بيوت الطين تبكي لبناتها.. عن "طريق" يقتل الأحلام

بيوت من الطين تتراص كالشواهد على زمن مضى، سوق صغيرة سقفها من القش اليابس، وأكواخ متناثرة من الغاب. تتخللها بيوت أخرى من الطوب الأحمر، لكنها هي الأخرى تبدو كأحلام لم تكتمل، بطلاء باهت وجدران توقف بناؤها في منتصف الطريق. هنا، في "كفر السنابسة"، تشعر بغصة لا تبرح قلبك.

يبدو الحزن سمة أصيلة من سمات المكان، كأنه يكسو الجدران نفسها التي تتشح بالسواد في كل حين، حتى يخيل لك أنها كذلك في الأعياد. يسكن هذا المشهد وجوه كساها الشقاء، وأعين أطفال تطل منها حيرة وحرمان. 

تبدو الحياة كأنها معركة يومية، تتقاطع اللحظات البسيطة الفرحة فيها مع تفاصيل الأيام القاسية، ليشكلا معًا حياة مأساوية تغيب فيها الخدمات، تخرج البنات فيها ليعولن آبائهن، هكذا كانت نظرتي منذ خطت قدماي أرض كفر السنابسة، قرية ضحايا حادث الإقليمي العاملين بالعنب.

تحكي أم سعاد، لـ فكّر تاني، حكاية واقع قاسٍ لا يرحم الضعفاء. قالت إن الحياة في القرية صعبة جدًا، "صعبة في الشغل وصعبة في الضحكة"، ولهذا تخرج الفتيات كل يوم من بيوتهن إلى بلاد متفرقة، بحثًا عن المال وشراء لحظات من السعادة التي تفتقدها قلوبهن.

تصحو أم سعاد كل يوم من نومها في الثانية صباحًا، توقظ ابنتها، تفطران سويًا، تخرجان من بيتهما المبنى بالطوب اللبِن، تمشيان من بين الأراضي الزراعية المزروعة بالذرة، حتى تصلان إلى موقف السيارات حيث الميكروباص الذي سينقلهم إلى مدينة السادات ويمر عبر الطريق الإقليمي، طريق الموت الذي صار جزءًا من حياة هذه القرية بالإجبار ويحمل في طياته نهاية حيوات الكثيرين فيها.

لم تكن هذه الرحلة اليومية لأم سعاد وابنتها فقط، بل شاركتها مئات الأمهات والفتيات، يستقللن الحافلات نفسها، ويخضن المشقة والقلق ذاته، رغم اختلاف الحكايات وتفاصيل الأيام. خلف كل ابتسامة منهن تختبئ دمعة مؤجلة، وقلق لا ينتهي من الطريق.

 

في كفر السنابسة، يلازمك الحزن كظلك. تمر بـ"منطقة الساحل" فتلمح بيوتًا متناثرة كقطع البازل، تنتظر أن تكتمل وتتماسك لتشكّل مشهدًا واحدًا مع الحقول. لكنّ البيوت القديمة المبنية بالطين، والسوق ذات السقف القشّي، وأكواخ الغاب، كلها ترسم واقعًا مريرًا وتحمل في طياتها حكايات فقر لا تنتهي.

هنا، تشعر أن الحزن ليس في وقت الحوادث فقط، بل هو سمة أصيلة من سمات الكفر، تتشح البيوت بالسواد في كل حين، حتى يخيل لك أنها كذلك في الأعياد، البيوت الأكثر حظًا هناك عبارة عن بيوت من الطوب الأحمر والأسقف الخرسانية، ربما طليت بطلاء باهت أو تغيب عنها أهم الخدمات.

تعيش القرية بلا أية خدمات أساسية، في عزلة تامة عن محافظة المنوفية، فأغلب سكانها يعملون في العمالة اليومية والزراعة، يسكنون بيوتًا غير صالحة، تكسو ملامحهم حزن شديد، وتطل من أعين أطفالها حيرة كبيرة وحرمان أكبر.

في بعض البيوت المبنية بالطوب الأحمر والأسقف الخرسانية سكون تام، غابت الحياة عنها، سافر أصحابها إلى الخليج لتأمين حياتهم منذ سنوات، يقول الجيران، "بييجوا كل صيف كام أسبوع يكملوا البناء أو يزورا الأحباب"، في محاولات مستمرة لشراء الأراضي الزراعية بجانب بيوتهم، والتي غالبًا ما تنتمي لمزراعين بسطاء يبنون فيها مساكنهم من "العشش" أو يأكلون من خيرها.

منازل تقاوم الانكسار

تشكو منال -اسم مستعار- من آلام "الغضروف" الشديدة، وكلما شعرت بشدته تناولت حبوب المسكِّن الرخيصة، وتقول لـ فكّر تاني: "ما عادتش بتحوَّق يابنتي والله"، تعيش وحدها مع زوجها عائلها الوحيد الذي يعمل باليومية في أعمال البناء.

عاشت منال في كوخ طيني بسيط مع زوجها وحماتها قبل أن ترحل، تشارك جارتها في حمام مشترك، والمطبخ لا يتجاوز شعلة واحدة بجانب طبقين، وعدد من الأواني المهترئة وأربع ملاعق فقط. طوال ثلاثة أعوام، كان طعامها الأسبوعي في أحسن الأحوال طبق أرز وصينية بطاطس بأجنحة دجاج.

بعد وفاة حماتها، انتقلت مع زوجها إلى غرفة صغيرة من الطوب الأحمر وسقف إسمنتي، تعتبرها ابنها الذي لم تلده. بيت بسيط يقيها الحر والبرد، وزوج تفخر به رغم ضيق الحال. لا معاش تكافل وكرامة، ولا أي نظرة من الحكومة، ومع ذلك يرفضان الصدقات.

بعد حادثة الطريق الإقليمي التي أودت بحياة فتيات القرية، شعرت منال بأن الله حفظها من فقد أكبر. كانت تدعو دائمًا أن تُرزق بابنة تساعدها في أعباء المعيشة مثلهن، الآن تعتبر كل بنات القرية بناتها، لكن، قُتلن غدرًا، لا تنسى احداهن التي كانت تساعدها باستمرار في "نشل المياه" من تحت المرتبة المتهالكة بسبب المطر في عز الشتاء.

تبكي منال بحرقة على ما آل إليه وضعها وزوجها وسط نساء القرية، تشعر أن حياتها بلا قيمة رغم ما تبذله من جهد، تناشد المسؤولين أن يهتموا بالقرية ككل، أن ينظروا إليهم بعين الرأفة، فقريتهم على الخريطة رسمًا وهم أموات فيها ينتظرون "لحظة رضا من الدولة".

طعام لا يعرف التنوع

كان الفقر قدرًا مكتوبًا على جبين البيوت الطينية المسقوفة بالخشب والقش، في قرية تبدو أنها خارج إطارنا الزمني، مشهد صواني الطعام المحملة بالخبز والجبن والخضار، دون لحوم أو أرز، وعلى وجوه الأمهات الصغار التي كبرن أعمارًا ضعف أعمارهن، ويبقى سؤال: ماذا يأكلون؟ سؤالًا كاشفًا.

الطعام في هذه القرية بسيط جدًا، يعتمدون في طعامهم على العيش البلدي، والبتاو المخبوز من الذرة، والبتاو من القمح المخلوط بالذرة، وفي أحسن الأحوال يكون البتاو المعجون من القمح واللبن، وبالنسبة لـ اللحوم، فلا تظهر إلا في الأعياد والمناسبات الكبرى، كما قالت جميلة -اسم مستعار- لـ فكّر تاني، أما الدواجن، الطيور فرغم ندرتها إلا أنها "الأساس هنا" مصدر البروتين الوحيد.

يقول مصطفى عبد السميع 24 عامًا، لـ فكّر تاني، إن الرفاهية في القرية مستحيلة، فقد مرت طفولته دون لعب، كان يعمل باليومية منذ أتم العاشرة من عمره: "كانت أمنيتي فترات طويلة، إني بس أروح لحد منوف وأشتري هدوم جديدة" لكنه حلمًا بعيدًا على سكان كفر السنابسة.

يقول: "خرجت مرة واحدة مع أصحابي إلى شبين الكوم وأكلنا في مطعم!" لكن أقصى ما يتمناه مصطفى الآن، أن يسافر إلى السعودية لتلحق به والدته في رحلة عمرة تبكي من أجلها كل يوم.

قسوة أم ألم

تقول إيمان أم محمد، لـ فكّر تاني، أنها كانت أول من دلّ فتيات القرية على العمل في محطات العنب بمدينة السادات: "مكنتش أعرف إن الطريق سيئ كده"، ورغم سماعها عن الحوادث، لكنها ظنّت أن السبب "سائقين غير محترفين"، فاختارت أم محمد سائقًا من طملاي عُرف ببراعته في تجاوز حوادث الطريق، وكان من المفترض أن يصبح خطيبًا لملك، ابنة أختها.. حسبما تقول.

تؤكد أم محمد: "الحياة هنا صعبة جدًا"، وأن معظم الفتيات لا يستطعن تحقيق أحلامهن، فيسعين لتحقيق أحلام أسرهن في عيش مستور، دون مدّ اليد، أو غلبة العوز، ولهذا السبب فقط ساعدتهن دون أن تأخذ مليمًا واحدًا كما يفعل الآخرون.

عملت إيمان في حقول الفراولة ومعها أكثر من مائة فتاة من بنات القرية، كانت تذهب في الصيف إلى مصانع العنب والتين وحقول الذرة وغيرها. تقول أن هذه الرحلات ستتوقف من القرية بعد اليوم، فقد أصبحت مجبرة على التخلي عنهن بعد ما حدث بسبب الطريق، وتناشد المسؤولين بتوفير أي عمل قريب لهؤلاء الفتيات، بعيدًا عن الطريق الإقليمي "طريق الموت".

الحياة هنا صعبة جدا

جمعيات على الورق.. وقلوب بلا رحمة

في بيوت القرية، توافد عدد من شخصيات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية وبعض المسؤولين، كان التباين واضحًا بين التعاطف الحقيقي من البعض، واللامبالاة من جانب بعض الجمعيات، ما يزيد من جراح أهل كفر السنابسة بدلًا من تضميدها.

وفي أحد البيوت بمنطقة الساحل، كانت هناك سيدة ممثلة لواحدة من الجمعيات الخيرية، لم تعزّ النساء في مصابهن، وبدلًا من ذلك سألت عن الدخل وعدد الأبناء وأعمارهم، وتساءلت باستنكار: "ليه عايشين في بيت من الطين؟" وجاء رد الأم الثكلى: "الأب يعمل باليومية، وبنتي اللي كانت بتصرف علينا، أنا واخواتها الثلاثة وعمتين وجدة.. راحت".. ثم قالت لها بمرارة: "هنبني منين يا أبلة؟ هتبنيلي بيت؟ امشي مع السلامة!".

كيف لإنسان يمكنه دخول بيت بسيط مكوّن من غرفتين بلا مراوح، وفرشه من الحصير البالي، وسقفه من الخشب، بحذاءٍ عالٍ، وفي موقف عزاء، ليطرح سؤالًا بهذه القسوة، والاسم: "جمعية خيرية مشهورة في المجتمع"!

بعد رحيل موظفة الجمعية الخيرية، بكت الأم بحرقة شديدة، بكت أعوامها الماضية في هذا البيت، وهي تكافح فيه بكرامة. كانت نظرة واحدة فقط من المجتمع إليها كافية لإخراسها. لم تنطق بعدها إلا بجملة واحدة: "حسّيت بإهانة يا أستاذة في أكتر وقت عايزة فيه بنتي في حضني، مش عايزة حاجة من الدولة دي، ومش عايزة أي تعويضات، لا أنا ولا جوزي".

رفض معظم أهالي الضحايا استلام التعويضات أو حتى البحث في إجراءات صرفها من الحكومة، واكتفوا بمطلب واضح ومباشر في حديثهم مع فكّر تاني: "غلق الطريق الإقليمي، وتوفير فرص عمل لمن تبقى من الفتيات، أو حياة كريمة لآبائهن، حتى لا تُضطر فتيات القرية للعمل خارجها من جديد".

تحدّث الأهالي مباشرة إلى بعض المسؤولين بالمحافظة الذين حضروا لتقديم واجب العزاء داخل البيوت، بعدما قرر أهالي الساحل مقاطعة سرادق العزاء الذي أُقيم بمركز الشباب في وسط الكفر، معتبرين أنه لا يُعبّر عنهم ولا عن حياتهم القاسية، وتمنّى البعض أن تُخصص أموال السرداق لتحسين خدمات القرية أو لبناء مكان يحتضن الفتيات العاملات مستقبلًا.

وقف الأهالي إلى جوار بعضهم في الفرح والمحنة، واحتشد الشباب أمام البيوت لتسيير شؤونها. في الأفراح، دلّلوا العروسين و"نقطوهم" بجهودهم، لأن "النقطة مش بس فلوس" كما قال رامي أحمد 32 عامًا، لـ فكّر تاني، ويوضح رامي أن أجواء الفرح لا تشبه لحظات العزاء، فالعريس ينتقل إلى بيت أفضل ليجهز فيه نفسه، ولا يدخل بيت الزوجية إلا بصحبة عروسه، والعروس لا تذهب إلى الصالون توفيرًا على العريس.

أما في هذا الحزن الذي تعيشه كفر السنابسة الآن، يؤكد رامي، أنه لم يكن مثل أي وقت مضى، فتجهزت البيوت كلها لتقديم الطعام وإن كان جبنًا وبيضًا، وفرشوا أجدد "الحُصر" في بيوت "البنات"، رغم أنها بالية ولكنها، أجود ما يقدمه أهالي القرية لجيرانهم المكلومين.

"العمرة هترجع لي بنتي؟" هكذا رد محمد -اسم مستعار– على ممثل أحد المؤسسات الخيرية التي عرضت عمرة على كل آباء البنات، رفض العمرة والتعويض معًا، وكان حلمه بسيطًا: أن يُغلق هذا الطريق، أو تُجرى عليه إصلاحات وقت مرور النقل الثقيل.

وأكد الأهالي أن أملهم الوحيد هو بناء مصنع أو إقامة مشروع يفتح أبواب العمل لأبناء القرية ويعود بالنفع عليهم، وأصرّوا على رفض اللجوء للدولة أو البحث في إجراءات التعويض. بدوا مكلومين، لا يطلبون سوى أن يحتضنوا بناتهم المتبقيات.

اتفقوا جميعًا أن الفتيات لن يخرجن بعد اليوم إلى الطريق الإقليمي، وأنهن يبحثن عن طريق آخر للكسب، ووجّهوا نداءً إلى الحكومة بأن تنظر للقرية بعين قوية، حتى لا يُفجعوا بفقد جديد.

بالخدمات وليس بالعمر

لا تُقاس الحياة في كفر السنابسة بعدد السنوات، بل بالخدمات الغائبة، وبعدد الفتيات اللاتي يخضن معركة الطريق كل صباح، بأمل بسيط في حياة أفضل، بالتعليم أو بالزواج. الحياة هناك قاسية، لكنها بعد اليوم أشد قسوة، ومع ذلك، يبقى الأمل حيًّا في قلوبهن.. أن يُكملن الحياة دون أن تنهيها الطرق.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة