تمتد إلى صورة أكثر تعقيدا تتعلق بتعدد القضايا المرتبطة بالشخص الواحد.

ففي الواقع العملي الحالي، قد يكون الزوج أو الزوجة طرفا في سلسلة متشابكة من القضايا في أوقات مختلفة، بعضها يخضع لقوانين قديمة تعود إلى عشرينيات القرن الماضي، وبعضها يخضع لتعديلات لاحقة، بينما ستخضع الدعاوى الجديدة للقانون المنتظر، وبالتالي، قد يجد القاضي نفسه أمام شخص واحد تحكم نزاعاته ثلاثة قوانين مختلفة داخل الجلسة نفسها.

ويعتبر مهران أن هذه الإشكالية تعكس أزمة بنيوية داخل منظومة التقاضي الأسري، موضحا أن استحداث "الملف الموحد للأسرة" خطوة إيجابية، لكنها غير كافية وحدها طالما ظلت القوانين "الواجبة التطبيق" متعددة ومتداخلة.

ويقترح أن يتضمن القانون نصا يسمح للمحكمة — بناءً على طلب أحد الأطراف — بتوحيد التكييف القانوني لجميع النزاعات الأسرية القائمة للشخص الواحد، وتطبيق القانون الجديد باعتباره الأنسب لتحقيق العدالة والاستقرار الأسري.

تخوف من "الفوضى الانتقالية"

الخبير القانوني محمد حامد سالم، المحامي بالنقض والدستورية العليا، يشارك المخاوف ذاتها، معتبرا أن نجاح المشروع لن يتوقف على جودة النصوص وحدها، بل على "كيفية إدارة المرحلة الانتقالية".

ويؤكد سالم أن الأصل في النظام القانوني المصري هو عدم رجعية القوانين الموضوعية، وهو مبدأ مرتبط بحماية الحقوق المكتسبة واستقرار المراكز القانونية، إلا أن القواعد الإجرائية يمكن أن تسري فورا على القضايا المنظورة.

لكن المشكلة، بحسب قوله، أن الحدود الفاصلة بين "الإجرائي" و"الموضوعي" ليست دائمًا واضحة في قضايا الأسرة.

فعلى سبيل المثال، هل اعتبار "الرؤية الإلكترونية" إجراء تنظيميا أم حقا موضوعيا؟ وهل توحيد دعاوى النفقة مسألة إجرائية بحتة أم أنه يغير من طبيعة الحق ذاته؟

هذه الأسئلة، من وجهة نظره، تحتاج إلى نصوص انتقالية أكثر تفصيلا، حتى لا تتحول المحاكم إلى ساحات لتفسيرات متعارضة.

ويشدد سالم على ضرورة أن يتضمن القانون بابا انتقاليا واضحا يحدد بدقة مصير القضايا القائمة، ووضع الأحكام الوقتية، وآليات تنفيذ الأحكام السابقة، وكيفية التعامل مع الطعون المنظورة، والمدد الزمنية اللازمة لتوفيق الأوضاع.

ويحذر من أن ترك هذه المسائل للاجتهاد القضائي وحده قد يخلق حالة من التفاوت بين المحاكم المختلفة، بما يهدد فكرة العدالة الموحدة.

"الطفل" في قلب المعركة القانونية

ورغم أن المشروع يرفع شعار "مصلحة الطفل الفضلى"، إلا أن بعض القانونيين يرون أن النصوص الحالية لا تزال بحاجة إلى ضمانات أوضح لحماية الأطفال من التحول إلى أدوات ضغط داخل الصراعات الأسرية.

المستشار الدكتور نزيه الحكيم، القاضي السابق وأستاذ القانون الدستوري، يرى أن المشروع يحتاج إلى فلسفة أكثر وضوحا فيما يتعلق بالحماية النفسية للطفل، مؤكدا أن كثيرا من نزاعات الحضانة والرؤية في الواقع العملي تتحول إلى "ساحات انتقام نفسي" بين الأبوين، بينما يبقى الطفل هو الطرف الأكثر تضررا.

ويشير إلى أن غياب النصوص الصريحة التي تجرم أو تمنع توظيف الأطفال داخل النزاعات الأسرية قد يؤدي إلى استمرار الأزمة بصور مختلفة حتى بعد صدور القانون الجديد.

كما يلفت إلى أن رفع ترتيب الأب في الحضانة إلى المرتبة الثانية بعد الأم — رغم ما يحمله من محاولة لإحداث توازن أكبر — يحتاج إلى صياغة دقيقة ومحكمة حتى لا يصبح عرضة لطعون دستورية مستقبلية، سواء من زاوية المساواة أو من زاوية مراعاة مصلحة الطفل.

ويضيف أن فلسفة الحضانة يجب أن تبقى مرتبطة بالاستقرار النفسي والاجتماعي للطفل لا باعتبارها "عقوبة" متبادلة بين الأبوين.

الرؤية بين الحق الإنساني والمقايضة المالية

من أكثر النقاط التي أثارت جدلا واسعًا كذلك مسألة الرؤية والاستضافة، خاصة مع اتجاه المشروع إلى تطوير آليات الرؤية وإدخال مفهوم "الرؤية الإلكترونية" في حالات السفر أو البعد الجغرافي.

الدكتور مهران يرى أن هذه الخطوة تمثل تطورا مهما يواكب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، لكنه يحذر في الوقت نفسه من استمرار الربط العملي بين تنفيذ الرؤية وسداد النفقة، معتبرا أن هذا الربط يحوّل الطفل إلى أداة ضغط متبادلة.

ويؤكد أن الرؤية حق أصيل للطفل قبل أن تكون حقا للأب أو الأم، وبالتالي يجب الفصل الكامل قانونيا بين الحقوق المالية وحقوق التواصل الإنساني.

ويعتبر أن النص الصريح على الرؤية الإلكترونية كبديل في بعض الحالات قد يساعد في تخفيف الكثير من النزاعات المتعلقة بالسفر أو الإقامة خارج البلاد، خاصة مع تزايد معدلات الهجرة والتنقل.

ورغم الطابع الطموح للمشروع، فإن قطاعا واسعا من الخبراء يرى أن الأزمة الأكبر لن تكون في النصوص، بل في قدرة الدولة على تنفيذها عمليا.

فالقوانين الأسرية، بخلاف كثير من التشريعات الأخرى، ترتبط مباشرة بالبنية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية للمجتمع، وأي خلل في التطبيق قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

المستشار نزيه الحكيم يؤكد أن نجاح المشروع يحتاج إلى ما هو أبعد من إصدار قانون جديد، مشددا على أهمية إنشاء قضاء أسري متخصص بصورة حقيقية، وتدريب القائمين على التنفيذ، ورقمنة الإجراءات، وتسريع الفصل في النزاعات، وتوفير دعم نفسي واجتماعي للأطفال والأسر.

كما يحذر من أن أي فجوة بين النصوص القانونية والواقع العملي قد تؤدي إلى تفاقم النزاعات بدلا من احتوائها.

"الملف الموحد".. حل جزئي لأزمة مزمنة

ومن بين أبرز الأدوات الجديدة التي يتضمنها مشروع القانون المعروض على البرلمان "الملف الموحد للأسرة"، والذي يفترض أن يجمع كل النزاعات المتعلقة بالأسرة الواحدة داخل ملف إلكتروني موحد، بما يسهل متابعة القضايا وتقليل التكرار.

ورغم الترحيب بهذه الخطوة، إلا أن كثيرين يعتبرونها غير كافية وحدها، فالمشكلة، بحسب الخبراء القانونيين الذين تحدثنا معهم، لا تتعلق فقط بتعدد الملفات الورقية، بل بتعدد الجهات والإجراءات والقوانين المطبقة وآليات التنفيذ المتداخلة.

ولهذا يدعو عدد من المختصين إلى منح قاضي تنفيذ الأسرة صلاحيات أوسع للإشراف على كل الأحكام المتعلقة بالأسرة الواحدة بصورة متكاملة، بدلا من التعامل مع كل حكم باعتباره ملفا منفصلا.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن وجود قاض مختص يتابع مجمل النزاعات الأسرية قد يسهم في تقليل التلاعب والتعسف، ويحقق قدرًا أكبر من العدالة العملية.

وثيقة التأمين والفجوة الاجتماعية

ومن النقاط التي أثارت كذلك تساؤلات قانونية واجتماعية فكرة استحداث وثيقة تأمين مرتبطة بالأسرة، باعتبارها وسيلة لحماية الحقوق المالية والاجتماعية.

إلا أن الدكتور مهران يشير إلى أن المشروع لم يوضح بصورة كافية وضع الأسر التي انفصلت أو تضررت قبل صدور القانون، وهل ستشملها الحماية الجديدة أم لا.

ويحذر من أن غياب معالجة انتقالية لهذه النقطة قد يخلق "فجوة حماية اجتماعية" بين الأسر القديمة والجديدة، بما يثير تساؤلات حول العدالة والمساواة.

مخاوف من الطعون الدستورية

ورغم اتفاق أغلب الخبراء على أن المشروع في مجمله يتسق مع الاتجاهات الدستورية العامة المتعلقة بحماية الأسرة والطفولة، فإن التخوف الأكبر يبقى مرتبطا بغموض بعض الصياغات.

المستشار نزيه الحكيم يؤكد أن قوانين الأسرة بطبيعتها من أكثر التشريعات حساسية دستوريا، لأنها تمس الحقوق الشخصية المباشرة والمراكز القانونية الخاصة.

ومن ثم، فإن أي غموض أو تناقض أو قصور في الصياغة قد يتحول لاحقا إلى باب واسع للطعن بعدم الدستورية.

كما يحذر المحامي محمد حامد سالم من أن تحويل القانون إلى ساحة صراع سياسي أو مجتمعي قد يؤدي إلى إضعاف فرص نجاحه، مؤكدًا أن المطلوب هو بناء توافق مجتمعي حقيقي حول فلسفة القانون قبل إقراره.

البرلمان أمام اختبار معقد

ومع اقتراب المشروع من الدخول إلى البرلمان، تبدو المؤسسة التشريعية أمام اختبار بالغ الحساسية.

فالقانون المنتظر لا يتعلق فقط بتنظيم إجراءات التقاضي أو تحديث بعض المواد، بل يمس بشكل مباشر ملايين الأسر المصرية، ويعيد رسم شكل العلاقات الأسرية وحدود الحقوق والواجبات داخل المجتمع.

ولهذا تتزايد الدعوات المطالبة بعدم التعجل في إقرار المشروع، وفتح حوار مجتمعي وقانوني أوسع يشمل القضاة والمحامين وخبراء علم النفس والاجتماع ومنظمات المجتمع المدني.

ويرى مراقبون أن نجاح القانون لن يقاس فقط بعدد مواده أو حداثة صياغاته، بل بقدرته على تحقيق توازن شديد التعقيد بين الاستقرار الأسري والعدالة القانونية، وبين حماية الأطفال وضمان حقوق الأبوين، وبين تحديث المنظومة وعدم تحويلها إلى مصدر جديد للصراعات.

وفي بلد تتكدس فيه محاكم الأسرة بآلاف الدعاوى سنويا، تبدو الحاجة إلى إصلاح تشريعي حقيقي أمرًا لا خلاف عليه، لكن الخلاف يبقى حول الكيفية، وحول ما إذا كان المشروع الحالي قادرًا بالفعل على إنهاء عقود من الأزمات، أم أنه قد يفتح بدوره أبوابا جديدة لجدل قانوني واجتماعي لا ينتهي.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة