على الحائط، داخل صالة التحرير، تتراص بنود صارمة تناهض التحرش وتدعو إلى المساواة بين الرجال والنساء في الأجور، يمر بجانبها كل صباح محررون ورؤساء أقسام ومديرو تحرير، ربما يعرفونها معرفة تامة، غير أن الفجوة بين ما تنص عليه تلك القواعد وما يُطبق منها فعليًا لا تستوقف أحدًا منهم، وفي اتجاه معاكس، أو ربما في الخط نفسه، تتحرك مروة لتفهم كيف تسوق تلك الصحيفة الكبرى قيمة العدالة الاقتصادية كشعار جاذب للجمهور عبر تقاريرها الصحفية ومنصاتها الرقمية، بينما تبقيه معطلًا دون تطبيق على العاملين والعاملات فيها.
تقول الصحفية العشرينية لـ"فكر تاني"، إنه "بين قادة إدارة التحرير لا توجد امرأة واحدة، الرجال لديهم مشكلة حقيقية أن تشاركهم النساء صناعة القرار، رافضين أن تختار امرأة العناوين الرئيسية، أو تشتبك مهنيًا معهم بإدارة الجريدة، وبالتالي ليس لنا حق وضع سياسات عادلة للرواتب، حضورنا غير مرحب به".
وهذا الغياب التام عن صناعة القرار يفرض على الصحفيات العاملات في الجريدة الابتعاد عن تحديد السياسات المالية وتقدير الرواتب، فتقع كثيرات منهن، مع غياب الشفافية، في فخ التطبيع مع التفرقة، دون أن يدركن أن الفجوة في أجور النساء تُعد تمييزًا ممنهجًا ضدهن، فيرينها بدلًا من ذلك مسارًا طبيعيًا لأشياء لا يملكن القدرة على تغييرها، على حد تفسير مروة.
وتضيف مروة، التي نتحفظ على ذكر اسمها الحقيقي حماية لها، أن حصول زميلها الأقل خبرة وإنتاجية على مرتب أعلى منها، أو على امتيازات الترقي دونها، يمثل تمييزًا واضحًا لصالح الرجال، موضحة "في صحفيات سافرن وحققن إنجازات وحصلن على جوائز دولية رفيعة المستوى، ومع ذلك يفضّلن بلا ترقٍ في مناصب متواضعة أمام الصحفيين الرجال".
وعلى مسافة كبيرة، ربما عشرات الكيلومترات، تقف شاهندة، الموظفة في أحد البنوك الحكومية، أمام حائط لا يحمل أي لائحة تناهض التمييز، بل إعلانات عن خدمات البنك فقط، ومع ذلك تعي وطأة التناقض نفسه بين اللائحة والواقع، فحين تنفي وجود أي تفرقة في لوائح البنك، مؤكدة أن "اللوائح تحدد بدقة المرتبات، ولا وجود للتفرقة"، تكشف في الجملة نفسها عن مسافة مماثلة بين النص والتطبيق، حين تحكي لـ"فكر تاني" موقفًا حُرمت خلاله من مكافأة الأداء السنوية لصالح موظف جديد علمته العمل بنفسها، بدعوى أنه "بيفتح بيت"، فالمشكلة وفق ظنها "في الثقافة السائدة لكن مش لدرجة التمييز بالأجور".
لكن المسافة بين موقعَي مروة وشاهندة ليست مسافةً مكانيةً فقط، فهناك من ترى أن ثمة تمييزًا اقتصاديًا منهجيًا، وأخرى تُلقي باللائمة على الثقافة السائدة، في حين أنها عانت بوضوح من "منهج" ينحاز للرجل.
لماذا تخشى النساء الاعتراف بوجود تمييز في الأجور؟
قدمت دراسة بعنوان "لماذا تنكر بعض النساء التمييز القائم على النوع الاجتماعي؟"، صدرت في أبريل 2022 ونُشرت في المجلة الأوروبية لعلم النفس الاجتماعي، إجابة على هذا السؤال، كاشفةً عن بُعد سيكولوجي معقد يفسر استسلام النساء لعدم المساواة المالية.
فالدراسة التي شملت أكثر من 20 ألف مشارك ومشاركة من 23 دولة، خلصت إلى أنه كلما ساءت درجة التمييز ضد المرأة ومعدلات التحيز الجنسي في بلد ما، ازداد ميل النساء إلى إنكاره وعدم الاعتراف به، وهو ما يعكس عمق الأزمة، لأن المنظومة التي تنتهج سياسات التفرقة تشكل وعيًا نسائيًا يتعايش مع التمييز المالي بوصفه طبيعة الأشياء والحق في وضع لوائح بهذا الشكل لكل مؤسسة.
وتتفق ميرنا، وهي معيدة بإحدى الجامعات المصرية، مع نتائج الدراسة، وتقول: "شاهدت بنفسي كيف تروج نساء لفكرة حق الرجال في الحصول على مرتبات أعلى، باعتبارهم المسؤولين عن المصروفات المنزلية، بينما للنساء رجال تعيلهم".
وتوضح ميرنا، وهي في الثلاثين من عمرها، قائلة "كنت مسؤولة عن مقابلات مع أشخاص متقدمين للعمل، ومعي زميلة تتحقق من اختيارات الأفراد، كانت دايمًا بتقول إن مرتبات الرجالة لازم أن تكون أعلى من النساء لأن الرجالة بتصرف على البيوت أما الستات لأ".
ويكشف الباحثون المشاركون في الدراسة نفسها أن إنكار التمييز بين الجنسين يرتبط بتحسن الرفاهية الذاتية لدى النساء، ذلك أن الاعتراف بالتمييز يمثل أمرًا مؤلمًا نفسيًا، فتلجأ النساء لا شعوريًا إلى الإنكار بوصفه آلية دفاعية تمنحهن شعورًا زائفًا بأن العالم أكثر عدلًا، مما يحمي استقرارهن العاطفي ورفاهيتهن في العمل. بينما يشير الباحثون في المقابل إلى الثمن الكبير المدفوع نتاج هذا التكيف النفسي، إذ لا يعمي وعي النساء عن الأشكال التقليدية للتمييز كالفجوة الهيكلية في الأجور وحرمانهن من الترقيات فحسب، وإنما يجعلهن أيضًا يتغاضين عن الأنماط الأكثر سوءًا، مثل مقاطعة النساء المستمرة أثناء الحديث أو التعرض للتحرش في بيئات العمل، لتصبح النتيجة تعميق الفجوة برضا الضحايا أنفسهن.
منظومة كاملة من التمييز
وتشير نهى، الأربعينية التي تعمل فنانة تشكيلية ومصممة أزياء، إلى الأمر ذاته، موضحة أنها في مستهل مسيرتها المهنية لم تكن تعلم أن التفاوت الجندري يبدأ من عتبة العقد الأول، تقول "في بداياتي، لم تكن لدي الخبرة الكافية للتساؤل عما إذا كان زميلي، الذي يتقاسم معي ذات المسمى الوظيفي والمسؤوليات، يتقاضى أجرًا أعلى لمجرد أنه رجل، كان في تجهيل قسري غلفه غياب الشفافية في الأجور داخل الشركات التي عملت فيها، ولم أتفاوض وقتها على حدود المرتب".
وتتابع "مع مرور الوقت وتراكم الخبرات، تكشفت لي حقيقة أن النساء المتفوقات يواجهن نظام تقييم مجحف يعتمد على الجنس وليس بحسب الاستحقاق والموهبة". وتستكمل "إجازاتنا كستات كانت بتترفض في مقابل مرونة مطلقة يتمتع بها الزملاء الذكور، وبيتقال لنا مبررات واهية وبيتم وصمنا بكلمات من نوعية: أنتم ستات يعني عندكم دورة شهرية تغير مزاجكم وتأثر على الشغل".
وترى نهى أن تلك العبارات خلقت مناخًا عامًا يحتقر وجود النساء، تارة عبر التحرش اللفظي أو الجسدي، وتارة أخرى بمعايرتهن بتغيراتهن البيولوجية الطبيعية، معتبرة أن الهدف صياغة سردية تبريرية تُقنع النساء بأن رواتبهن الضئيلة مقارنة بالذكور هي كل ما يستحققنه، وتقول "نجحوا بالفعل في إقناع الكثيرات، حتى أن بعض الستات بقت تبرر هذا التمييز في حين تفوقي بشكل واضح في الإنتاجية والخبرة والالتزام لكن مكافأة الذكور في النهاية لمجرد جنسهم".
وتتحدث هدير، الطبيبة أخصائية أمراض الكلى في إحدى الجهات الحكومية، عن المنظومة الذكورية المتكاملة نفسها، وتقول "مقدرش أفصل التمييز في الأجور عن المنظومة كلها، القادة الرجال بيعتبروا وجودنا عبء وخطأ عليهم إصلاحه بالضغط علينا بأعمال زائدة عن الحد، لإثبات استحالة أن نحقق ما يحققه الرجال، ومن ثم يجدوا ما يبرر وجود مرتبات أقل، رغم كفاءة النساء التي يشهد لها الجميع".
لماذا لا تتفاوض النساء؟
أحيانًا لا يبدأ التفاوت في الراتب عند لحظة دفع الأجر، وإنما قبلها بكثير، فقد يبدأ عند اللحظة التي يقرر فيها العامل والعاملة كم يستحق، وما إذا كان يستطيع أن يطلب المزيد أم لا. وخلال تجربة ميدانية واسعة شملت نحو 2500 باحث عن عمل في 9 مدن أمريكية بين نوفمبر 2011 وفبراير 2012، نشر باحثان إعلانات حقيقية لوظائف مساعد إداري، وكان الأجر المعروض واحدًا تقريبًا في جميع الإعلانات، غير أنهما جعلا بعض الإعلانات تقول بوضوح إن الأجر "قابل للتفاوض"، بينما تركت إعلانات أخرى مسألة التفاوض غامضة.
ووفق التجربة، أحدث هذا التفصيل الصغير فرقًا واضحًا في سلوك المتقدمين، فقد كان الرجال أكثر ميلًا إلى بدء التفاوض عندما لا يُقال لهم صراحة إن الراتب قابل للتفاوض، بينما أصبحت النساء أكثر حزمًا في طلب أجر أعلى عندما كانت إمكانية التفاوض معلنة بوضوح، وقلص توضيح قابلية الأجر للتفاوض الفجوة بين الرجال والنساء في الإقبال على هذه الوظائف بنحو 45%، لتضع هذه النتائج فكرة "المرأة لا تتفاوض" محل تشكيك، فحين تكون قواعد العمل غامضة، قد يتصرف الرجال والنساء بطريقة مختلفة، أما حين تصبح مساحة التفاوض معلنة بوضوح، فإن الفارق بينهما يتقلص بدرجة كبيرة.
ومع ذلك، ترتبط فجوة الأجور بين الجنسين بعوامل متعددة، ففي تقريره "المرأة وأنشطة الأعمال والقانون"، الذي يرصد العوائق التي تواجه النساء في سوق العمل والاقتصاد حول العالم، وضع البنك الدولي مصر في المرتبة 175 من بين 190 اقتصاديًا، وهي مرتبة تكشف عن فجوة واسعة بين ما تسمح به القوانين وما يمكن للنساء الوصول إليه فعليًا في سوق العمل.
كما وسع التقرير الصادر عام 2024 نطاق قياسه إلى ما هو أبعد من وجود النصوص القانونية، فأضاف مؤشرات تتعلق بالحماية من العنف وخدمات رعاية الأطفال، ثم قدم منهجية موازية تسأل عن مدى تحول الحقوق التي ينص عليها القانون إلى واقع، وخلص إلى أنه لا توجد دولة حول العالم تحقق المساواة الكاملة بين النساء والرجال إذا انتقلنا من النصوص القانونية إلى آليات التنفيذ والممارسة الفعلية، ووصف البنك الدولي الفجوة العالمية بين الجنسين بأنها هائلة وتتجاوز التوقعات.
أما مصر، فقد جاءت مؤشراتها منخفضة للغاية، وتراجع ترتيبها أربعة مراكز نتيجة تحسن ترتيب اقتصادات أخرى، ويقيس المؤشر ثمانية مجالات رئيسية تؤثر على الحياة الاقتصادية للنساء، هي التنقل ومكان العمل والأجور والزواج والوضع القانوني وريادة الأعمال والملكية والمعاش التقاعدي، من خلال النظر في القوانين والسياسات الداعمة، ثم مقارنة ذلك بمدى وجود آليات تسمح بتطبيق هذه الحقوق على أرض الواقع.
وعلى مقياس العوائق القانونية أمام مشاركة النساء في العمل والاقتصاد، لم تتجاوز مصر 50.6%، مقابل متوسط عالمي يبلغ 77%، وتنخفض النسبة أكثر عندما يتعلق الأمر بالحماية من العنف ورعاية الأطفال، إذ سجلت مصر 37.5% مقابل 64% عالميًا. أما عند الانتقال إلى المؤشر الذي يفحص اللوائح والآليات التنفيذية التي يفترض أن تجعل القوانين قابلة للتطبيق، فلا يتجاوز مستوى المساواة بين النساء والرجال في مصر 27%، مقابل 40% عالميًا.
وتكشف هذه الفجوة بين القانون وآليات تنفيذه عن مشكلة تتجاوز مجرد وجود نص قانوني من عدمه، فقد تُرفع بعض القيود القانونية أمام مشاركة النساء في العمل، لكن من دون سياسات وآليات تنفيذية كافية تجعل المساواة ممكنة في الحياة اليومية، وبذلك تصبح المساواة في بعض الحالات حقًا على الورق، دون أدوات كافية للوصول إليه.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في مجال ريادة الأعمال، فبينما تتحدث السياسات عن دعم ريادة أعمال النساء، لم يتجاوز المؤشر القانوني الخاص بهذا الدعم 50%، ووصل مؤشر وجود الآليات التنفيذية الفعلية إلى صفر بالمئة، أي أن الاعتراف النظري بأهمية دعم النساء اقتصاديًا لا يصاحبه بالضرورة ما يكفي من أدوات وسياسات تجعل هذا الدعم واقعًا يمكن للنساء الاستفادة منه.
وتبقى الأجور واحدة من أكثر فجوات المؤشر وضوحًا، إذ جاءت المساواة القانونية في الأجور صفر بالمئة، وصفر بالمئة أيضًا في الآليات العملية، ليتخطى المؤشر عملية قياس الفارق بين ما تحصل عليه امرأة وما يحصل عليه رجل نهاية الشهر إلى البحث عن قواعد وآليات تضمن المساواة في الأجر، وتكافؤ فرص الوصول إلى الوظائف الأعلى أجرًا.
بنية ثقافية تدعم غياب المساواة في الأجر
ولا يمكن قراءة أرقام التفاوت الأجري بين الجنسين في مصر بمعزل عن البنية الثقافية والاجتماعية التي تغذي هذا التمييز، وفي هذا السياق، تؤكد مي صالح، عضوة مجلس أمناء مؤسسة المرأة الجديدة، لـ"فكر تاني" أن التمييز في الأجور ليس مجرد خلل عارض، وإنما ممارسة منهجية تترسخ في القطاعين العام والخاص على السواء. وتُرجع صالح هذا التفاوت الاقتصادي إلى هيمنة العقلية النمطية داخل سوق العمل، وهي النظرة التقليدية التي ما زالت تحصر صفة "المُعيل الوحيد" في الرجل لتبرير منحه الامتياز الأجري الأكبر، وهي فرضية تفككها الأرقام الرسمية وتكشف زيفها، إذ تُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2020 أن النساء يحملن العبء الاقتصادي الكامل لـ 3.3 مليون أسرة مصرية، بنسبة تمثل 13.4% من إجمالي الأسر.
ولا تتوقف العوائق الهيكلية عند حدود الأجر الأساسي، بل تمتد بحسب صالح إلى حجب الفرص التنافسية عن النساء، حيث يُحرمن من السفر أو الترقي أو الحصول على ساعات عمل إضافية تحت ذريعة أولوية "المسؤوليات العائلية"، وهو تحليل تلتقي في طرحه ذاته ندى، الأربعينية التي تعول طفلين وتعمل مونتيرة وصانعة محتوى رقمي، إذ ترى أن فجوة الأجور تشمل مجموعة من صور التمييز المركب الذي تواجهه في مهنتها.
تقول ندى إن مهنتها تفتقر لعقود موثقة أو أطر قانونية تضمن سقفًا عادلًا للأجور، وقد اكتشفت أن زميلين لها من الرجال يتقاضيان أجورًا أعلى منها بكثير، رغم أن أحدهما أعزب وحديث التعيين في المؤسسة مقارنة بأقدميتها وكفاءتها المشهود لها، بينما يُبرر التمييز للزميل الآخر بناءً على حالته الاجتماعية كمُعيل لأسرة، وهو ما يجسد عمليًا فرضية التنميط الاجتماعي للأجور التي تدفع النساء ثمنها غيابًا للعدالة.
وعلى صعيد مهنتها الأساسية كمتخصصة في المونتاج، تواجه ندى أزمة أعمق تتعلق باحتكار الرجال للفرص في سوق الميديا العربي، وترى أن هذا التفضيل لا يستند إلى الكفاءة الفنية، تقول "تقدم النساء نفس الجودة المهنية ورؤية أكتر إبداع، لكن معايير سوق العمل غير مرنة وأصحاب العمل بيفترضوا مسبقًا المرونة المطلقة للرجال، وقدرتهم على المبيت في الاستوديوهات لأيام متواصلة، أو السهر لساعات متأخرة، والتواجد فور الاستدعاء، وهي شروط تعجيزية تُقصي النساء نتيجة القيود الاجتماعية، ومع ذلك في ستات بتقدر تعمل ده لكن أصحاب العمل مبيرضوش".
ويكشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وجود تباين لافت في مصر عند توزيع الأجور بين الجنسين، إذ تميل الكفة في القطاع العام وقطاع الأعمال العام لصالح النساء بمتوسط أجر شهري يبلغ 15,206 جنيهات مقابل 14,540 جنيهًا للرجال، بينما ينعكس هذا المشهد تمامًا في القطاع الخاص ليصبح التمييز الأجري ضد النساء واضحًا، بمتوسط شهري يتوقف عند 4,928 جنيهًا مقارنة بـ 5,998 جنيهًا للرجال.
وعند النظر إلى المشهد الكلي لسوق العمل ودمج القطاعين معًا، يستقر المتوسط العام لأجور النساء عند 5,529 جنيهًا، متخلفًا بنحو ألف جنيه عن متوسط أجور الرجال البالغ 6,523 جنيهًا، لتضع هذه الفجوة الرقمية علامات استفهام كبرى عن مدى جدية وجاهزية آليات الرقابة لتطبيق مبدأ المساواة في الأجر عند تماثل قيمة العمل، وتفتح الباب لمراجعة الأسباب الهيكلية الكامنة وراء هذا التفاوت الاقتصادي.
وربما تحمل قصص مروة وشاهندة وميرنا ونهى وهدير وندى فروقًا مهنية وشخصية كبيرة، إذ تمثل كل منهن فئة صحفيات أو موظفات بنك أو أكاديميات أو طبيبات أو مصممات أزياء أو صانعات محتوى، غير أن ما يجمعهن يتجاوز اختلاف المهن، فهن يعملن في بيئات لا تكون فيها قواعد الأجر واضحة، ولا فرص الترقية والمكافآت متاحة بالضرورة على قدم المساواة، بينما تظل فكرة الرجل المُعيل حاضرة كتبرير جاهز لمنحه مزايا لا تُمنح للنساء بالقدر نفسه.
فبينما تقول الأرقام إن الفجوة موجودة، وتكشف الشهادات كيف تظهر داخل أماكن العمل، وتفسر الدراسات بعض الآليات النفسية والاجتماعية التي تساعد على استمرارها، يبقى سد هذه الفجوة رهينًا بلحظة يحصل فيها العامل والعاملة على أجر متساو عندما تتساوى قيمة العمل ومسؤولياته، وأن تكون معايير التقييم والترقي والمكافآت معلنة وقابلة للمساءلة. وما دامت هذه القواعد غائبة أو غير قابلة للتنفيذ، ستظل المساواة حقًا مكتوبًا، بينما تدفع النساء ثمن الفجوة كل شهر.