وإذا الموءودة سُئلت بأي ذنب قُتلت

في صباح السبت 15 أغسطس الماضي، استيقظت مساكن "الشوش" في "بلصفورة" بمحافظة سوهاج على فاجعة العثور على 3 جثث، حسناء، زوجة الرجل الذي صار بعد ساعات قليلة متهمًا بقتلها، وشابين في مقتبل العمر يُدعيان رجب ومحمد.

بدأت الواقعة جريمةً مجردة، 3 قتلى وسكين وتحقيقات لم تبدأ بعد في قول كلمتها الأخيرة. ثم حضرت كلمة واحدة، كأنها كانت تنتظر فرصتها لتقتحم الحكاية، "الشرف".

فجأة، لم تعد حسناء امرأةً قُتلت، وإنما قضيةً يُنقب في تفاصيل حياتها الخاصة بحثًا عما قد يبرر موتها. ولم يعد الزوج متهمًا ينتظر عدالة القانون، وإنما غدا في نظر البعض رجلًا "غسل شرفه". وانصرف الاهتمام عن القاتل والقتيل إلى أسئلة من نوع، هل خانت؟ مع مَن؟ وهل كانت الصور حقيقية؟ وهل كان ذلك الصوت صوتها؟

وسط روايات متضاربة عن خيانة مزعومة، أو حسابات وهمية، أو ابتزاز، أو حتى صور مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ظل شيء واحد مؤكدًا، 3 أرواح أُزهقت، بينما الحقيقة لا تزال في طور التشكل.

أما حسناء، فلم تنتظر الحقيقة، إذ ماتت مرة حين طعنها زوجها، وماتت ثانية حين استُبيحت حياتها الخاصة أمام جمهور لم يملك دليلًا، لكنه امتلك حكمًا جاهزًا.

من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

السؤال الخطأ

حين تُنطق كلمة "خيانة"، يسارع كثيرون إلى تصديق الرواية دون تريث، كأننا لسنا بحاجة إلى إثبات لفهم الجريمة، أو كأن مجرد احتمال خيانة المرأة يجعل قتلها واقعةً قابلة للتبرير، ويفتح الباب لنبش حياتها الخاصة بحثًا عن مسوغ لإنهاء حياتها.

السؤال الجوهري ليس "هل خانته؟"، وإنما لماذا نشعر بالحاجة إلى استقصاء تفاصيل حياتها الخاصة حتى نقرر أن قتلها جريمة؟ وهل يتغير الحق في الحياة بناءً على صحة الصور أو حقيقة العلاقة؟ وهل تفقد حياتها قيمتها؟ وهل يمنح ذلك زوجها حق سلبها إياها؟

وتكشف قضية "فتاة الصف" التي هزت الرأي العام مؤخرًا الوجه الآخر للسؤال نفسه. فالطفلة آية رضوان، ذات الـ16 ربيعًا، تغيبت عن منزل أسرتها بسبب العنف الذي كانت تتعرض له، ثم عثرت عليها الأجهزة الأمنية في الإسكندرية وأعادتها إلى أسرتها، وبعد عودتها، قُتلت على يد شقيقها، الذي قررت النيابة حبسه على ذمة تحقيقات لا تزال تبحث في ملابسات الواقعة ودوافعها، بينما تشير الأولية منها إلى أن الجريمة ارتبطت بتركها منزل الأسرة، فيما جرى تجاهل بيان وزارة الداخلية الذي قامت بنشر صورتها، لتتعرض للوصم والتنكيل على منصات التواصل الاجتماعي.

هنا، لا توجد زوجة متهمة بالخيانة، وإنما فتاة غادرت منزل أسرتها فرارًا من العنف. ومع ذلك، يبرز السؤال ذاته في قالب مختلف، ماذا فعلت؟ لماذا خرجت؟ إلى أين ذهبت؟ مع مَن كانت؟ لماذا لم تستأذن؟ وماذا قال الناس عنها؟ وكأننا نحتاج دائمًا إلى العثور على "خطيئة" ارتكبتها المرأة قبل أن نسمح لأنفسنا بإدانة الجريمة الواقعة عليها.

هنا تكمن المشكلة. فمع اختلاف القصص في تفاصيلها، وتعدد العلاقات بين الضحية والجاني، وتباين الدوافع، تظل هناك بنية فكرية واحدة تستحق التوقف عندها. حين تصبح حركة المرأة وسلوكها واختياراتها مادةً للمحاسبة، يصبح المجتمع مستعدًا لجعل "ما فعلته هي" السؤال الأول، و"ما فُعل بها" السؤال الثاني.

هذا المنطق الذي يجب قلبه. فالسؤال ليس "ماذا فعلت حتى قُتلت؟"، وإنما لماذا أصبح سلوكها مبررًا ضروريًا حتى ندرك أنه لا يحق لأحد سلبها حياتها؟ فما ارتكبته أو ما نُسب إليها لا علاقة له بحقها الأصيل في الحياة.

الشرف... منظومة تسبق السكين

تتجاوز القضية واقعها الجنائي لتكشف عمق نظرتنا إلى النساء. فنحن لا نكتفي بالتساؤل عن دوافع القتل، وإنما نبحث أولًا عما اقترفته المرأة حتى تصبح "مستباحة". وهذه ليست مجرد صياغة لغوية، وإنما منظومة كاملة تبدأ بالشك، وتمنح الرجل موقع التحقيق وإصدار الحكم، ثم تصوغ المبررات التي تجعل القتل فعلًا "مفهومًا".

إن "جريمة الشرف" لا تبدأ عند لحظة التنفيذ، فالقتل ليس سوى المرحلة الأخيرة. تسبقه منظومة من المراقبة الممنهجة، مع مَن تخرج؟ تتحدث؟ كيف ترتدي ملابسها؟ متى تعود؟ ومع كل تساؤل، تضيق مساحة المرأة كفرد مستقل، وتتسع مساحة التعامل معها بوصفها "حاملة لشرف الآخرين".

هكذا يتحول جسدها إلى ملكية رمزية للعائلة، ويغدو سلوكها مادة للمحاسبة.

حين يصبح "الشرف" ذريعة

لا تقتصر الإشكالية على المصطلحات المستخدمة لوصف الجريمة، إذ يحمل مفهوم "الشرف" تاريخًا ممتدًا داخل البنية القانونية المصرية. فالمادة 237 من قانون العقوبات لا تزال تمنح الزوج عذرًا قانونيًا مخففًا في حالة محددة. فإذا فاجأ زوجته متلبسة بـ"الزنا" وقتلها ومن "يزني بها"، تُستبدل بعقوبة القتل الحبس، بما يكرس نصًا خاصًا يميز هذه الحالة عن القواعد العامة للقتل العمد.

وعلاوة على المادة 237، تتيح المادة 17 من قانون العقوبات للمحكمة في قضايا الجنايات النزول بالعقوبة درجة أو درجتين إذا رأت أن ظروف الجريمة تستوجب الرأفة. ومع أن القانون لا ينص على "الغيرة" أو "الشرف" كأعذار مستقلة، فإن هذه المادة تفتح المجال أمام القضاء لتقدير الظروف المحيطة بالواقعة. وهنا يطرح السؤال النسوي الجوهري نفسه، ما المعايير التي تجعل ظرفًا ما مبررًا للرأفة؟ وما السلوك الذي يُستحضر لتفسير الجريمة أو تخفيف أثرها؟

وتتعقد المسألة مع غياب تصنيف جنائي مستقل في القانون المصري لجرائم قتل النساء القائمة على النوع الاجتماعي "Femicide". إذ تُعامل هذه الجرائم، في الأصل، ضمن إطار جرائم القتل العام، حتى عندما ترتبط بعلاقات القوة أو السيطرة أو التمييز ضد المرأة، وهو ما ناقشته دراسات مصرية وصفت جرائم "الشرف" بأنها أحد أشكال القتل المرتبط بالنوع الاجتماعي.

أما "الصلح العائلي"، فلا يُعد قانونًا طريقًا لإسقاط جريمة القتل العمد، إذ يحصر قانون الإجراءات الجنائية الجرائم التي يجوز فيها الصلح، ولا يدرج القتل العمد ضمنها. ومع ذلك، يظل حضور الصلح كقيمة اجتماعية في التعامل مع جرائم العنف محل نقاش، متى يتحول العنف ضد المرأة من جريمة تمس الحق في الحياة إلى "خلاف عائلي" يسعى المجتمع إلى تسويته؟

الغيرة ليست ذريعة للقتل

ثمة فكرة شائعة تزعم أن الرجل حين يغار يفقد السيطرة على تصرفاته، مستخدمة عبارات مثل "جن جنونه" أو "لم يرَ أمام عينيه" أو "غلى الدم في عروقه"، وكأن الغيرة حالة مرضية مؤقتة تسلبه القدرة على الاختيار، ثم تعيد إليه وعيه فور ارتكاب الجريمة.

هذا التفسير يحول القتل من فعل صادر عن إرادة وقرار إلى مجرد انفعال لا إرادي، وكأن القاتل ضحية لغرائزه.

الغيرة شعور، والقتل فعل، وبين الشعور والفعل مساحة واسعة من الخيارات. فالمغتاظ قد يختار إنهاء العلاقة، أو طلب الطلاق، أو المواجهة، أو الصراخ، أو البكاء، أو الرحيل، أو طلب المساعدة. أما القتل، فيظل اختيارًا من بين هذه المسارات، واعتياد المجتمع على إدراجه تحت مسمى "الغيرة" لا يجعله أقل ارتباطًا بالإرادة.

وهنا ينتقل النقاش من "الغيرة" إلى "السيطرة". فالرجل لا يغار بدافع الحب وحده، وإنما لأنه تعلم أن المرأة المرتبطة به جزء من هويته الاجتماعية، وأن سلوكها قد يعزز مكانته أو ينتقص منها.

عند هذه النقطة، لا تعود المسألة "أنا أغار لأني أحبها"، وإنما "أنا أملك مكانة اجتماعية مرتبطة بها، وأخشى أن يهدد سلوكها هذا الامتلاك". فالحب لا يتطلب التملك، بينما تقوم السيطرة عليه.

الملكية المختبئة في اللغة

حين يقتل رجل امرأة بذريعة "غسل العار"، يحق لنا أن نتساءل، شرف مَن؟ ولماذا صار جسد المرأة الوعاء الذي تُختزل فيه سمعة الرجل؟ وكيف يُعد شرف الرجل قابلًا للتدنيس بفعل المرأة، بينما لا تُمنح حياتها قيمة مستقلة عن علاقتها به؟

"الشرف" ليس مفهومًا مجردًا، وإنما علاقة سلطة. فالرجل يحتاج إلى امرأة تحمل "شرفه"، والأسرة تحتاج إلى امرأة تحفظ سمعتها، والجماعة تحتاج إلى امرأة منضبطة حتى تظل صورتها مقبولة.

هكذا تُطالب المرأة بأن تحمل على جسدها أثقال سمعة رجال لم تختر الارتباط بهم. وحين لا يُكتفى باتهامها بالخطأ، وإنما يُقال إنها "أهانت" رجلًا، فإن هذه النقلة هي التي تمنح العنف مبرره الاجتماعي.

الخيانة ليست المحرك الحقيقي للعنف، لذا ينبغي قلب السؤال. فبدلًا من التساؤل عما تفعله الخيانة بالرجل، يجب أن نسأل، ماذا يفعل مفهوم "الرجولة" بالمرأة حين يرى الرجل في سلوكها إهانة تستوجب الانتقام؟

هذا التساؤل ينقلنا من التركيز على "ألمه الشخصي" إلى نقد "سلطته في الانتقام"، ومن تبرير "فقدان الأعصاب" إلى مساءلة فكرة "جعل جسدها ميدانًا لممارسة غضبه".

لا ينبغي لنا تبرئة النساء لنجرم قتلهن

ثمة خطأ علينا تجاوزه، وهو أننا أحيانًا ندافع عن الضحايا بالمنطق نفسه الذي يحاكمهن به المجتمع. فننشغل بالبحث عن أدلة تثبت "طهر" الضحية أو نقاء سيرتها، وكأننا نقول ضمنًا، "لو كانت امرأة سيئة، لكان قتلها مبررًا".

إن العدالة التي تشترط "المثالية" كي تدافع عن الضحية ليست عدالة. لا نحتاج إلى التفتيش في أخلاق المرأة أو علاقاتها حتى نقر بأن قتلها جريمة، ولا يتعين علينا إثبات براءتها من التهم المنسوبة إليها حتى نرفض منطق القتل.

فالمرأة لا تحتاج إلى أن تكون "بريئة" وفق معايير المجتمع كي تستحق الحياة. فالحق في الحياة ليس مكافأة تمنحها الجماعة للنساء الملتزمات بقواعدها، وإنما حق أصيل لا يرتبط بسلوك الضحية.

وقعت مصر على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو" في 16 يوليو 1980، وصدقت عليها في 18 سبتمبر 1981، مع إبداء تحفظات عامة على المادة 2، والمادة 9 الفقرة 2، والمادة 16، والمادة 29 الفقرة 2.

وفي عام 2008، سحبت مصر تحفظها على الفقرة الثانية من المادة 9، بينما أبقت على تحفظاتها على المواد 2 و16 و29 الفقرة 2 المتعلقة بإجراءات التحكيم في المنازعات بين الدول حول تفسير الاتفاقية أو تطبيقها.

ويشترط التحفظ المصري على المادة 2 ألا يتعارض تطبيقها مع أحكام الشريعة الإسلامية، بينما يرتبط التحفظ على المادة 16 بمبدأ المساواة بين الجنسين في مسائل الزواج والعلاقات الأسرية، انطلاقًا من اعتبار الشريعة الإسلامية أساسًا منظمًا لهذه العلاقات.

وحتى الآن، لم تنضم مصر إلى البروتوكول الاختياري للاتفاقية، الذي يتيح آلية لتقديم البلاغات الفردية والتحقيق في الانتهاكات الجسيمة أو المنهجية لحقوق النساء.

ولا تعني هذه التحفظات عدم التزام مصر بالاتفاقية، لكنها تحد من نطاق التزاماتها، لا سيما في المادتين 2 و16. وتواصل لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة دعوة مصر إلى مراجعة هذه التحفظات وسحبها، باعتبارها عقبة أمام التطبيق الكامل لمبدأ المساواة.

وتتضح أهمية هذه القضية عند استعراض الفجوة بين الالتزامات الدولية والإطار التشريعي الوطني، إذ تواجه بعض النصوص القانونية انتقادات دولية وحقوقية لما تتضمنه من تمييز أو تهاون في الحماية الجنائية للمرأة.

فعلى سبيل المثال، أوصت لجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة في عام 2024 بإلغاء المواد 237 و274 و277 من قانون العقوبات، لما تتيحه من إعفاء من العقوبة أو تخفيفها في سياقات "جرائم الشرف".

ولا تقتصر الإشكالية على وجود نصوص تمييزية فحسب، وإنما تمتد إلى الفجوة المستمرة بين التزامات مصر الدولية ومستوى مواءمة تشريعاتها وممارساتها الوطنية مع هذه الالتزامات. وهي فجوة دعت هيئات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق المرأة إلى معالجتها عبر مراجعة التحفظات وإصلاح التشريعات ذات الصلة.

السكين ليست بداية القصة

قد تظهر الصور أو تغيب، وقد تثبت صحتها أو زيفها، وقد تتضارب أقوال الشهود. لكن ذلك لا يغير السؤال الأخلاقي والسياسي الجوهري، ماذا نفعل حين يصبح الشك في امرأة مبررًا كافيًا لتصور قتلها؟ وكيف وصلنا إلى واقع تُضحى فيه دماء المرأة ثمنًا لاستعادة سمعة الرجل؟

الإجابة ليست في تبرئة النساء من الخطأ، فالرجال والنساء في ذلك سواء. لكن الخطأ لا يمنح حقًا في القتل، والحب لا يمنح حقًا في التملك، والزواج لا يمنح حقًا في الهيمنة، والغيرة لا تمنح حقًا في الانتقام.

إن أخطر ما في هذه الجرائم ليس وقوع القتل فحسب، وإنما أن الموت يصلنا مغلفًا بسؤال، "ماذا فعلت؟"، وكأن ثمة ذنبًا يمكن أن تقترفه امرأة يجعل قتلها أمرًا مفهومًا.

معركتنا الحقيقية ليست مع من يحمل السكين فحسب، وإنما مع الفكرة التي تسبقها، تلك التي تزعم أن للمرأة ثمنًا تدفعه إن خالفت التوقعات، وأن للرجل حقًا استثنائيًا في العقاب. تلك هي الفكرة التي يجب أن نقتلها، لا النساء.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة