على مدار 12 عامًا، ومنذ إقرار الدستور المصري، ظلت مواد الهوية القومية في المدارس الدولية أقرب إلى هيكل شكلي داخل الجدول الدراسي، رغم النص الواضح في المادة 24 من الدستور على أن اللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية مواد أساسية في مرحلة التعليم قبل الجامعي داخل البلاد.
وتفسر هذه المخالفة الدستورية التي استمرت سنوات جانبًا أساسيًا من الأزمة الراهنة بين وزارة التربية والتعليم والمدارس الدولية وأولياء أمور طلابها، بعدما قررت الوزارة إدخال مواد الهوية ضمن مجموع الطلاب في مختلف المراحل التعليمية، بما فيها الشهادات الأجنبية، الأمريكية والبريطانية.
ولأن الشريحة الأكبر من طلاب المدارس الدولية لم تول مواد الهوية المصرية اهتمامًا كبيرًا، جاء قرار وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف مثل صدمة لكثير منهم. كيف يُطلب من طالب يدرس وفق النظام الأمريكي أو البريطاني أن يتعامل فجأة مع اللغة العربية والتاريخ باعتبارهما مادتين أساسيتين تدخلان في مجموعه الدراسي؟
غير أن الصدمة الأكبر طالت طلاب المدارس الدولية في مرحلة الشهادة الثانوية، بعدما قررت الوزارة احتساب 20% من مجموع الطالب المؤهل للجامعة لمادتي اللغة العربية والتاريخ، بحيث تمثل مواد الشهادة الدولية 80% من المجموع، فيما تذهب النسبة المتبقية إلى مادتي الهوية المصرية. وهو ما يرفضه أغلب أولياء الأمور، مستندين إلى مبررات يرونها منطقية.
المبرر الأول أن وزارة التعليم، على مدار سنوات طويلة، تركت المدارس الدولية تتوسع وتنمو وتدرس مواد الشهادتين الأمريكية والبريطانية، دون أن تلزمها بتطبيق النص الدستوري الخاص باللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية باعتبارها مواد أساسية، لها جدول دراسي منتظم ومعلمون بالعدد الكافي وتقييمات دورية.
وتساهلت الوزارة، عبر وزراء تعاقبوا على المنصب، منذ إقرار الدستور وحتى اليوم، مع المدارس الدولية، وفضلت إبقاءها بعيدة عن التدخل المباشر في نظامها التعليمي. ولم تقترب بما يكفي من تعديل شكل الهوية الدراسية داخلها، فظلت مواد اللغة العربية والتاريخ والدين بالنسبة إلى الطلاب مجرد مواد للنجاح والرسوب، ويكفي الطالب فيها الحصول على الحد الأدنى من درجة النجاح.
ومع هذه الوضعية، تساهلت المدارس وتراجع اهتمام الأهالي والطلاب بهذه المواد. فالطالب الذي التحق قبل 12 عامًا بالصف الأول الابتدائي في مدرسة دولية، ووصل اليوم إلى مرحلة الشهادة الثانوية، قد لا يستطيع كتابة اسمه بصورة صحيحة، وإن استطاع ذلك ربما يعجز عن صياغة جملة واحدة باللغة العربية. فكيف سيكون قادرًا على دراسة منهج متكامل لمادة اللغة العربية في المرحلة الثانوية، بما يتضمنه من نصوص وأبيات شعر ودروس في الأدب وعشرات الموضوعات في النحو والبلاغة؟
والأمر نفسه ينطبق على التاريخ، إذ توجد حالات بين طلاب المدارس الدولية لا يعرف أصحابها حتى أين يقع السد العالي.
وإذا افترضنا أن وزير التربية والتعليم الحالي يحاول إصلاح أخطاء سابقيه من الوزراء الذين شغلوا المنصب وأغفلوا تطبيق الدستور، وقرر خوض مواجهة مع المدارس الدولية وأولياء أمورها بما يملكونه من علاقات ونفوذ داخل الدولة، فإن الطالب نفسه يدفع ضريبة قاسية لا ذنب له فيها. فهو يُحاسب اليوم على تقصير استمر سنوات، بعدما وصل إلى مرحلة الشهادة من دون أن يُلزم أحدٌ مدرسته أو أسرته بالتعامل بجدية مع اللغة العربية والتاريخ منذ سنواته الأولى.
اليوم، أصبح لزامًا على كل مدرسة أن توفر معلمين لمواد الهوية بالعدد المناسب، وأن تكون اللغة العربية والتاريخ ضمن الجدول الدراسي للطلاب في جميع المدارس الدولية، مع خضوعهما لتقييمات دورية وامتحانات شهرية، كما يحدث في المدارس الحكومية والخاصة. وفي حال عدم الالتزام، تواجه المدرسة عقوبات قد تصل إلى وضعها تحت الإشراف المالي والإداري، بما يعني نقل إدارتها مؤقتًا من أصحابها إلى الحكومة.
ويرى الوزير أن ترك طالب المدرسة الدولية من دون إلزامه بإتقان اللغة العربية نطقًا وكتابة، وهي اللغة الأم للدولة، أمر لا يمكن أن يستمر. فالطالب البريطاني في بلده يدرس الإنجليزية ويتعلمها ويتحدث بها، والأمر نفسه ينطبق على الفرنسي والأمريكي. فلماذا لا يجيد الطالب المصري، حتى وإن كان يدرس في مدرسة تتبع نظامًا تعليميًا دوليًا، مهارات القراءة والكتابة باللغة العربية؟ وبأي منطق يمكن أن يجهل تاريخ بلده وثقافتها ومعالمها وحدودها الجغرافية، وهو يحمل الجنسية المصرية؟
وفق هذا المنطق، يرى الوزير أن ما يفعله تصحيح لوضع قائم على مخالفة دستورية. أما أولياء الأمور، فيرون أن طريقة التطبيق تضع أبناءهم أمام أزمة كبيرة. كيف يُحاسب طالب شارف على التخرج من التعليم قبل الجامعي لأنه لا يجيد القراءة والكتابة ولا يعرف شيئًا عن التاريخ، بعدما تركته الوزارة سنوات طويلة من دون إلزامه أو إلزام مدرسته بإيلاء مواد الهوية الاهتمام الكافي؟ وكيف يُقرر له امتحان قومي في اللغة العربية تحتسب له 10% من مجموع القبول بالجامعة، بينما لم يحصل على الأساس الذي يؤهله لدخوله؟
فاللغة العربية مادة تراكمية، ولا يمكن لطالب لم يتأسس طوال حياته على مبادئ العلوم أن يواجه فجأة مادة الفيزياء في الشهادة الثانوية بالمستوى نفسه الذي يُطلب من طالب درسها منذ سنوات. وينطبق الأمر كذلك على طالب المدرسة الحكومية الذي ظلت اللغة الفرنسية بالنسبة إليه مادة هامشية، لم تحظ باهتمام من الوزارة أو المدرسة أو الأسرة، ثم تُضاف إلى المجموع في الشهادة الثانوية من دون أن يكون قد تلقى ما يكفي من التدريب عليها. وهذه هي المعضلة التي يعبر عنها آلاف الأهالي.
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع موقف وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات، اللذين يريان ضرورة الابتعاد عن المشهد وعدم التدخل في هذا الاشتباك، وترك وزارة التربية والتعليم وحدها في مواجهة المدارس الدولية والأهالي، رغم امتلاكهما جانبًا أساسيًا من أدوات حل الأزمة التي وصلت إلى طريق مسدود.
ويبرز هنا سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بتنسيق القبول في الجامعات داخل مصر، سواء الخاصة أو الأهلية. كيف تتم المفاضلة بين طالب مصري في مدرسة دولية وفق النظام الأمريكي أو البريطاني، أصبحت 20% من درجاته مرتبطة بمادتي اللغة العربية والتاريخ ويدرسهما بجدية للمرة الأولى، وبين طالب من جنسية غير مصرية يدرس النظام نفسه من دون أن يدرس المادتين، وتأتي 100% من درجاته من مواد الشهادة الدولية فقط؟ وفي الحالتين، يتنافس الطالبان على مقعد في كلية طب بجامعة خاصة أو أهلية داخل مصر.
وبحساب الدرجات، قد تميل النتيجة لمصلحة الطالب الأجنبي في هذا النوع من المنافسة، خصوصًا إذا كانت الكلية تشترط مجموعًا مرتفعًا للقبول. فإذا كانت كلية الطب في إحدى الجامعات الأهلية، مثلًا، تقبل طالب النظام البريطاني من مجموع 99%، فإن الطالب الأجنبي الذي درس النظام البريطاني خارج مصر من دون مواد الهوية المصرية قد يحقق مجموعًا أعلى من نظيره المصري الذي لم يتمكن من تحصيل الـ20% المخصصة للعربي والتاريخ. وعندها يواجه الطالب المصري خطر الخروج من المنافسة على المقعد، ما لم توضع قواعد ومعايير تراعي اختلاف وضع الطالب المصري عن الطالب الأجنبي في هذه الحالة.
أمام هذه المعضلة، تبدو المشكلة في آلية التطبيق أكثر من كونها في أصل الفكرة. فوزارة التعليم تحاول تصحيح وضع قائم منذ سنوات، لكنها تطبق التغيير دفعة واحدة ومن دون مساحة كافية للانتقال التدريجي. وكان بالإمكان، مثلًا، تنفيذ القرار عبر فترة انتقالية تبدأ من الصفوف الدراسية الأقل وتتحرك تدريجيًا إلى الصفوف الأعلى، بما يمنح الطلاب فرصة لاكتساب اللغة العربية والتاريخ بالتدرج، بدلًا من فرض المتطلبات الجديدة عليهم في مرحلة الشهادة.
وتطبيق القرار على الجميع من دون استثناء، بما في ذلك طلاب الشهادة، قد يخلق حالة من الظلم وعدم تكافؤ الفرص بين طلاب فُرضت عليهم دراسة مواد الهوية داخل مصر، وآخرين ينافسونهم على المقاعد الجامعية نفسها من دارسي النظام التعليمي الأجنبي، وهم الطلاب الوافدون الذين تخطط الحكومة لزيادة أعدادهم في الجامعات المصرية بنسبة 150% خلال 5 سنوات كمصدر للعملة الصعبة. فكيف يمكن أن يتحمل طالب مصري وحده أثر سنوات من التقصير المؤسسي في مواد الهوية؟
وقد تؤدي هذه الطريقة في التطبيق " paradoxically" إلى نتيجة عكسية على الهدف نفسه، إذ يمكن أن تخلق شعورًا بالظلم لدى شريحة طلابية قيل لها إن مواد الهوية جزء من الانتماء، ثم وجدت نفسها تتحمل وحدها كلفة تغيير طال انتظاره.
وإذا كانت وزارة التعليم قد قررت تطبيق نص دستوري أهمله وزراء التعليم منذ 2014، فلا يبدو الخلاف منصبًا على أصل الالتزام به، وإنما على كيفية معالجة آثاره على الطلاب الذين نشأوا داخل نظام تعليمي لم يطبق هذا الالتزام طوال سنوات. ويظل جزء أساسي من الحل لدى وزارة التعليم العالي، عبر وضع قواعد للقبول الجامعي تراعي وضع الطالب المصري الذي يدرس شهادة أجنبية، وتستوعب أثر تطبيق مواد الهوية عليه للمرة الأولى.
فالهدف من إعادة اللغة العربية والتاريخ إلى موضعهما الطبيعي داخل التعليم لا يفترض أن يتحول إلى سباق غير متكافئ على مقاعد الجامعات. وإلا فقد يجد بعض طلاب المدارس الدولية أنفسهم يخرجون من التجربة بانطباع معاكس تمامًا لما أراد القرار ترسيخه، وأن مادة يفترض أن تعزز صلتهم بهويتهم كانت سببًا في عقابهم عليها.