لم تكن الأزمة التي أثارها بائع الدواجن الملقب شعبيًا بـ"وزير الغلابة" مجرد حدث عابر؛ وكان أعلن بيع الدجاجة بسعر 10 جنيهات فقط للكيلو قبل أيام، ما فتح الباب واسعًا أمام هجوم حاد من الغرفة التجارية، وأشعل جدلًا مجتمعيًا حول ما يُعرف بـ"دواجن السردة"، طارحًا تساؤلات ملحة حول مدى صلاحيتها للاستهلاك الآدمي في ظل هذا السعر الزهيد.
من الريف إلى البائع والمستهلك
وبعيدًا عن ضجيج التصريحات الرسمية، فعلى مدار سنوات، يرسم "أحمد عبد النبي" مشهدًا يوميًا في القرى الريفية. يتحرك بدراجته الهوائية التي ثبت عليها صندوقًا بلاستيكيًا مخصصًا لبيع الطيور، قاصدًا جمهورًا ثابتًا من الأهالي الذين ينتظرونه لشراء هذا النوع المحدد من الدواجن الذي بات يُعرف حاليًا بـ"السردة".
النساء اللواتي يشترين من "عبد النبي" لديهن فلسفة اقتصادية خاصةً؛ فهن لا يبالين بالشائعات التي تحذر من أن هذه الدواجن غير صالحة للاستهلاك الآدمي. هن يعرفن مسبقًا وبدقة أن وزن الدجاجة لن يزيد عن كيلو ونصف الكيلو، لكن هدفهن الأساسي هو "استثمار بقايا الطعام المتخلف من أسرهن (فضلات المنزل) في إطعام هذه الطيور بدلًا من إلقائها في القمامة"، للحصول على بروتين رخيص في النهاية.
ما هي "السردة"؟
في العرف المحلي، يُطلق مصطلح "السردة" لغويًا على "بقايا الشيء بعد انتقاء الأفضل منه". أما في سوق الدواجن، فالمصطلح يرتبط بنمط محدد من الدواجن البيضاء التي تتسم بضعف الحجم، حيث يبلغ وزن الطائر حوالي كيلو و300 جرام فقط بعد دورة تربية كاملة مدتها 40 يومًا، وهي أوزان تقل عن المعدلات القياسية للمزارع التجارية الكبرى.
يؤكد "عبد النبي"، في حديثه عن مصدر بضاعته: "أحصل على الكتاكيت من معامل التفريخ مباشرة. هذه المعامل لديها القدرة على الفرز؛ الكتكوت الجيد يذهب لأصحاب المزارع الكبرى، أما الكتكوت الأقل جودة -الذي يكون أصغر حجمًا أو يتأخر في الفقس- فيتم بيعه للباعة الجائلين، أو تشتريه بعض المزارع لتخصيص عنابر خاصة له".

هل "السردة" غير صالحة؟
وسط هذا المشهد، يرتفع صوت التحذير من الجانب الرسمي التجاري، ممثلًا في سامح السيد رئيس شعبة الدواجن بالغرفة التجارية، الذي يرى في انتشار هذه الدواجن بالأسواق الشعبية خطرًا صحيًا داهمًا على المستهلكين.
يبني السيد تحذيره على توصيف "دواجن السردة" بأنها طيور تعاني أساسًا من مشكلات في النمو وأمراض فيروسية، وليست مجرد أحجام صغيرة.
ويكشف رئيس الشعبة عن كواليس التجارة الخلفية، مشيرًا إلى أن بعض التجار يعمدون إلى شراء هذه النوعية من المزارع بأسعار بخسة لا تتجاوز ثلث قيمتها الحقيقية، ثم يعيدون طرحها للمستهلك بسعر الدواجن السليمة بعد ممارسة حيل تجميلية خطيرة، أبرزها حقن الطيور بالمياه لتغيير لون الجلد وإخفاء العيوب الظاهرية، مما يستوجب في نظره تشديد الرقابة وتفعيل القوانين لمنع التلاعب بصحة المواطنين، والدفع نحو التحول لبيع الدواجن المبردة والمجمدة أسوة بالدول المتقدمة.
ممارسة عامة وليست خاصة
وفي سياق متصل، يشير واقع السوق إلى أن فكرة حقن الدواجن بالمياه ليست وصمة تلتصق بـ"السردة" وحدها، بل هي ممارسة تمتد لتشمل الدواجن العادية أيضًا؛ حيث تعمد غالبية المحلات التجارية التي تبيع الدواجن مقطعة إلى نقعها في براميل بلاستيكية مملوءة بالمياه لزيادة وزنها، بل يتم حقن منطقة الصدر تحديدًا بالمياه لمنحها مظهرًا أكثر امتلاءً ووزنًا أكبر عند البيع، وهو ما يعني أن الغش التجاري هنا سلوك بشري لا يرتبط بالضرورة بنوع الطائر.

دفاع المربين: نفس العلف واللقاح
في الجهة المقابلة، يقف أصحاب المزارع موقف المدافع عن منتجهم، مؤكدين أن "السردة" جزء أصيل وتاريخي من صناعة الدواجن منذ نشأتها.
ويوضح محمد أبو العلا، صاحب مزرعة دواجن، أن الأمر يخضع لمنطق الفرز الطبيعي بعد كل دورة تربية؛ فالدواجن التي يتجاوز وزنها كيلو ونصف تباع بسعرها العادي، أما التي تقل عن هذا الوزن فتباع بنصف السعر، لكنها "دواجن صحية" تمامًا.
ويفند أبو العلا الاتهامات الصحية، موضحًا أن هذه الطيور تأكل نفس العلف الذي تأكله الدواجن الكبيرة، وتتلقى نفس برامج الأمصال واللقاحات العلاجية داخل نفس العنبر.
ويعزو صغر حجمها إلى أسباب لا تضر بصلاحية اللحم، مثل سوء جودة الكتكوت منذ البداية، أو تعرض الطائر لمرض شُفي منه لكنه أثر على معدل نموه مقارنة بأقرانه.
ويشير إلى أن هذه الدواجن منخفضة الوزن تجد طريقها عادة إلى المطاعم والشوايات التي تبحث عن السعر الأقل لاستخدامها في العروض الدعائية للوجبات.
حسم الحكومة: سليمة 100% ولكن بشرط
القول الفصل يأتي من وزارة الزراعة لينهي حالة الجدل هذه، إذ يؤكد الدكتور طارق سليمان، رئيس قطاع الثروة الحيوانية والداجنة بالوزارة، أن مصطلح "دواجن السردة" هو مجرد تعبير محلي دارج في مصر يُطلق على الدواجن التي يقل أو يزيد وزنها عن المعدل الطبيعي المتعارف عليه الذي يتراوح بين 1.5 و2.5 كيلوجرام.
ويشدد المسؤول الحكومي بشكل قاطع على أن "الفراخ السردة سليمة 100%" وقيمتها الغذائية مطابقة تمامًا لأي دواجن أخرى، مبرئًا الدواجن ذاتها من تهم الفساد.
ويوضح سليمان أن حالات الفساد التي تظهر أحيانًا تكون نتيجة "سوء التخزين والحفظ" وليست لعيب في الطائر؛ إذ كشفت حملات الضبط الأخيرة، خاصةً في محافظات الصعيد، أن المشكلة تكمن في تعرض الدواجن لما يسمى "حروق التجميد".
تحدث هذه الحروق للطعام المجمد بسبب سوء التغليف والتعبئة، مما يؤدي إلى تغيير طبيعة الجلد وظهور بقع رمادية أو بنية عليه، فيظن المستهلك أنها فاسدة بينما هي مشكلة تداول وتخزين لا علاقة لها بصحة الدجاجة عند ذبحها.
اقتصاديات الظل.. لماذا لا تموت "السردة"؟
وبعيدًا عن الجدل الصحي، يفرض "منطق الأرقام" نفسه بقوة داخل عنابر التربية، جاعلًا من بيع السردة ضرورة اقتصادية لا مفر منها للمربي وليس خيارًا للرفاهية.
تحكم الجدوى الاقتصادية لمزارع الدواجن معادلة صارمة تعتمد على سلالات سريعة النمو؛ فالكتكوت المثالي يجب أن يصل لوزن البيع البالغ 2 كيلو خلال 45 يومًا، يلتهم خلالها 4 كيلوجرامات من العلف لضمان تحقيق هامش ربح.
وفي ظل المعطيات السوقية الحالية، يلتهم الطائر الواحد ما يعادل 80 جنيهًا من العلف، مع تراوح سعر كيلو العليقة ما بين 20 و22 جنيهًا، تضاف إليها قائمة طويلة من التكاليف تشمل أسعار الأمصال واللقاحات وأجور العمالة وفواتير الكهرباء والمياه وأنابيب البوتاجاز للتدفئة.
أمام هذه التكلفة الباهظة، لا يوجد أي مجال أمام المربي للاحتفاظ بسلالات أو طيور بطيئة النمو لا تقبل زيادة الوزن بسرعة، لذا يصبح التخلص منها ببيعها "سردة" -ولو بنصف الثمن- هو الحل الوحيد لتقليل نزيف الخسائر بدلًا من استمرار إطعامها دون جدوى.
من "المقرقر" إلى كتاكيت القطارات
هذا النمط من التجارة ليس وليد الأزمات الاقتصادية الحديثة، بل يمتلك جذورًا ضاربة في عمق التاريخ الاجتماعي المصري. إذ يؤكد أصحاب المزارع القدامى أن "السردة" لازمت صناعة التفريخ منذ بداياتها، وازدهرت حتى قبل الاحتلال الإنجليزي لمصر حين كانت المعامل تعتمد على تقنيات بدائية من القش والطين قبل دخول الأجهزة الحديثة.
ويعرف الريف المصري مسميات قديمة لهذا النوع، أشهرها مصطلح "مُقرقر"، وهي كلمة ريفية تصف الطائر الذي يظهر عليه نمو مبكر للعُرف، ما يعني وصوله لسن البلوغ فسيولوجيًا قبل أن ينمو جسده ووزنه بشكل يمنحه جودة اللحم المطلوبة.
وتحمل ذاكرة المصريين صورًا نمطية لتسويق هذه الكتاكيت؛ فقبل سنوات، كان جزء كبير منها يتم تلوينه بألوان زاهية وبيعه في قطارات الدرجة الثالثة والأسواق الشعبية بأسعار زهيدة لا تتجاوز الجنيه الواحد للكتكوت عمر 5 أيام. وكان الإقبال عليها حينها بدافع "التسلية للأطفال" وليس بغرض التربية الجادة، حيث كان معظمها ينفق بعد ساعات لعدم توفر الرعاية.
لكن مع انحسار التربية المنزلية في الريف واختفاء هذه الظاهرة، تحولت السردة من "لعبة أطفال" إلى "سلعة غذائية" يروج لها الباعة الجائلون.

القانون المعطل.. عقبة الذبح والتداول
وقد حاولت الدولة تنظيم هذا السوق العشوائي عبر القانون 70 لسنة 2009 الذي حظر تداول الدواجن الحية وبيع الذبح العشوائي، بهدف محاصرة إنفلونزا الطيور وتحسين جودة اللحوم عبر قصر الذبح على المجازر المرخصة. إلا أن تطبيق هذا التشريع اصطدم بغياب البنية التحتية اللازمة من مجازر كافية وعربات نقل مبردة، فضلًا عن المقاومة الثقافية للمستهلك المصري الذي لا يزال يرفض الدواجن المجمدة ويفضل معاينة الطائر حياً قبل ذبحه، مما أبقى الباب مفتوحًا لتجارة الدواجن الحية، بما فيها السردة.
النصيحة الذهبية للمستهلك
وفي النهاية وسواء كان الدافع وراء شراء "دواجن السردة" هو البحث عن التوفير كما يفعل زبائن "وزير الغلابة"، أو استغلالها تجاريًا من قبل المطاعم، تبقى الحقيقة العلمية التي أقرتها الجهات الرسمية هي أن هذه الدواجن "آمنة غذائيًا" ما دامت قد ذُبحت وهي حية وسليمة.
وتظل الحلقة الأهم لضمان سلامة هذه الوجبة الاقتصادية هي "طريقة التعامل المنزلي" معها؛ إذ يجب على المستهلك الانتباه جيدًا لعملية التخزين لتجنب "حروق التجميد" التي قد تغير لون الجلد وتفسد ملمسه، وذلك عبر التأكد من جودة التغليف وتفريغ الهواء من الأكياس قبل وضعها في المبرد، لضمان أن يظل "بروتين الغلابة" ملاذًا آمنًا وليس مصدرًا للأمراض.