كمال زاخر في حوار خاص: الرهبنة في عصر البابا شنودة كانت بابًا خلفيًا لـ"الترقي الاجتماعي".. و"الأحوال الشخصية" علامة استفهام

البابا تواضروس يعيش مأساة.. وقانون الأحوال الشخصية "علامة استفهام"

"الحرس القديم" بالكنيسة يصدّرون الأزمات.. والبطريرك فتح حوارًا مباشرًا مع التيار العلماني

محظوظ بعدم اختياري في قوائم "تعيينات المجالس النيابية".. وهناك مناطق معتمة بين رجال الدين والعلمانيين

حادث "مقتل الأنبا إبيفانيوس" نقطة فاصلة بين الرهبنة وانحرافها

النواب الأقباط لم ينجزوا "قانونًا".. وضغط الشارع وراء إقرار "بناء الكنائس"

لا بد من إعادة النظر في رئاسة الأساقفة للأديرة.. وفصل ملكية المشاريع عن الإدارة

تصوير- محمد ليل

من نافذة الخبرة بعد احتكاك طويل مع الشأن الكنسي، يطل كمال زاخر على مجريات الأوضاع الدائرة في الوسط القبطي بشقيه الرعوي والفكري، تدلل أطروحاته التي انطلقت بشكل رسمي مع تأسيس التيار العلماني القبطي قبل نحو 20 عامًا على رؤية واعية، وتواصل مستمر مع القيادة الكنسية بشكل مباشر أحيانًا، وعبر رؤى مكتوبة أوقاتًا كثيرة.

ورغم هدوء لافت لـ"التيار العلماني القبطي" يعرف المفكر الكبير أسبابه، ويفندها تفصيلًا، إلا أن التعاطي مع الأحداث الدائرة على الأصعدة كافة يشي بثقة ظاهرة بين الرجل، وبين مريديه، دون اكتراث بمعارك تنشب فجأة جراء آراء لا تنقصها الجرأة.

بهدوء معتاد، وتأمل لا ينقطع للواقع، ومقتضياته، يسند مؤسس التيار العلماني القبطي رأسه إلى كرسي مكتبه، ويسبح في آفاق تجربة طويلة أتت على وقته، وجهده البحثي، وراكمت بحثه المفصل في شؤون الرهبنة، الأديرة، والرعاية، كمهموم بقضايا واقعه، بسط "كمال زاخر" فكره، ورؤاه متحدثًا بصراحة تليق بالخبرة الكبيرة عن أسباب اختفاء التيار العلماني القبطي، ورؤيته لملف الرهبنة في ضوء مرحلة ما بعد مقتل الأنبا إبيفانيوس، وحركة البابا تواضروس الثاني الإصلاحية، وملفات الأحوال الشخصية، التمثيل القبطي في المجالس النيابية، وقضايا أخرى شائكة يطرحها خلال حواره، فإلى نص الحوار:

أين ذهب التيار العلماني القبطي بعد أن ظل لسنوات مؤثرًا في الشأن الكنسي، والقبطي بوجه عام؟

منذ فترة ما بعد 2011، وما تبعها من ارتباك -إن صح القول- تقدمت الهموم المصرية على الهموم الكنسية، غير أن رحيل البابا شنودة الثالث عام 2012 مثّل نقطة فارقة في حراك التيار العلماني نظير صراعات شهدتها الكنيسة في ملف "خلافة البطريرك"، وخلال هذه الفترة جمعنا كل التوصيات التي طُرحت منذ تأسيس التيار العلماني عام 2006، وحتى آخر مؤتمراته عام 2010، وأعددنا منها 5 نسخ، وسلمنا الأساقفة المرشحين لمنصب البابا نسخًا منها، باستثناء الأنبا تواضروس لأننا لم نكن نعلم محل إقامته.

وبعد إعلان نتيجة القرعة الهيكلية ذهبت للقائه بدير الأنبا بيشوي -وادي النطرون- وأهديته نسخًا من كتاباتي الخاصة، وتوصيات التيار العلماني، واكتشفت وقتذاك أنه كان يتابع التوصيات، والقضايا المطروحة.

هل يعني ذلك أن التيار العلماني القبطي اختار في المرحلة الراهنة الحوار المباشر، وإلى أي مدى يؤثر ذلك على وجوده الفعلي؟

مطلب التيار العلماني منذ تأسيسه هو الحوار المباشر بين أصحاب الرأي وأصحاب القرار، وأذكر أن البابا تواضروس الثاني أثناء صلاة تجنيز -جنازة- المفكر الراحل ميلاد حنا بالكنيسة البطرسية، أخبرني بأنه قرأ كل الأوراق التي أرسلت له، وقال نصًا: "الورق الذي أعطيته لي مؤخرًا قرأته، ولا بد أن نتناقش فيه"، واعتبرت أن هذا ملمحًا هامًا، وجديدًا في القيادة الكنسية، ويبشر بالحوار، والتواصل.

من بين القضايا التي أولاها التيار العلماني اهتمامه كانت "الرهبنة".. كيف تعاملتم معها تزامنًا مع حادث مقتل الأنبا إبيفانيوس رئيس دير الأنبا مقار؟

بعد مقتل الأنبا إبيفانيوس تحركنا في اتجاهين؛ طرح أوراق ورؤى عبر المتاح من وسائل الإعلام، والتواصل مع قداسة البابا عبر سكرتارية المجمع المقدس، ورأينا استجابة عملية لأطروحاتنا، أهمها "لوائح تنظيم الرهبنة".

اقرأ أيضًا: رحيل أسقف التوازنات.. تلميذ “المسكين” وسكرتير “شنودة”.. وخازن أسرار “وادي النطرون”

كيف أثرت حادثة مقتل الأنبا إبيفانيوس على ملف الرهبنة بشكل عام؟

حادث مقتل الأنبا إبيفانيوس يعد لحظة فاصلة في إعادة طرح قضية الرهبنة، وهو النقطة الفاصلة في الرهبنة، وانحرافها، لأنها مع مجئ البابا شنودة كبطريرك، ولعدة أسباب موضوعية- أصبح ثمة نموذج للشباب في البحث عن مكان للتحقق، وفي ظل الظروف السائدة أصبحت الرهبنة ملاذًا لكل من لم يتحقق خارج أسوار الأديرة، وجاء سعيه لاحقًا لتطوير الكنيسة في اختيار شيوخ الرهبنة، وأصحاب الخبرة لمقاعد الأسقفية، وزاد عدد أساقفة المجمع المقدس من 18 أسقفًا على مستوى الجمهورية إبان بابويته إلى مما يزيد عن 111 أسقفًا، وقسمت المحافظة الواحدة لثلاثة إيبارشيات، وبالتالي حدث نوع من أنواع اختلال "التراتبية"، ولم يوجد معلمون داخل الأديرة، فاختفت التلمذة.

لأجل ذلك لاحظنا أن الاختيارات في السنوات العشر الأخيرة تخللتها عدة مشاكل، وهذا سبب واضح في أغلب ما تعانيه الكنيسة، لأن هناك من لم يخضع للتلمذة، ولا اختبارات الرهبنة.

وأقول دائمًا: "إذا صلحت الرهبنة، صلحت الكنيسة".

برأيك، هل عولج الخلل بوجود لائحة تنظيمية للرهبنة؟

أيام البابا شنودة لم تكن ثمة لائحة، ونظريًا، كانت هناك فترة اختبار، فإذا استقر الأمر، واستوفى الشروط يتم اختياره داخل ديره.

وينبغي أن يعاد النظر في مسألة رئاسة الدير، فهي لم تكن للأسقف، وإنما كانت للقمص، والفارق بينهما أنه إذا لم تكن ثمة راحة إدارية للقمص يتم استبداله بشكل طبيعي، أما رئاسة الأسقف للدير فشكلت قيدًا على رهبان الأديرة، إلى جانب ربطه لسياسة بسياسة الكنيسة.

هل يعني ذلك أن قداسة البابا تواضروس الثاني صُدم بواقع الرهبنة؟

نعم، صدم في واقع الرهبنة، فهو الآن يعيش مأساة، فهو عندما كان أسقفًا كان مسؤولًا عن "لجنة الطفولة"، والاقتراب من الطفولة أكسبه البساطة، وبعدها عمل مساعدًا للأنبا باخوميوس، وهو أحد أساطين الإدارة الكنسية، لذلك لم يكن البابا تواضروس محتكًا بواقع الرهبان، ولا الواقع المؤسسي، فلما أصبح المسؤول الأول طرحت أمامه كل الملفات، ولو قارنت صورته الآن بصورته فورمجيئه ستعرف الفارق.

يعني ذلك أن ثمة أزمات جرى تصديرها له بشكل منظم؟

جانب من هذه الأزمات يصنعها له مساعدوه من "الحرس القديم"، فهؤلاء يترصدون البابا في حركاته، وسكناته، وهم مثل "الناصريون" -مع كامل تقديرنا لهم- لا يريدون أن يصدقوا أن عبد الناصر رحل، كذلك الحرس القديم لا يريدون أن يدركوا أن لكل عصر رجاله.

هل هي أزمة المقارنة الدائمة مع البطريرك الراحل البابا شنودة الثالث، أم شيء غير هذا؟

المقارنة مع البابا شنودة أزمة أي بطريرك كان سيأتي بعده، والقضية الأخطر أننا لم نعتد بعد على منهج الإدارة الحديثة.

لكن البابا تواضروس أقر عدة لوائح تنظيمية، وأعاد ترتيب البيت الكنسي من الداخل كما أراد منذ قدومه إلى الكرسي المرقسي.. فما المعاناة إذن؟

أعد لوائح نعم، لكن المعاناة الأكبر في تطبيق هذه اللوائح، فلائحة الرهبنة مثلًا تعد حلًا استثنائيًا، لكن "الرهبنة" ذاتها تحتاج إلى حلول أعمق من هذا بكثير، من بينها فصل ملكية الأديرة عن المشاريع التي تديرها، إلى جانب ضرورة خضوع فترة اختبار الراهب لمعايير واضحة.

في ضوء حديثك عن الأزمات التي تلاحق البابا تواضروس.. كيف رأيت تبعات أزمة بيان "توحيد المعمودية" مع الكاثوليك إبان زيارة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان للمقر البابوي؟

الانفعالات هي التي قادت المشهد في أزمة بيان "توحيد المعمودية"، وهذه واحدة من أمراض العالم الثالث، وهي أزمة يرجع تاريخها إلى 1600 عامًا، في ظل الاختلافات الثقافية بين المجتمعات، وبعضها، ومع ذلك لا يزال الحوار مستمرًا، وكل ما يدفع إلى التقارب هو قوة.

هل هذه الأزمة وراء الانتقادات اللاذعة التي تطال البابا تواضروس بين الحين، والآخر؟

لا، لكن اختفاء البابا شنودة "رحيله" مثل صدمة للكثيرين من أنصاره، واعتبر البابا تواضروس من دائرة خارج المحسوبين على البابا شنودة، وبالضرورة سبب ذلك أزمات، وانتقادات.

إلى أي مدى مثلت أزمة "مطرانية المنوفية خللًا في الرعاية، بعد اتهامات طالت الأنبا بنيامين بالتسبب في حبس أحد أبناء إيبارشيته؟

أزمة الأنبا بنيامين مطران المنوفية هي أزمة أبوة بالمقام الأول، وكنا نتمنى أن تدار بشكل أفضل وفقًا لما استلمه من الكنيسة عند رسامته، وأتصور أن البابا تواضروس الثاني تدخل بشكل غير مباشر لاحتواء الأزمة، لأنه الأخ المتقدم بين إخوة.

 

يحظى التيار العلماني القبطي بشعبية كبيرة في الوسط القبطي، وقلت: إن فترة البابا تواضروس الثاني شهدت حوارًا مباشرًا، وتواصلًا هامًا، فلماذا تغيب قيادات التيار عن قوائم المجالس النيابية ؟

في بداية عمل التيار العلماني لم نعمل إطلاقًا لأجل كسب شعبية، أو انتخابات قادمة، لكن مسألة القوائم هذه ترجع إلى قاعدة مستقرة "أن الأقربين إلى الكنيسة هم الأفضل للتعيين في هذه المناصب"، وبالنسبة لي فأنا حريص على المسافة بيني وبين مراكز السيادة.

وأرى أن أمور التعيينات في المجالس النيابية لم تختلف، فالقيادة الكنسية على اهتمامها المطلق بقضايا الكنيسة تستشير المتخصصين في دوائر غير معلنة، وسبق أن حضرت اجتماعًا في هذا السياق وكان معي عدد من النخبة، لكن تظل هنالك منطقة معتمة بين رجال الدين "الإكليروس"، والعلمانيين، وهناك حالة من التخوف، منشؤها المجتمع الأبوي، وتترجم ترجمة شديدة الحرص في الأجواء الكنسية.

هل شعرت يومًا ما بضيق جراء عدم تضمينك قوائم المجالس النيابية ؟

أؤكد لك أني محظوظ لعدم اختياري في أية مرحلة من المراحل، ذلك لأنني كنت سأصطدم بالخط السائد"، وأتذكر أن فترة "الإخوان" كانت الأمور تدار بعشوائية شديدة، والترشيحات غالبًا قائمة على تزكية من لجان تفتقر للحس السياسي,

هل ترى في ضوء ذلك أن الأقباط تراجعوا مرة أخرى للعزلة السياسية، وأصبحت الأمور في حيز التعيينات داخل المجالس النيابية؟

عزلة الأقباط جاءت على خلفية صراع بين قوى سياسية متناحرة، أدى فيما بعد إلى ارتباك تسبب في إغلاق المجال العام ربما لتجنب نشوء قوى سياسية مختلفة، وهناك فارق بين الأقباط في الشارع، والأقباط في المشهد السياسي.

فمن ناحية الشارع لا يوجد انعزال لأن ثمة اندماج واضح بين الأقباط، والمسلمين، وباقي فئات المجتمع، لكن الأقباط الرسميين لهم رؤية تسعى لتحقيق المصالح، ويجب أن تقرأ العزلة في سياق عام.

لكن البعض يرى أن التمثيل القبطي داخل المجالس النيابية في السنوات الأخيرة أسفر عن إقرار قانون تنظيم بناء الكنائس، واقتراب إقرار قانون الأحوال الشخصية..كيف ترى ذلك ؟

ما تم إنجازه من قوانين تم من خلال ضغط الشارع أولًا، لأن الكتلة النيابية القبطية ليست أغلبية حتى تستطيع تمرير قوانين، والسبب وراء هذا المنجز هم المفكرون، وعندما طرحت قضية بناء الكنائس دعونا للقاءات، وقدمنا مسودة مشروع قانون لمجلس النواب، وذهبنا لقصر الاتحادية، وقابلنا آنذاك اللواء أحمد جمال الدين مستشار الرئيس، إذن الفضل يعود للحراك الشعبي لأن مجلس النواب لم يجد أمامه سوى القبول.

إذن ما دور الحراك في قانون الأحوال الشخصية، وإلى أي مدى سيؤثر على إقراره؟

لم أطلع على مشروع قانون الأحوال الشخصية وكأنه سر من الأسرار العليا، وهذا يعد علامة استفهام، فبينما استحدثت المادة الثالثة بالدستور والتي تقول بحق الأقباط في الاحتكام لشرائعهم، تظل السيادة للمادة الثانية، لذلك كانت مادة "التبني" سببًا في رفض المشروع، إلى جانب الخلافات بين الطوائف.

والمطلوب أن يقدم مجلسا النواب، والشيوخ على طرح ما انتهت إليه لجان الصياغة، ويدعوان إلى مناقشات مجتمعية، لأن المنطق يقول بعرض المشروع على المهتمين داخل لجان استماع، سواء أصحاب القضايا من متضرري الأحوال الشخصية، أو المفكرين، حتى يخرج القانون بأقل قدر من الاختلاف، ولا يتسبب في أزمة، لأن جزء كبير من أزمات الشارع القبطي بسبب غياب هذا القانون.

 

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة