من "الفقاعة" إلى العزلة.. ماذا تفعل الكمبوندات بالقاهرة؟

عندما انتقلت فيروز (37 عامًا) من حيها القديم في مدينة نصر إلى الرحاب، لم تكن تبحث عن مساحة أكبر بقدر ما كانت ترجو مسافة أوسع تفصلها عن "الآخرين"، مستندة إلى فلسفة ترى أنه "عشان تعيش كويس في مصر" لا بد من خلق ما تسميه "فقاعة" خاصة تبعدها عن "الناس". وفي 2021، وجدت ما تبحث عنه خلف بوابات المدينة الواقعة على أطراف القاهرة، الأمان والهدوء والخدمات، والأهم مجتمع تشعر بأنها تنتمي إليه.

تقول فيروز لـ"فكر تاني" إن "الكمبوند" منحها شعورًا بالأمان، خصوصًا أنها تعيش بمفردها، وهو شعور لا يرتبط لديها بـ"الأمن والبوابات" فقط، وإنما يمتد إلى إحساسها بأن المجتمع المحيط بها يشبهها أو كما تصفه "متقبل الفكرة"، في وقت ترى فيه أن كثيرين يريدون العزلة والابتعاد عن الاحتكاك بالشارع.

وتتسع دائرة ما تبحث عنه فيروز لتشمل شكل الحياة نفسه، من الوجاهة الاجتماعية والعيش وسط مجتمع يشبهها، إلى بيئة هادئة تنأى بها عن تفاصيل الشارع التي لا تريد أن تصطدم بها يوميًا، تقول "يعني مش هنزل الشارع ألاقي بتاع الأنابيب وبتاع الطماطم". وفي المقابل، يوفر لها الكمبوند ما يكمل هذا الشعور بالاكتفاء "عندنا كل حاجة من أسواق وكافيهات وبراندات الملابس حتى السينما، وبالتالي مش محتاجة أخرج منه، بالعكس الناس هي اللي بتيجي لي".

وتختصر تجربة فيروز تحولًا أوسع في معنى السكن داخل القاهرة. ففي مدينة تشكلت جغرافيتها تاريخيًا حول الشارع والمجال العام المفتوح، أخذت قيمة المكان الذي يسكنه الفرد ترتبط تدريجيًا بقدرته على الابتعاد عن ذلك الصخب، حتى أصبح السكن بالنسبة إلى البعض لا يتعلق فقط بما يوفره من أمان وخدمات، وإنما أيضًا بما يمنحه من عزلة ومسافة عن المدينة. ومن هنا تفتح قصة فيروز سؤالًا يتجاوز اختيار الكمبوند نفسه، عن أسباب اللجوء إلى الحياة خلف الأسوار، وما إذا كانت تلبي فعلًا احتياجات السكان من الأمان والخدمات والسكن، أم تعمق في الوقت نفسه العزلة الاجتماعية والتفاوت الطبقي داخل المدينة.

من الشاطئ إلى العاصمة

ظهرت المجتمعات المسورة في مصر للمرة الأولى مع بداية ثمانينيات القرن الماضي في صورة قرى ساحلية، ثم انتقل هذا النموذج إلى القاهرة الكبرى ومدنها الجديدة في منتصف التسعينيات، بالتزامن مع توسع الدولة في طرح الأراضي للقطاع الخاص.

وبحلول 2011، رصد مسح عمراني 466 مجتمعًا سكنيًا مغلقًا في القاهرة الكبرى، بينما قدرت دراسة أخرى، استندت إلى بيانات عقارية لعام 2023، العدد بنحو 800 مجتمع مغلق. ومع غياب مسح رسمي حديث يحدد العدد الحالي بدقة، تعكس هذه الأرقام سرعة تمدد هذا النموذج داخل المدن الجديدة.

لكن هذا التمدد لم يحدث بعيدًا عن صورة جرى بناؤها تدريجيًا في إعلانات العقارات، فالمدينة التي تبحث فيها فيروز عن العزلة والأمان ظهرت في الخطاب التسويقي باعتبارها نمطًا مميزًا للحياة. ففي تسعينيات القرن الماضي، قدمت إعلانات دريم لاند السكن خارج المدينة باعتباره عالمًا حالمًا يرتبط بالرفاهية وحياة استثنائية. ومع مرور أكثر من ربع قرن، اتسع القاموس التسويقي ليضم الأمان والخصوصية والعيش وسط مجتمع يشبهك، لتصبح هذه العناصر جزءًا من القيمة التي يشتريها العميل.

وفي إعلان مدينتي خلال رمضان 2020، ظهرت الحياة داخل الكمبوند باعتبارها انتماءً إلى بيئة اجتماعية محددة، من خلال عبارات مثل "الناس كلها شبه بعض" و"الـCommunity حلو أوي". وأدخل هذا الطرح الإعلان وقتها في دائرة الاتهامات بالعنصرية والطبقية. وفي السياق نفسه، قدم إعلان نيو جاردن سيتي سخرية ذاتية من القوالب الشائعة في هذا النوع من الإعلانات عبر عبارة "عمرك شفت إعلان كمبوند من غير أمان ومساحات خضراء وكلب جولدن؟"

وتكشف هذه الأمثلة أن الإعلان لا يكتفي ببيع الوحدة السكنية، وإنما يقدم تصورًا مسبقًا عن شكل الحياة التي يفترض أن يرغب فيها المشتري. وتفسر الباحثة رنا توفيق هذا التحول، في دراستها عن المجتمعات المغلقة في القاهرة، بأن الخطاب التسويقي لشركات العقارات لا يكتفي برصد رغبات المشترين، وإنما يعيد تشكيلها عبر ربط الكمبوند بالحصرية والخصوصية والمكانة الاجتماعية والأمان، بما يحول المسكن من مكان للإقامة إلى بوابة لحياة معينة.

غير أن الرغبة في هذه الحياة لا تصنعها الدعاية وحدها. يقول عمرو أبو الفضل، مسؤول فريق التسويق في شركة "Level Up" للتسويق العقاري، إن السؤال الأول لدى كثير من العملاء هو "الـCommunity هنا أخباره إيه؟". ويوضح في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن تقييم المجتمع السكني أصبح معيارًا حاسمًا لدى كثير من المشترين قبل اتخاذ قرار الشراء، وقد يدفع بعضهم إلى بيع وحداتهم لاحقًا إذا لم يجدوا المجتمع بالمستوى الذي توقعوه.

ويشير أبو الفضل إلى أن العملاء لا يدخلون الكمبوندات بدوافع متطابقة، فمنهم من يبحث عن الأمان بميزانية محدودة، ومن يخوض تجربة السكن في الكمبوند للمرة الأولى، بينما تختلف الطريقة التي يقدم بها المطورون هذه المزايا في تسويقهم "بين من يبيع حياة وتجربة جديدة، ومن يبيع استثمار، ومن يهتم بالتسويق بالـCommunity".

بين الأمان والخوف

هذا المجتمع الذي يشكل عامل جذب للشراء لا يعيشه جميع السكان بالطريقة نفسها. بالنسبة إلى هديل، التي تبلغ من العمر 33 عامًا، وتعمل مترجمة، يرتبط الـCommunity بـ"الأمان" المادي، وكان من دوافع اختيارها السكن في كمبوند  بحدائق أكتوبر. تقول لـ"فكر تاني"، إن "الدخول هنا مش متاح لأي حد، والأمن بيسجل بيانات مندوبي التوصيل، وحتى لو حصلي حاجة هقدر ألجأ بسرعة إلى أمن الكمبوند (حتى لو) الأمان مش هيتحقق بنسبة مئة بالمئة، بس النسب طبعًا أقل من برة كتير".

ويعود هذا الشعور لدى هديل إلى طفولتها التي قضتها في "مستعمرة المهندسين" بمحافظة قنا، التي تعتبرها شبيهة بالكمبوند قبل انتشار المصطلح. تقول "كنت بلعب في الشارع وأنا مطمنة، وعشان كدة اخترت أعيش في كمبوند عشان أولادي يعيشوا نفس الشعور دا من الأمان".

ومن هذه الذكرى نفسها تستمد هديل نظرتها إلى الابتعاد عن المدينة، فهي لا تراه عيبًا، وإنما جزءًا من الميزة التي دفعتها إلى هذا الاختيار. تقول "الحمد لله إن الكمبوند عازلني عنها، ومقربني من الناس اللي شبهي وبنقدر نخرج بدون قلق إن حد يضايقنا".

لكن الإحساس بالأمان الذي تبحث عنه فيروز وهديل لا ينهي بالضرورة الخوف من الآخر. وترصد الباحثة صفاء معرفي في رسالتها للماجستير بالجامعة الأمريكية أن الإقامة في المجتمعات المسورة، بما تنتجه من فصل مكاني، لا تنهي حالة التوجس تجاه الآخر، وإنما قد تعزز ما تسميه "الهلع الأخلاقي" تجاه الفئات الأفقر أو من يُنظر إليهم باعتبارهم مصدرًا محتملًا للخطر.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة بنها، الدكتورة هالة منصور، صورة مختلفة. فهي توضح لـ"فكر تاني" أن الفصل بين داخل الكمبوند وخارجه ليس مطلقًا، إذ تمتد العلاقات العائلية في الاتجاهين، كما تتيح أماكن العمل والجامعات الاحتكاك بشرائح اجتماعية مختلفة. وقد تعيد الحياة داخل الكمبوند أيضًا تشكيل دوائر تواصل بين سكانه تعوض التراجع في بعض الأحياء المفتوحة.

هل تحمي الأسوار أبناءها

إذا كانت هديل ترى في البيئة المغلقة فرصة لتوفير الأمان لأطفالها، فإن سارة، التي طلبت عدم ذكر اسمها الحقيقي، تنظر إلى أثر هذا النمط من الحياة على الأطفال من زاوية مختلفة. وبحكم نشأتها في كمبوند "حي الأشجار" بمدينة 6 أكتوبر ثم "جراند هايتس"، ترى أن الحياة داخل بيئة مغلقة ومتجانسة قد تؤثر سلبًا في قدرة الأطفال على التعامل مع الآخرين المختلفين عنهم.

سارة، التي تبلغ من العمر 24 عامًا، وتعمل في مجال التسويق، تعتبر نفسها محظوظة لأنها لم تتأثر بذلك بدرجة كبيرة، بفضل خروجها المتكرر مع أصدقاء من خارج الكمبوند. لكنها لاحظت أن بعض أصدقائها الذين نشأوا داخله حصرًا يواجهون صعوبة في التعامل عند الخروج إلى الأحياء المفتوحة. تقول لـ"فكر تاني"، إنهم "مش عارفين يتعاملوا ولا يتحركوا لأنهم اتعودوا في الكمبوند إن كل الناس شبه بعضها، والإنسان محتاج يعرض نفسه لأماكن وناس مختلفة".

ولهذا تفضل سارة أن تربي أبناءها مستقبلًا في حي مفتوح "عشان يكبروا وهما قادرين يتعاملوا مع الناس، مش مقفولين على نفسهم".

ولا تأتي العزلة، بحسب تجربتها، من الأسوار وحدها، إذ تضيف القواعد الإدارية طبقة أخرى من الانفصال عن المحيط. تقول "أي تغيير بسيط، أي باب أو شباك أو تقليم شجر الجنينة، محتاج موافقة الإدارة والاستعانة بالعمالة الخاصة بهم، ودا بيبقى مزعج رغم إننا فاهمين إن الهدف الحفاظ على المظهر العام".

وفي المقابل، لا ترى هالة منصور أن النشأة داخل الكمبوند تضعف المهارات الاجتماعية بالضرورة. وتوضح أن صعوبة التعامل مع بيئات مختلفة ليست حكرًا على أبناء الكمبوندات، وإنما ترتبط بطبيعة البيئة التي ينشأ فيها الفرد. وتضرب مثالًا على ذلك بقولها "من نشأ في مصر الجديدة مثلًا، قد يواجه صعوبة في الاندماج إذا انتقل إلى حي شعبي". كما تؤكد أن سكان الكمبوندات لا يشكلون كتلة اجتماعية متجانسة، وإنما تختلف مستوياتهم الثقافية وطبائعهم الاجتماعية.

من التجاور إلى الفصل

ومع انتقال النقاش من تجربة الأطفال داخل الكمبوند إلى علاقتهم بالمجتمع الأوسع، تتسع المسألة لتشمل شكل العلاقة بين هذه المجتمعات وبقية المدينة. ويرى الباحث في علم الاجتماع السياسي الدكتور عمار علي حسن أن المجتمعات السكنية المغلقة تكرس شكلًا مستحدثًا من الطبقية لا يتوقف عند تفاوت الدخل، وإنما يمتد إلى الفصل المكاني والثقافي.

ويقول لـ"فكر تاني" إن الفئات المختلفة، رغم تفاوتها الاقتصادي، كانت تتجاور تاريخيًا في الأحياء نفسها، بما أتاح قدرًا من التفاعل والاعتماد المتبادل. ومع الفصل المكاني الذي صنعته الكمبوندات، تراجع هذا التفاعل، وحلت شركات الصيانة والأمن المتخصصة محل بعض أشكال الاعتماد المباشر بين السكان والعاملين، ما وسع المسافات بين الطبقات.

ويمتد هذا التمايز، بحسب عمار علي حسن، إلى المجال الثقافي أيضًا، مستشهدًا بظهور ثنائية "مصر وإيجيبت". ويعتبر أن انفصال بعض الشرائح الثرية ثقافيًا عن محيطها يضعها في حالة اغتراب عنه، "بينما ينظر إليها القطاع الأكبر من المجتمع بعين الريبة دومًا، والحقد أحيانًا".

مواطنة مجزأة ومفارقات بيئية

هذا الفصل لا يتوقف عند العلاقات بين الناس، وإنما يمتد إلى توزيع الخدمات والمساحات العامة نفسها. وتربط دراسة منشورة في مجلة Open House International بين انتشار المجتمعات المغلقة في القاهرة وتزايد التفاوت الاجتماعي والبيئي، إذ تبقى المرافق والمساحات الخضراء محصورة داخل الأسوار لمن يستطيع الدفع، في مقابل اعتماد فئات أخرى على خدمات عامة متهالكة، بما يسهم في تآكل التماسك الاجتماعي ونشوء ما تصفه الدراسة بـ"المواطنة الحضرية المجزأة".

وتظهر كلفة هذا النمط السكني أيضًا في الرسوم التي يدفعها السكان مقابل الصيانة الدورية والنظافة والحراسة. دفعت فيروز مبلغًا مقدمًا عند شراء الوحدة، إلى جانب 6 آلاف جنيه سنويًا وفقًا لسياسة الشركة، بينما سددت هديل قيمة الرسوم كاملة عند الشراء، معتبرةً أنها ثمن لراحة البال.

غير أن قيمة هذه الخدمات تفتح لدى الباحثة في شؤون العمران والعدالة المكانية مروة بركات سؤالًا أوسع حول ما يحدث حين تتحول احتياجات يفترض أن توفرها المدينة للجميع إلى سلع تُشترى عبر السكن داخل كمبوند.

وتشرح مروة مفهوم العدالة المكانية من خلال سؤال أساسي عمّن يملك الوصول إلى الخدمات والموارد والمساحات الترفيهية والمدارس والمستشفيات. وتقول لـ"فكر تاني"، إن "رغبة الناس في الأمان والخصوصية وحياة أفضل مفهومة ولا لوم عليهم"، لكن المشكلة، في رأيها، ترتبط بالسياسات والتخطيط العمراني حين تتحول مشكلات المدينة، مثل تراجع الأمان وضعف الخدمات، إلى سلع وامتيازات طبقية لا يحصل عليها إلا من يملك القدرة الاقتصادية على شرائها.

وتوضح مروة ذلك من خلال الحق في الأمان، فتقول "حين تعاني المدينة المفتوحة تراجعًا في الأمان بالنسبة للنساء، يتحول الكمبوند إلى حل خاص يوفر للمرأة القادرة ماديًا مساحة أكبر من الأمان وحرية الحركة، بينما تظل المرأة غير القادرة محرومة من الامتياز نفسه في الشارع العام". وترى أن المشكلة ليست في البحث عن الأمان أو الخدمات الأفضل، وإنما في تحول حق حضري يفترض أن يكون متاحًا للجميع إلى خدمة حصرية تُشترى.

ولا ينفصل هذا النقاش، بحسب مروة، عن سؤال العدالة البيئية، خصوصًا مع الضغوط الواقعة على الموارد المائية. وتقول "بينما تفتقر بعض المناطق السكنية إلى المياه الكافية والأشجار والمساحات الخضراء، تمتد داخل بعض الكمبوندات ملاعب جولف تحتاج كميات كبيرة من مياه الري".

ومن هنا تطرح سؤالًا عن عدالة توزيع الموارد البيئية في المدينة "هل يمكن الموازنة بين ترشيد استخدام المياه وضمان توزيع أكثر عدالة للمساحات الخضراء للجميع، بمعزل عن القدرة على الدفع؟". وتحيل هذا النقاش إلى مفهوم الحق في المدينة "بما يعنيه من حق السكان في الحياة الحضرية، وفي الموارد والفرص التي تقدمها المدينة بعدالة ومساواة".

ما تفعله الأسوار بالمدينة

ومع انتقال النقاش من مستوى الخدمات التي يشتريها السكان إلى أثرها على المجال العام، يؤكد أستاذ التخطيط العمراني بجامعة بنها الدكتور نبيل عشري أن ما تشتريه الأسر داخل الكمبوند من خدمات وأمان لا يلغي مسؤولية المدينة والدولة عن بقية المجال العام. ويقول لـ"فكر تاني"، إنه "في النهاية كله على حساب المواطن، ومهما اتسعت خدمات الكمبوند فإنه لا يوفر كل ما يحتاجه السكان، ففي النهاية لا يمكن لهذا النموذج أن يلغي مسؤولية الدولة من الاهتمام بالمرافق الخارجية وتطوير الخدمات العامة في بقية المدينة".

ويرى عشري أن امتداد الأسوار يترك أثرًا على التخطيط العمراني والصورة البصرية للمدينة، إذ تتراجع العلامات العمرانية المميزة والميادين المفتوحة لصالح أسوار الكمبوندات الممتدة. ويقول "بدلًا من أن يحظى العابرون بمشاهد معمارية وساحات مفتوحة تضفي تنوعًا، يجدون مجرد أسوار ممتدة تحرمهم من رؤية التنوع المعماري". ويرى أن تفادي هذا المسار يتطلب وضع مخططات استراتيجية وتفصيلية للمناطق قبل طرح الأراضي للاستثمار.

وتنظر مروة بركات إلى النتيجة من زاوية أوسع، إذ ترى أن أثر هذه التحولات لا يتوقف عند حدود الكمبوند، وإنما يمتد إلى شكل القاهرة نفسها، محذرة من تحولها إلى فقاعات منفصلة "ينغلق فيها كل مجتمع على نفسه بخدماته ومساحاته الخضراء وأدواته الترفيهية، بينما المجال العام في المدينة يضيق".

وتوضح أن انتشار هذا النمط العمراني يعني فقدان بعض السمات الأساسية للمدينة، ومنها قيمة الشارع والمشي، وتراجع المساحات التي تحتضن الأنشطة الثقافية والسياسية والاجتماعية وتتيح التفاعل بين أفراد المجتمع المختلفين. وتلخص النتيجة قائلة "فنصل إلى مدينة شديدة التجزؤ والعزلة، مجرد فقاعات معزولة بأسوار، وهذا هو الخطر الحقيقي".

وبينما تبدو الأسوار من الداخل وسيلة لتوفير ما تبحث عنه الأسر من أمان وخصوصية وخدمات، فإن اتساع هذا النمط يعيد طرح السؤال من زاوية المدينة نفسها. ففي بداية الحكاية، كانت فيروز تبحث عن "فقاعة" تحميها من الشارع وتمنحها ما تريده من أمان وخصوصية وخدمات ومجتمع يشبهها. وما بدا بالنسبة إليها حلًا فرديًا لمشكلات المدينة يكتسب معنى مختلفًا حين ينتشر النموذج ويتحول من اختيار سكني إلى طريقة متكررة لتنظيم الحياة داخل القاهرة، عندها لا تعود المسألة متعلقة فقط بمن يستطيع أن يعيش خلف الأسوار، وإنما بما يحدث للمدينة حين تصبح جودة الحياة نفسها مرتبطة بالقدرة على شراء ما لا يتاح للجميع.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة