البائعات الجائلات.. تحرش يومي مسكوت عنه

 لم يمنع النقاب تعرض البائعة الجائلة أم أحمد للتحرش وطلبات الجنس من المارة تقول لـ"فكر تاني" "مفيش شهر بيعدي إلا وييجي واحد صغير أو كبير يعرض عليا الجنس بفلوس وأنا ست كبيرة كسرني القهر وقلة الحيلة، ملقتش غير الشارع استنجد بيه حتى الشارع قهرني "

على مسافة 2 كيلو متر تقريبا من شجرة السيدة العذراء مريم، تجلس أم أحمد 53 عاما، بظهر منحني وجسد نحيل، ترتدي ملابس رثة، تفترش الأرض بالمناديل والمسابح وأحياناً تجمع الخردة من الطرق إن لم تخونها صحتها.

لم تبدأ حياتها من هنا ولن تنهي، فهي في ترحال مستمر، انتقلت من المطرية إلى عين شمس، ومنها إلى ميدان الحلمية ثم الخصوص والمرج بلا مكان ثابت، بسبب المطاردات المستمرة من طليقها للحصول على أموالها ليتعاطى المخدرات.

حسب روايتها، شرد الزوج العائلة بعد أن باع شقتهم فظلت الأم وعيالها الأربعة بلا مأوى فلجأت للحياة في الشارع، لكن الزوج مدمن المخدرات ظل يطارد زوجته ليتحصل منها على رزقها القليل، وكلما رفضت تطاول عليها بالسب والضرب وطعنها في شرفها أمام الجيران والمارة.

تقول لـ"فكر تاني": ست زيي المرض حوجها وذلها ييجي عيل من سن عيالي يقولي تاخدي ألف جنيه وتيجي معايا ساعة".

أم أحمد ليست الوحيدة التي تتعرض للتحرش والعنف الجنسي، البائعات المتجولات يتعرضن يوميا التحرش والعنف الجنسي، فمريم 16 عاماً طالبة بإحدى المدارس الفنية بمنطقة وسط البلد، تخفت هي أيضا خلف النقاب حتى لا يكشفها أياً من زميلاتها في المدرسة، خاصة أنها تقف في إشارة مرور تبيع المناديل وأعواد البخور وتمسح السيارات، لتجمع مصروفات المدرسة، لكن يومها لا يمر بسلام، إذ تواجه يومياً حوداث التحرش من العابرين في الطريق أو من الزبائن الذين تدعوهم للشراء تقول لـ"فكر تاني": "أحيانا كتير يجي واحد عامل نفسه هيشتري عشان يعاكسني أو يطلبني أروح معاه البيت". تحاول ردع المتحرش ويتدخل أحيانا السريحة الذكور بحجة حمايتها ثم يدعونها لممارسة الجنس معهم.

قرابة 1.5 سيدة وفتاة مصرية يعملن كـ بائعات متجولات، ضمن 5 ملايين سريح حسب دراسة في 2019، دفعتهن أوضاعهن القاسية إلى تدشين اقتصاد غير رسمي، ينمو على جوانب وأطراف الشوارع التي أتخذن منها نافذة رئيسية للبيع وملاذاً لحماية استقلال مادي بالأساس هش، ورغم أن التجارة في مداخل الحارات والنواصي الشعبية والميادين لا تحقق حتى الحد الأدنى للأجور إلا أن الشابات الصغيرات والنساء المعيلات يجدن عبر هذه البوابات الخانقة طريقاً لتحقيق أمنهن الاقتصادي حتى ولو كان ضعيفاً مع ارتفاع مستمر لكلفة العيش، مقابل وضع اقتصادي عام يدفع الفقراء الجزء الأكبر من فاتورته.

وتتحول النساء اللواتي قررن البحث عن أقرب السبل لتلبية احتياجتهن المعيشية إلى محاربات، وكثير منهن ضعيفات يبدأن نشاطهن مع الساعات الأولى من الصباح وحتى منتصف الليل يحاولن النجاة في المعركة اليومية. إلا أن معاركهن ضد التحرش الجنسي أكثر شراسة.

التحرش بقا حاجة عادية

مع الوقت تبلدت مشاعر حنان إبراهيم، 35 عاماً، بائعة متجولة، تجاه التحرش. التحرش والعنف المصحوب بالتحرش الجنسي تحولا إلى روتين يومي تقابله في يومها وتتعامل معه كما لو كان طقساً عادياً، تقول لـ"فكر تاني": " أكتر نوع بقابله مدمني المخدرات يشربوا ويضايقوني يخطفوا مني الفاكهة يشتموني ويجروا يمدوا أيديهم على جسمي لحد ما بقيت المضايقات حاجة عادية.

رسومات: سلمى الطوبجي - فكر تاني

يقتصر عملها على الفترة النهارية فقط، بينما مساء تضطر للعودة للبيت قبل أن ينتشر الذكور على نواصي الشوارع ويضايقونها بصورة أعنف، لكنها تعمل في المواسم مساءاً لتوفير احتياجات أسرتها، تربت حنان بين 5 شقيقات وهي أوسطهن، توفي والدها مبكراً ما دفع بوالدتها إلى العمل لتوفير لقمة العيش، ولم تكن قادرة على توفير فرصة لتعليم البنات، جميعهن أخذن من الشارع سبيلاً للبحث عن لقمة العيش أو للحصول على زوج لضمان الستر وتجنب التشرد.

تسربت حنان من المدرسة سريعاً لكنها تقرأ بمستوى متوسط، كانت أكثر شقيقاتها حظاً في الفوز بزوج وأكثرهن تعاسة في الفشل المبكر للزواج أيضاً، كان حدوث الانفصال أسرع من فترة الحمل التي نتجت عنها مجيء صغيرة للحياة دون رغبتها، تحتاج للطعام والشراب، ما عجل بعودتها للشارع.

تقرأ الدكتورة جيهان النمرسي أستاذة علم النفس والإرشاد الأسري بجامعة الأزهر، الأسباب التي تؤدي إلى تبلد المشاعر أو الخدر العاطفي، تجاه التحرش بوصفه سلوكاً يعود بالأساس إلى عامل التربية والتنشئة الاجتماعية، التي بدورها تؤثر على آليات مواجهة العنف خارج المنزل والاستجابة النفسية له.

تشير النمرسي، إلى التطبيع والتكيف القسري مع العنف، بوصف العنف مواقف حتمية الحدوث بالإضافة إلى تكرار حدوثه، وتقول في حديثها مع فكر تاني: "هناك أعتقاد خاطئ تربى عليه الإناث أن التحرش في الشارع أمر طبيعي باعتباره ضريبة خروج الفتاة من المنزل وتعرضها للمضايقة خرجت وحدها دون وجود رجل معها وهذا بدوره يجعل الفتاة تقابل التحرش بالصمت وتقبل الوضع كواقع لا يمكن تغييره".

تلفت النمرسي، إلى ثقافة اللوم والوصم الاجتماعي، والتي تقوم على تحميل الأنثى مسؤولية ما تتعرض له من عنف، يحدث نتيجة ملابسها وتضيف: " كثيراً ما يكون التشكيك في سلوك الأنثى كسبب لحدوث التحرش ودفعها إلى كبت نفورها من العنف مما يترتب عليه تخدير المشاعر".

كوابيس واكتئاب واعتياد

بخلاف حنان، حكت أم أحمد لـ"فكر تاني" عن الأرق الدائم الذي تعاني منه منذ فترة، بسبب الكوابيس المتزاحمة في عقلها ليلاً، يفسر الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي، حالتها باعتبارها تعاني من القلق المزمن الذي نتج عنه اضطراب النوم مع إحساس بالعجز النفسي، وانعدام القيمة، يضيف في حديثه لفكر تاني : "عندما تتعرض المرأة لحوادث تحرش متكررة فإنها تصاب باضطراب الذات وتكون مفككة نفسياً بالإضافة لإصابتها بالآلام العضلية الوهمية".

رسومات: سلمى الطوبجي - فكر تاني

ويتفق معه الدكتور إبراهيم مجدي استشاري الأمراض العصبية والطب النفسي، أن طبيعة الشارع الشرسة خاصة المناطق التي يسيطر فيها الرجال على المجال العام، ويحتكرون الجلوس في الشوارع، تجعلهم غير متقبلين لوجود المرأة ما يدفعهم بالتحرش بها، وينتج عن ذلك تعرض النساء للأعراض النفسية المرضية.

يقول لـ"فكر تاني: "تصدم المرأة في البداية بالتحرش وقد تتدخل لمواجهة العنف وعندما تعجز عن مواجهته تصاب بالاكتئاب والقلق والتوتر الدائم".

ويوضح استشاري الأمراض العصبية، أن النساء غير القادرات على مواجهة التحرش والعنف المستمر يصبن بنوبات الهلع، ويضيف: "تتراكم هذه الاعباء حتى تتحول إلى مرض نفسي مزمن مثل الاكتئاب الحاد وارتفاع ضغط الدم وارتفاع السكر".

والسؤال الذي تطرحه تلك الجرائم هل بإمكان البائعات الجائلات تحرير محاضر رسمية ضد المتحرشين؟ هل يستطعن إثبات الوقائع وإدانة المتحرش في الوقت الذي يمارسن فيه نشاط تجارياً غير قانوني؟

هل يكفل القانون الحماية للبائعات الجائلات؟

طبقاً لقانون الباعة المتجولين رقم 33 لسنة 1957، فإن البائعات المتجولات يدرجن ضمنه ويدخل عملهن في إطار الاقتصاد غير الرسمي، وتصنف أنشطتهن الميدانية وفق قواعد اللوائح البلدية المنظمة له، ويقصد بهن النساء اللواتي يعرضن سلعهن في الأماكن العامة في الطرقات دون وجود محل ثابت ومستقر لكن الكثير منهن لا يحصلن على تصريح من الحي بمزاولة النشاط مما يضعهن في نطاق المخالفة القانونية، ويتسبب ذلك في ضياع حقوقهن ووضعهم في مأزق شديد خاصة لو تعرضن للتحرش خلال ممارسة عملهن، مما يجعلهن متخوفات من الإبلاغ عما تعرضن له.

يشير أحمد الهواري محامي حر، إلى صعوبة إثبات وقائع التحرش اللفظي أو دعوات الجنس التجاري التي تتعرض لها البائعات المتجولات وذلك يرجع إلى ادعاء المتحرش على البائعة باندفاعها عليه لأغراض التسول وأنها تأخذ من الوقوف في الشارع وعرض سلعها للبيع كستار للتسول وابتزاز المارة العاطفي تجاهها، مؤكداً أن المتحرش يمكنه بسهولة تبرأة نفسه من جريمة التحرش خاصة إن لم تستطع البائعة إثبات التحرش بها، ويشير الهواري إلى المادة 305 من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937، والتي تنص على البلاغ الكيدي أو الافتراء وهو اتهام شخص بريء عمداً بوقائع غير صحيحة لإلحاق الأذى به ويضيف في حديثه مع فكر تاني: " المتحرش بالنساء البائعات في الشارع سهل يحصن نفسه لمجرد إنه يقول إنها بتتبلى عليا عشان رفضت أديها فلوس بغية التسول وتتحول في لحظة من مجني عليها لمتهمة".

هل كل البائعات الجائلات يفهمن التحرش؟

لكن في قصة الاتهام ومعرفة الحقوق تفقد معاناها إذا لم تفهم السيدة التحرش اللفظي، وهذا ما حدث مع نورا وجنا  (14، 16) شقيقتان تبيعان الذرة المشوية ليلاً في شوارع القاهرة ويحتل تركيزهما على الشوارع الأكثر حركة لضمان وجود زبائن، ونظراً لصغر سنيهما فإن كثيراً من المواقف التي يتعرضان فيها للتحرش لا يفسران كون ما حدث تحرش أم لا.

تقول جنا لـ"فكر تاني"، إن بعض الشباب يومياً يحتالون عليهما يقدمون أنفسهم كما لو كانوا راغبين في الشراء ثم يصفون مناطق معينة من أجسادهما بعبارات جنسية مثل " صدرك كبير أوي، صدرك حلو ما تورهولي، أموت أنا وأوريكي ... " وغالبا ما تفهم الصغيرات الايحاءات الجنسية الصريحة، بينما لا تنتبه الفتاتين لعبارات التحرش غير الواضحة.

يعمل والدي جنا ونورا، كبائعين متجولين أيضاً لكن مع تكرر تعرض الصغيرتين للمضايقات أثناء مزاولة نشاطهما التجاري خلف عربة الذرة، بات الرجل يرافق ابنتيه للحد من تعرضهما للمواقف المزعجة، وبالرغم من ذلك ففي حالة عدم وجوده تقابل الفتاتين تحرشاً بشكل دوري. تضيف جنا: " مش كل التحرش بنفهمه ومش بنقدر ناخد أي موقف مع المتحرشين إحنا مبنردش لأن اللي بيعاكس مش من المنطقة هو مجرد واحد ماشي في الشارع إحنا منعرفوش".

رسومات: سلمى الطوبجي - فكر تاني

أم أحمد وحنان ومريم وجنا ونورا، سيدات وفتيات مصدر رزقهن الشارع، لا مؤسسة تحميهن ولا أكواد تحرش تمنع عنهم العنف الجنسي اليومي ولا حتى القانون يمكن أن يحميهن دون أن يحرمهن من رزق يومي بالكاد يسد رمقهن، ولا يملكن حتى تعاطف ضحايا ظهرن على السوشيال ميديا يقاومن التحرش، هذا تحرش مسكوت عنه ونتجاهله جميعا.شي

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة