من "شباك إزاز" إلى ظلمة الزنزانة.. عمر صلاح يطفئ شمعته الـ37 في السجن

لن يحتفل المخرج وكاتب السيناريو عمر صلاح مرعي بعيد ميلاده الـ37 الذي يحل اليوم الأحد 20 سبتمبر مع أسرته، وإنما داخل زنزانة في سجن العاشر من رمضان، على ذمة القضية رقم 3383 لسنة 2026 حصر أمن دولة، بتهمة نشر أخبار كاذبة.

ومنذ 11 مايو الماضي، يتجدد حبس عمر احتياطيًا كل 15 يومًا على ذمة القضية التي لا يستند الاتهام فيها، بحسب محاميه، إلا إلى محضر تحريات من الأمن الوطني ولقطات شاشة من حساباته على السوشيال ميديا.

تعنت مبكر

في مساء 11 مايو الماضي، داهمت قوة أمنية بملابس مدنية منزل عمر في سرايات المعادي، وحطمت باب الشقة وأجزاءً من محتوياتها، وصادرت 4 أجهزة لابتوب وهاتفين محمولين، إضافة إلى الاستيلاء على مبلغ يقدر بنحو 50 ألف جنيه، من دون إثباته في محضر التحقيقات.

ولم تتوقف آثار تلك الليلة عند المداهمة، إذ ظل عمر مختفيًا قسريًا 6 أيام، لم تعرف خلالها زوجته نورا السيد أو محاميه مكانه. ومع بقاء نورا ومحاميه يوميًا في نيابة أمن الدولة انتظارًا لظهوره، عُرض عمر على النيابة يوم السبت 16 مايو دون حضور محاميه.

وتؤكد نورا السيد لـ"فكر تاني"، أنها كانت موجودة مع المحامي خالد علي حتى غادرت النيابة في نهاية اليوم عند الساعة الثانية عشرة إلا ربعًا، أي قبل منتصف الليل، ليظهر عمر مباشرة بعد التأكد من مغادرة زوجته ومحاميه، ويُعرض على النيابة بحضور محامٍ غير محاميه، فتقرر حبسه احتياطيًا 15 يومًا. وتقول بمرارة "أنا مش مسامحة، لأن هما عارفين إننا موجودين، المحامي موجود وأنا موجودة، فاستكثروا عليا إني أطمن عليه، استكثروا عليا إني حتى أتأكد إنه كويس".

من الهندسة إلى السينما

وتحمل حياة عمر قبل الحبس مسارًا مختلفًا تمامًا عن اللحظة التي وجد نفسه فيها داخل الزنزانة. فقد بدأ حياته في الإسكندرية، قبل أن تنتقل أسرته إلى القاهرة عام 2003. وبعد تخرجه في كلية الهندسة، عمل مهندسًا 3 سنوات، ظل خلالها شغوفًا بالسينما التي اعتاد عليها منذ طفولته، حتى قرر ترك الهندسة والتوجه إلى الإخراج.

كان فيلمه القصير الأول "شباك إزاز" عن شاب مكتئب يرى العالم أسود، وحين يمسك بالكاميرا يبدأ في رؤية الألوان من جديد. وفي فيلمه "هروب جناب الكوماندا المهم"، الذي كتبه وأخرجه، تناول أفكارًا شرقية محافظة في إطار كوميدي، وحصد عنه جائزة أفضل سيناريو في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2017.

ويرتبط اختياره للسينما، كما تصفه نورا، بما يعيشه ويعرفه عن قرب. وتقول لـ"فكر تاني" إن عمر يبحث دائمًا عن الأشياء التي عاشها أو يعرفها، وإنه استخدم السوشيال ميديا، مثل كثير من صناع السينما، باعتبارها الساحة المتاحة للتعبير عن قضايا الصناعة، ومنها الأجور غير العادلة وغياب احترام النساء داخل المهنة، في ظل غياب أي معارك جماعية حقيقية للعاملين فيها.

وكانت حياتهما قبل القضية، بحسب نورا، "مليئة بالآمال والطموحات". ففي الوقت الذي كان عمر يستعد فيه لتصوير فيلمه الجديد، كانت تستعد هي لدراسة الدكتوراه ومواصلة عملها، وكانا يعتادان في مثل هذا الوقت من كل عام السفر إلى الساحل الشمالي أو الجونة أو نويبع، وكانت آخر رحلة لهما في مارس الماضي.

ثم بقيت تفاصيل الحياة اليومية بعد القبض عليه شاهدة على الغياب. تقول نورا "قبل القبض عليه، كان قد طلب كنبة لمنزلنا، لكنها وصلت بعد حبسه مباشرة". ولا تزال الكنبة أمامها حتى الآن، مغلفة كما وصلت، إذ لم تجرؤ على الجلوس عليها من دونه، وتقول "أراها كل يوم وأنتظر عودة عمر".

دوامة الحبس الاحتياطي

ومن هذا الانتظار دخلت القضية مسارًا أكثر امتدادًا، فمنذ ظهور عمر الأول أمام النيابة، دخلت في سلسلة متصلة من تجديدات الحبس كل 15 يومًا. وفي 14 سبتمبر الجاري، قررت نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبسه للمرة العاشرة والأخيرة أمامها يوم الاثنين الماضي، لينتقل ملف القضية بعد ذلك إلى مرحلة "قاضي المشورة"، بعدما أمضى قرابة 4 أشهر كاملة رهن الحبس الاحتياطي في قضية تتعلق بالكامل، بحسب وصف الأسرة، بالتعبير عن الرأي.

وعقب هذا التجديد، وصفت أسرة عمر القرار بأنه لم يعد مجرد تجديد آخر يضاف إلى القرارات السابقة، مؤكدة أنها لم تلحظ أي تطور في التحقيق يفسر استمرار حبسه طوال هذه المدة. وترى الأسرة أن الحبس الاحتياطي ليس عقوبة، ولا يجوز أن يتحول مع مرور الوقت إلى عقوبة فعلية لمجرد استمرار التحقيق.

وتستند الأسرة في موقفها إلى أن الدستور المصري يكفل حماية واضحة لحرية التعبير والنشر، وأنه وفقًا للمادة 71 من الدستور المصري "لا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون".

لكن نورا تصف واقعًا إجرائيًا مختلفًا، إذ تؤكد أن عمر لم يُستجوب فعليًا سوى مرة واحدة طوال الأشهر الأربعة، رغم تعاقب وكلاء النيابة على تجديد حبسه دون اطلاع كافٍ على تفاصيل قضيته. وتصف ما جرى بأنه إخلال بحقه في محاكمة عادلة، قائلة "بيخلينا مش واثقين في العدالة ولا في النظام القضائي".

أزمات صحية

ووسط امتداد الحبس، ظهرت مشكلات صحية تضيف إلى معاناة عمر أبعادًا أخرى، وتكشف نورا السيد أنه يعاني 3 مشكلات صحية في آن واحد، مرض مزمن في الغدة الدرقية يستلزم متابعة دورية، وحالة اكتئاب يتلقى لها علاجًا دوائيًا حساسًا يحتاج إلى إشراف طبيب نفسي، وإصابة في الرسغ خضع بسببها لجراحة تركيب شرائح ومسامير قبل القبض عليه مباشرة.

وتقول نورا إنه رغم إجراء أشعة له داخل السجن، ظل الورم في يده مستمرًا دون علاج كافٍ. وفي جلسة التجديد الأخيرة، أثار دفاعه مجددًا حاجته إلى عرضه على طبيب نفسي وطبيب أوعية دموية، بعد نحو 4 أشهر من توقف جلسات علاجه الطبيعي عقب الجراحة، محذرًا من آثار صحية طويلة المدى قد تنتج عن استمرار الإهمال.

تضامن بلا صدى

ومع تواصل الحبس وتزايد المخاوف الصحية، تحركت عدد من المنظمات الحقوقية المصرية والدولية للمطالبة بالإفراج عن عمر، كما طالبت منظمات حقوقية بتمكينه من العلاج ووقف تدهور حالته الصحية.

وأصدرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات ومؤسسة Committee for Justice، ضمن تحالف من 18 منظمة حقوقية، بيانًا مشتركًا بمناسبة مرور 100 يوم على احتجازه، جددت فيه المنظمات مطالبتها بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه وإسقاط التهم الموجهة إليه.

وكان هذا الحراك الحقوقي متزامنًا مع دعم سياسي ونقابي، بحسب نورا، إذ تؤكد أن الأحزاب السياسية قدمت دعمًا مستمرًا لعمر عبر النشر والتوقيع على البيانات. أما نقابة المهن السينمائية، فتحركت في الأيام الأولى من اختفائه بوفد قابل النائب العام، قبل أن تتوقف عن أي تحرك آخر، معتبرة أن الأمر أصبح "قضية" لا مجال لها للتدخل فيها بشكل أكبر.

وعلى المستوى القانوني، يوضح المحامي نبيه الجنادي لـ"فكر تاني" أن النيابة بنت قرارها على أساسين لا أكثر، محضر تحريات من الأمن الوطني، ولقطات شاشة من حساب عمر. ويؤكد أن التحريات لا تعبر إلا عن رأي الضابط الذي أجراها ولا ترقى إلى دليل دامغ، كما يقول إن عمر احتُجز بشكل غير قانوني قبل عرضه على النيابة، إذ لم تُعرض عليه أي مذكرة قبض أو تفتيش.

وبعد انتقال الملف إلى مرحلة قاضي المشورة، يرى الجنادي أن المسارات المحتملة للقضية تتراوح بين إخلاء سبيل عمر أو استمرار حبسه أو إحالته إلى المحاكمة.

رسالة أخيرة من نورا

ومن موقع الزوجة التي بقيت تتابع تفاصيل القضية منذ ليلة القبض عليه، توجه نورا عبر "فكر تاني" مطالبتها بالإفراج عن جميع سجناء الرأي وإغلاق هذا الملف نهائيًا، معتبرة أن استمرار هذا الوضع استنزاف لمواردهم وطاقتهم وحياتهم، دون أي مساءلة من الجهات المسؤولة.

وتصف نورا حالة الاستهانة التي تشعر بها هي ومن حولها، قائلة إن المواطنين "مش متشافين، مش مهمين في بلدهم"، وإن لا أحد من المسؤولين يراجع نفسه إزاء ما يحدث لأسر هؤلاء الشباب.
وبينما تدخل قضية عمر مرحلتها القانونية الجديدة، يظل السؤال الذي تطرحه أسرته معلقًا دون إجابة، ما الضرورة القانونية التي تبرر استمرار حبس رجل لم توجه إليه سوى تهمة النشر على حسابه الشخصي، بعد 4 أشهر أمضاها بعيدًا عن بيته وكاميرته وأسرته؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة