يوميات صحفية برلمانية | تأجيل "الإجراءات الجنائية".. ارتباك في البرلمان وعام جديد من الانتظار

يواجه قانون الإجراءات الجنائية تعثرًا جديدًا قبل ساعات من بدء العمل به، رغم صدوره في الجريدة الرسمية في نوفمبر 2025، وبعد نحو عام من ترويج الحكومة والموالاة له باعتباره قانونًا للحقوق والحريات، إذ كان مقررًا أن يدخل حيز التنفيذ غدًا الخميس، 1 أكتوبر، قبل أن يدعو مجلس النواب إلى جلسة طارئة لبحث تعديل بعض أحكامه وإرجاء تطبيقه عامًا كاملًا.

وتعود أبرز الخلافات حول القانون إلى مرحلة إعداد مشروعه قبل أكثر من عام، حين واجه مجلس النواب اعتراضات من المعارضة والمنظمات الحقوقية ونقابة الصحفيين بعد انتهاء اللجنة الفرعية من صياغته، ومع تصاعد الاعتراضات، دخلت نقابة المحامين في مفاوضات بشأن المشروع، وحضر نقيبها عبد الحليم علام أكثر من اجتماع لطرح تعديلات النقابة ومناقشتها، قبل أن ينسحب من الجلسة النهائية اعتراضًا على تعديل المادة 105، التي تجيز للنيابة التحقيق مع المتهم في غياب محاميه.

وتكتسب خطوة التأجيل الحالية دلالة إضافية بالنظر إلى أن السلطة التي دفعت نحو إصدار القانون وروجت لإيجابياته خلال المراجعة الدورية الشاملة لملف حقوق الإنسان في مصر أمام الأمم المتحدة، تستند اليوم إلى عدم جاهزية المحاكم وعدم اكتمال البنية التحتية الإلكترونية اللازمة لتطبيقه، رغم أن القانون لا يشترط إجراء المحاكمات عن بُعد أو استخدام الإعلانات الإلكترونية، وإنما ينظم هذه الوسائل ويتيحها، مع الإبقاء على المحاكمات العادية والآليات التقليدية.

لا يعد التأجيل الحلقة الأولى لـتعثر القانون، إذ سبق وتعثرت مناقشاته خلال الفصل التشريعي الأول، وبعد مناقشته في الفصل التشريعي الثاني أعاده رئيس الجمهورية إلى مجلس النواب اعتراضًا على 8 مواد من نصوصه، قبل أن يعيد المجلس تعديلها في جلسة انتهت بانسحاب نواب المعارضة من الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي ونقيب المحامين. وأبقت هذه الجولة من الخلاف على حالة الجدل المحيطة بالقانون، الذي يلامس قواعد أساسية في منظومة العدالة والحقوق والحريات.

دعوة مرتبكة

في الساعة التاسعة من مساء أمس الثلاثاء، أو نحوها، أرسل مجلس النواب دعوة إلى الأعضاء موقعة من الأمين العام، المستشار أحمد مناع، جاء فيها "أود التنويه بأنه قد صدر اليوم قرار السيد رئيس الجمهورية بدعوة مجلس النواب لعقد جلسة طارئة باكر الأربعاء 30 سبتمبر 2026 الساعة 11 صباحًا. رجاء التفضل بحضور جلسة غدًا الأربعاء 30 سبتمبر للأهمية".

لاحقًا، أعاد المجلس توجيه دعوة بصيغة مختلفة جاء فيها "أود التنويه بأنه قد صدر قرار السيد المستشار هشام بدوي، رئيس المجلس، بدعوة المجلس لعقد اجتماع غير عادي للمجلس، لنظر مشروع قانون عاجل بناء على طلب من أكثر من 10% من أعضاء المجلس غدًا الأربعاء 30 سبتمبر 2026".

ويكشف اختلاف الدعوتين عن حالة ارتباك عشية طرح التعديلات التي جرى الدفع بها في اللحظات الأخيرة، إلى جانب اضطراب في ترتيب الإجراءات والتنسيق بين الأطراف المعنية.

وفي صباح اليوم الأربعاء، عقدت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية اجتماعًا قبيل الجلسة العامة، وتبين خلاله أن التعديلات تقدم بها النائب هشام الحصري، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن، ووقع عليها أكثر من عُشر أعضاء المجلس، وفقًا لما ذكره الحصري، الذي فسر التعديل وتأجيل تطبيق القانون بعدم جاهزية المحاكم والبنية التحتية حتى الآن.

وخلال اجتماع اللجنة، شكك النائب ضياء الدين داود في دستورية الانعقاد بهذه الصورة، وسجل في مضبطة الجلسة العامة التباين بين ما ورد في تقرير اللجنة من أن مشروع القانون قُدم بتاريخ 29 سبتمبر، وما ذكره الحصري خلال اجتماع اللجنة من تقديمه صباح 30 سبتمبر. وقال داود "لابد من التفرقة بين أمرين، الأول الدعوة للانعقاد وتستلزم طلب خاص موقع من 10% الأعضاء، والثاني منفصل عنها وهو التقدم بمشروع القانون ويستوجب أيضًا توقيع 10% الأعضاء".

من جهته، دافع رئيس مجلس النواب، المستشار هشام بدوي، عن إجراءات الانعقاد وتقديم مشروع القانون، مؤكدًا أنها استوفت الشروط الدستورية والقانونية.

مشادات في اللجنة التشريعية

رغم أن مناقشات مشروع قانون الإجراءات الجنائية في 2025 كشفت تباينًا في مواقف المعارضة، إذ رفض بعض النواب المشروع واعتبروه تراجعًا في مجال الحقوق والحريات، بينما أيده آخرون ورحبوا بضوابط جديدة للحبس الاحتياطي والتدابير الاحترازية البديلة؛ توحدت المعارضة اليوم في رفض التعديل، وجاء الاعتراض أحيانًا انتقادًا لإجراءات كشفت، في تقديرهم، عيوبًا في إدارة المشهدين البرلماني والحكومي، وأحيانًا خشية من إطالة أمد الحبس الاحتياطي وتحميل سجناء الرأي تبعات التأجيل.

وشهد اجتماع اللجنة التشريعية، قبيل بدء الجلسة العامة، مشادات بين نواب المعارضة والموالاة. وقال النائب المعارض أحمد فرغلي إن "ما يحدث اليوم هو نذير خطر، دي حكومة على ما تفرج"، مشيرًا إلى أن عدم الجاهزية هو السبب الذي دفع إلى تعديل القانون عشية الموعد المقرر لبدء تطبيقه.

وتساءل فرغلي "هل الحكومة التي دعت النواب لاستخدام سلطتهم الدستورية، أم النواب قدموا بأنفسهم؟ وهناك لغط كثير"، معربًا عن شكوكه في مبادرة مقدمي مشروع القانون، ومرجحًا وجود تنسيق للدفع بالتعديل من خلال النواب لرفع الحرج عن الحكومة.

وهو الطرح نفسه الذي تحدثت عنه النائبة عن حزب الإصلاح والتنمية راوية مختار، قائلة "هل الحكومة استشعرت الحرج؟ وهل النواب هم والنائب هشام الحصري عرفوا عدم جاهزية تطبيق القانون؟ مستاءة أن مجلس النواب هو اللي يشيل حرج الحكومة".

وقالت النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية "هل تمت مناقشة هذا القانون مع النواب ومع الحكومة؟ هذا السيناريو يعيب مجلس النواب ويضر بمصداقية المجلس".

وخلال المناقشات، اشتبك نواب المعارضة والموالاة كلاميًا، وتبادلوا المقاطعات. وطالبت النائبة شادية خضير، عضو المجلس عن حزب مستقبل وطن، بإجراء التصويت، بينما دافع الحصري عن "مشروعه" متسائلًا "هل تعتقد النواب أن نواب حزب الأكثرية مش موجودين في الشارع وعارفين إن البنية التحتية مش جاهزة؟"

وتساءل الحصري "هل الأصلح للمواطن تطبيق قانون والبنية التحتية غير جاهزة لتطبيق هذا القانون؟ وأفضل للمواطن والوطن وحفاظًا على الحريات تقدمنا بهذا التعديل بتوقيع 62 نائبًا"، فقابل نواب الموالاة حديثه بالتصفيق.

أما النائبة مها عبد الناصر، عضو المجلس عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، التي عارضت مشروع القانون خلال مناقشاته في الفصل التشريعي السابق، فقالت خلال اجتماع اللجنة التشريعية "كان لدينا مشكلة في القانون، ومع ذلك القانون تم تمريره، وفوجئنا ليلة التنفيذ أن لدينا مشروع قانون لتأجيله سنة"، مستنكرةً "زمان كان عندنا ترزية قوانين شاطرين، حاليًا مفيش مجلس نواب ولا حكومة".

الحكومة.. مش أنا دي أختي منى

جاء رد الحكومة على هجوم المعارضة على غرار نكتة "مش أنا دي أختي منى"، إذ قال وزير الشؤون النيابية، المستشار هاني حنا "إن الحكومة جاءت لإبداء رأيها في مشروع قدمه النواب وليس الحكومة".

وفي المقابل، شكك النائب علي خليفة، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، في مبررات التعديل، مشيرًا إلى تصريح لوزير العدل صدر قبل شهر تحدث فيه عن الجاهزية لتطبيق القانون ووجود خطة شاملة لتطبيق المنظومة الرقمية، وتساءل "كيف نقول مش جاهزين".

وأمام تشكيك خليفة، قال الوزير "هناك محاكم تم تجهيزها، وبعض المحاكم، مثل محاكم استئناف الجنايات، تحتاج إلى جاهزية، وبالتالي نوافق على التأجيل".

وطالب النائب ضياء الدين داود الحكومة بتقديم إحصائيات عن المحاكم التي جرى تجهيزها، مستنكرًا "اللي اشتغلنا عليه سنين يضيع في دقائق"، خصوصًا أنه كان عضوًا في اللجنة الفرعية التي أعدت مسودة مشروع القانون.

من أجل سجناء الرأي

كان حزب العدل من بين أحزاب المعارضة التي وافقت على قانون الإجراءات الجنائية في 2025، فيما رفض النائب حسين هريدي اليوم تأجيل تطبيقه، معتبرًا أن القرار يضر بالمحبوسين احتياطيًا من سجناء الرأي.

وقال هريدي في الجلسة العامة "رغم التحفظات وقتها وافقنا على القانون من أجل سجناء الرأي والمحبوسين احتياطيًا، اليوم بعد تأجيل القانون لمدة عام نؤجل خروج سجناء الرأي والسجناء الاحتياطي لمدة عام آخر"، مضيفًا "أتمنى نشوف سجناء الرأي والمحبوسين احتياطيًا يخرجوا، هذا إجراء إداري الحكومة قادرة تعمله وبعدين لو عايزة ترجئ القانون سنة أو اتنين أو تعيد مناقشته ومناقشة تحفظات المعارضة".

ورفض هريدي تأجيل تطبيق القانون، وطالب بالإفراج عن سجناء الرأي فورًا.

وتكرر الموقف نفسه في كلمة النائب مصطفى بكري، الذي ناشد رئيس الجمهورية الإفراج عن جميع المحبوسين احتياطيًا من غير المتورطين في قضايا إرهاب، مؤكدًا أهمية الحفاظ على حقوق المواطنين وضمانات العدالة، وذلك خلال الجلسة العامة غير العادية لمجلس النواب.

النور.. موافقة اضطرارية

لم يُبدِ حزب النور اعتراضًا على تأجيل تطبيق القانون، وجاءت موافقته صريحة خلال الجلسة العامة اليوم.

وقال النائب أحمد خليل، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب النور "مضطرين لذلك"، مضيفًا "هناك مجموعة من الركاب ذاهبين إلى المطار، وبعد الجلوس في صالة السفر تم إبلاغهم بإرجاء الرحلة نظرا لأن الطائرة معرضة للخطر، وما نشهده اليوم يشبه هذا المشهد، لكن المشكلة فيما سبق هذا الكلام، وهي الصدمة".

وأضاف "التشريع بالصدمة خطيئة إجرائية، ونحن أمام مشهد من الارتباك لا يمكن تحمله، ونحن موافقون على مشروع القانون، ولكن هذا لا يعني ألا نؤكد أن هناك ارتباكا، خاصة في مشهد الإخراج".

وأبدى خليل مخاوفه، قائلًا "مرعوبين على بلدنا بسبب الوضع الإقليمي، لكن هناك استرخاء إجرائي من الحكومة، ولذلك نحتاج إلى خطة من الحكومة تتحدث معنا، ويكون هناك مؤشرات واضحة".

من أجل المواطن والحريات

رغم أن نواب الموالاة وافقوا على القانون في الفصل التشريعي السابق، معتبرين أنه يستهدف حماية حقوق المواطن والحريات، رأوا اليوم أن تأجيل تطبيقه يصون أيضًا مصلحة المواطنين وحرياتهم.

وقال النائب أحمد العطيفي، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب حماة الوطن بمجلس النواب، إن قانون الإجراءات الجنائية تشريع بالغ الأهمية، لا يقتصر على تنظيم القواعد والإجراءات القانونية، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بمنظومة العدالة وحقوق المواطنين وحرياتهم وقدرة مؤسسات الدولة على إنفاذ القانون بدقة وكفاءة.

وأوضح العطيفي أن التعديلات تأتي بهدف نقل القانون من النص إلى التطبيق بصورة منضبطة، واستكمال الاستعدادات البشرية والفنية، مشيرًا إلى أن الهدف لا يتمثل في إصدار التشريعات فقط، وإنما في ضمان قدرتها على تحقيق الغاية التي صدرت من أجلها. وشدد على أن الإرادة السياسية اتجهت أثناء تشريع القانون إلى تحقيق ضمانات كبيرة للمواطنين، اتساقًا مع مسار الإصلاح التشريعي.

واختتم "القانون ينظم أحد أهم العلاقات في الدولة، وهي العلاقة بين حق الدولة في مواجهة الجريمة وحق المواطن في الحرية والمحاكمة العادلة".

بهذا انتهت الجلسة إلى تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية عامًا كاملًا، بعد ساعات من الجدل حول مبررات القرار وطريقة تمريره، في امتداد لخلافات صاحبت القانون منذ مرحلة إعداده، ورحب مركز استقلال القضاء والمحاماة بالتأجيل، الذي جاء بعد اعتراضات حقوقية مصرية وأممية على عدد من مواده، ومع تأجيل الموعد إلى العام المقبل، يظل مصير القانون مرتبطًا بما ستشهده الفترة المقبلة من مناقشات وتعديلات، وما إذا كان سيصل إلى موعد التطبيق الجديد من دون عقبة أخرى.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة