قاع الهامور، اسم فرض نفسه بقوة على السوشيال ميديا خلال الأيام الأخيرة، بعدما تحولت فكرة مستوحاة من عالم "Nickelodeon" ومسلسل الرسوم المتحركة الشهير سبونج بوب إلى مساحة واسعة للسخرية والكوميكس، تعامل معها المستخدمون باعتبارها مدينة حقيقية لها سكانها ومشكلاتها اليومية.
وقاع الهامور هو الاسم المتداول عربيًا لـمدينة "Bikini Bottom" الخيالية، الموجودة تحت الماء ويعيش فيها سبونج بوب الذي يعمل في مطعم سلطع برجر، جنبًا إلى جنب مع مجموعة من الشخصيات، أبرزها صديقه بسيط وزميله في العمل وجاره شفيق وصاحب المطعم مستر سلطع وساندي وشمشون الشرير، بحسب أحداث المسلسل.
مدينة كارتونية على مقاس الواقع
نشطت المجموعة خلال 48 ساعة نشاطًا ملحوظًا، إذ انطلقت عليها موجة تفاعل كبرى منذ 21 أغسطس الجاري، ووصل عدد مشتركيها إلى نحو 1.8 مليون، حتى أغلقت. وعلى مدار هاذين اليومين، نشر الأعضاء صورًا ومنشورات تتضمن إسقاط مواقف الحياة اليومية على عالم سبونج بوب، محولين الأحداث والمشكلات المعتادة إلى منشورات ساخرة تبدو وكأنها شكاوى حقيقية من سكان مدينة تقع تحت البحر.
طبيعة عالم المسلسل هي ما ساعد على انتشار الفكرة، فهو يضم مطاعم ومحال عامة ومنازل وأماكن عمل، مع شخصيات لها وظائف وعلاقات اجتماعية ومشكلات مختلفة، الأمر الذي جعل نقل أي موقف من الحياة الواقعية إلى قاع الهامور أمرًا سهلًا، فتحولت الشكوى العادية إلى كوميكس أو إفيه يحمل طابع المدينة الخيالية.
وتنوعت المنشورات بين الشكاوى اليومية والإعلانات والمشكلات المرتبطة بالعمل والزحام وغيرها من المواقف المعتادة، حيث استخدم أعضاء الجروب أدوات الذكاء الاصطناعي لتركيب الصور وتقديم أنفسهم وشخصيات مختلفة داخل عالم قاع الهامور. ومع زيوع الفكرة، لم تعد المشاركة مقتصرة على مستخدمي السوشيال ميديا، فتفاعل معها عدد من نجوم الفن عبر نشر صور ومنشورات تحمل الطابع نفسه.
59 يومًا خارج الخدمة.. ماذا حدث للجروب؟
عقب حالة الزخم التي انعكست على السوشيال ميديا، أُغلقت المجموعة على فيسبوك، إذ يظهر عند الدخول إليها رسالة تفيد بإغلاقها من جانب "أحد المسؤولين" لمدة 59 يومًا، تبدأ من يوم 23 أغسطس على أن يستأنف نشاطه في 23 أكتوبر المقبل، الساعة 7.46 صباحًا.
وفسر المهندس مصطفى أبو جمرة، خبير تكنولوجيا المعلومات، سبب إيقاف جروب "شكاوى أهالي قاع الهامور" لمدة 59 يومًا بأن هذا الإجراء اتخذته شركة ميتا المالكة لفيسبوك، وليس مسؤولًا حكوميًا حسب رؤيته، منوهًا إلى أن مدة الإيقاف قد تكون مرتبطة بالعقوبات التي تتبعها المنصة.
وأضاف أبو جمرة، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج "الصورة" المذاع عبر فضائية "النهار" وتقدمه لميس الحديدي، أنه لو كان مكان مسؤول الجروب لاختار إغلاقه تجنبًا للمشكلات التي قد تترتب على استمراره، قائلًا "بلا وجع دماغ".
ورجح خبير تكنولوجيا المعلومات أن يكون الإغلاق قد جاء عقب تلقي ميتا بلاغات بشأن محتوى الجروب، موضحًا أن المنصة تتعامل بحساسية مع البلاغات التي تتلقاها بشأن المحتوى، أو ربما نتيجة تواصل حكومي مع ميتا، مستبعدًا الاحتمال الأخير.
وتابع قائلًا إن ميتا قد تتخذ إجراءات تصل إلى إغلاق الصفحات أو المجموعات لفترات زمنية مختلفة، مضيفًا أن إيقاف الجروب لمدة 59 يومًا يمثل عقوبة محدودة مقارنة بإجراءات أخرى يمكن أن تتخذها ميتا في حال تلقيها عددًا كبيرًا من البلاغات، موضحًا أن المنصة قد تلجأ في بعض الحالات إلى الإغلاق النهائي أو الإيقاف لفترات تصل لعدد من الشهور.
سلطع برجر يستقبل النجوم
قبل الإغلاق والجدل الذي سبقه بشأن هذه المجموعة وأهدافها، شارك عدد من الفنانين في الترند، منهم الفنان باسم سمرة الذي كتب "بقينا في القاع"، بينما قال أحمد مالك "إلى كل من ينتظر سقوطي.. أنا في القاع"، وكتب أحمد حاتم "لو مش هيغديكي مرة كل أسبوع في سلطع برجر.. روحي على هامور أبوكي"، فيما قال مصطفى غريب "لو حد سأل عليا أنا موجود في القاع".
مش مؤامرة.. سيبونا نهزر
عقب انتشار الجدل وظهور اتهامات للإخوان بالتورط في هذا الترند، حذف أغلب الفنانين الكوميكس من على صفحاتهم. وظهرت في فيديو فتاة لم يذكر اسمها أو اسم الحساب الذي تملكه، لكنه أشار إلى أنها منشئة جروب "شكاوى أهالي قاع الهامور"، منتقدة في الفيديو ما وصفته بنظريات المؤامرة التي تربط الترند بمخططات سياسية، قائلة "كمية الناس اللي بتطلع نظريات مؤامرة، وبتعمل منشن لوزارة الداخلية، وإن احنا عندنا مخططات ورا الحاجات اللي بتنزل.. أنا عملت كل دة؟".
وأضافت "أنا مش مصدقة إني بقول كده، لكن يا جماعة احنا عبط ودة جاي من عبط وهزار واحنا كلنا دماغنا تعبانة.. صاحبة الجروب عندها 15 سنة.. وبجد متعرفش أصلا يعني إيه مؤامرة؟.. سيبوا الناس تهزر".
من هزار السوشيال ميديا إلى سؤال برلماني
تقاطع نواب البرلمان مع الترند، حوله من مجرد ترند ساخر إلى آخر سياسي، فاعتبرت النائبة آمال عبد الحميد، عضو مجلس النواب، أن الانتشار الكبير للترند يستحق قراءة اقتصادية تتجاوز حدود الكوميكس، باعتباره نموذجًا على قدرة صناعة المحتوى الرقمي على تكوين مجتمعات ضخمة وصناعة جمهور واسع خلال فترة زمنية قصيرة.
وأعلنت عبد الحميد اعتزامها إعداد سؤال برلماني مع بدء دور الانعقاد المقبل للوقوف على رؤية الحكومة بشأن تعظيم الاستفادة الاقتصادية من المجتمعات الرقمية وصناعة المحتوى، ومدى وجود استراتيجية لدمج صناع المحتوى والمجتمعات الرقمية في منظومة الاقتصاد الرقمي بصورة أكثر تنظيمًا، معتبرة أن التعامل مع قاع الهامور باعتباره مجرد تريند سيختفي بعد أيام يتجاهل جانبًا آخر من الظاهرة، وهو قدرة المصريين على بناء مجتمع رقمي واسع حول فكرة واحدة، مشيرة إلى أهمية البحث في كيفية تحويل هذه القدرة على المشاهدات والتفاعلات إلى قيمة مضافة للاقتصاد المصري، مع وضع قواعد واضحة للإعلانات والتسويق الرقمي وحماية المستهلك.
وفي السياق ذاته، قال النائب إيهاب وهبة، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري بمجلس الشيوخ، إن الظواهر الرقمية الحديثة أصبحت قادرة على تشكيل بيئات افتراضية متكاملة تعكس قضايا المجتمع وتعيد إنتاجها بصورة ساخرة، معتبرًا أن ما بدأ كدعابة مستوحاة من عالم سبونج بوب وتحول إلى تريند تحت اسم قاع الهامور، ثم تطور إلى عالم افتراضي يضم مسميات تحاكي مؤسسات الدولة، مثل "مركز شرطة" و"وزارة داخلية"، إلى جانب معاملات وانتخابات، يمثل نموذجًا يستحق التوقف أمامه وتحليل أبعاده.
وأوضح وهبة أن التعامل مع هذه الظواهر لا ينبغي أن يقوم فقط على الرصد والتحذير، وإنما يجب أن يمتد إلى معالجة الأسباب التي تدفع البعض إلى البحث عن مساحات بديلة للتعبير، مشيرًا إلى أهمية توسيع المجال العام وتفعيل العمل الحزبي حتى يكون حلقة وصل حقيقية بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتوفير مساحات للتعبير والمشاركة والمناقشة بدلًا من ترك هذه القضايا تتشكل داخل مجموعات رقمية قد يصعب التعامل مع ما ينتشر فيها من شائعات أو معلومات غير دقيقة.
خلف الإفيه.. كلام جاد بقاع الهامور
وراء الضحك والكوميكس تكمن مؤشرات نفسية وسياسية جادة خلف التفاعل مع قاع الهامور، إذ يقول الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، في تصريحات خاصة لـ"فكر تاني"، إن الإنسان يلجأ بصورة لا شعورية إلى مجموعة من الحيل والاندفاعات النفسية التي تساعده على تحقيق التنفيس الانفعالي، وإزاحة الضغوط وتفريغ المكبوتات، بما يحقق قدرًا من التوافق مع الذات والقدرة على العيش بصورة أكثر صحة.
ويعتبر النائب إيهاب منصور، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أن لجوء المواطنين إلى التعبير عن أنفسهم داخل عالم افتراضي يعكس في الأساس أن "العالم الواقعي مؤلم بالنسبة لهم"، مشيرًا إلى أن وصول عدد أعضاء أحد الجروبات إلى نحو 1.8 مليون عضو خلال أيام قليلة يكشف عن حالة من الضيق الشديد الكامن داخل النفوس.
وأضاف منصور في تصريحات لـ"فكر تاني" أن هذه الحالة تعود إلى أسباب اقتصادية واجتماعية، إلى جانب وجود حكومة، بحسب وصفه، "منفصلة عن الواقع"، ما أدى إلى غياب مساحات حقيقية للتنفيس عن الضغوط والاحتياجات، ودفع المواطنين إلى البحث عن متنفس في مساحات افتراضية عبر السوشيال ميديا.
وأوضح أن المواطنين "لا يشعرون بوجود تنفيس عن احتياجاتهم، ولا يشعرون بأن الحكومة تراهم أو ترى احتياجاتهم من الأساس"، داعيًا إلى دراسة وتحليل ما نُشر داخل الجروب بشكل علمي، بمشاركة الحكومة والأحزاب ومختلف الأطراف المعنية.
ورأى منصور أن الحكومة تتحمل جانبًا من المسؤولية عن هذه "الانفجارات البسيطة"، مؤكدًا "نحن لا نرغب في حدوث انفجارات من الأساس".
ووجه منصور رسالة مباشرة إلى الحكومة قائلًا "يا حكومة، بتعمليها إزاي؟"، موضحًا أن هناك فجوة بين الأرقام والتصريحات التي تعلنها الحكومة وبين الواقع الذي يعيشه المواطنون، مضيفًا أن الحكومة، من وجهة نظره، "تعيش في واقع خيالي افتراضي"، وهو ما يزيد من حالة الضغط لدى المواطنين في ظل ضعف مساحات التعبير والتنفيس.
وأشار إلى أن المواطنين "ما صدقوا وجود جروب خيالي عشان يتكلموا عليه براحتهم"، معتبرًا أن انتشار مثل هذه المساحات الافتراضية يستدعي دراسة أسبابها بدلًا من التعامل معها باعتبارها ظاهرة عابرة.
وأكد عضو مجلس النواب أن الأمر يحتاج إلى دراسة جادة، مطالبًا الحكومة بمراجعة السياسات التي تنتهجها وإعادة النظر في المسار الذي تسير فيه، موضحًا أن القضية، من وجهة نظره، ترتبط بمجموعة من العوامل الاقتصادية والإعلامية والسياسية.
وشدد على ضرورة "إعادة ضبط" الأولويات الحكومية، بما يشمل تحديد اتجاهات الإنفاق وآليات الصرف والعمل على تقليل الاقتراض، معتبرًا أن معالجة أسباب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية هي المدخل الأساسي لتقليل حالة الاحتقان الموجودة في المجتمع.
وفيما يتعلق بدور الأحزاب، قال منصور إن عليها مسؤولية مهمة تتمثل في استقطاب الشباب وفتح مساحات أوسع أمامهم، لكن بعد اتخاذ الخطوات الأساسية المتعلقة بمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وأضاف أن الأمر يحتاج كذلك إلى إتاحة مساحات حقيقية للتعبير، إلى جانب تدريب المواطنين وتأهيلهم على ممارسة التعبير عن آرائهم بصورة منظمة، قائلًا "ما يبقاش الناس مكتومة فتروح في جروب خيالي تنطلق فيه بتعبيرات أو تلميحات".
واختتم منصور بالتأكيد على أن التعامل مع هذه الظاهرة لا يجب أن يقتصر على الجروب نفسه، وإنما ينبغي النظر إلى الأسباب التي دفعت الملايين إلى اللجوء إليه، والعمل على توفير مساحات واقعية وآمنة للتعبير والمشاركة، بما يخفف من حالة الاحتقان ويفتح قنوات اتصال حقيقية بين المواطنين ومؤسسات الدولة والأحزاب.