"باعترافاتهم".. البنك المركزي: الأجر الحقيقي لم يرتفع سوى 1.3% رغم كل زيادات الرواتب

إذا كنت تلاحظ أن مستوى معيشتك لا يتحسن رغم ارتفاع راتبك، فأنت أمام معضلة اقتصادية مزمنة تعاني منها مصر منذ سنوات، وهي الفارق بين "الأجر الحقيقي والأجر الاسمي أو النقدي"، وتأثرهما بمستوى التضخم أو معدل زيادة الأسعار في السوق والقيمة الشرائية للجنيه.

تبدو تلك المصطلحات معقدة، لكنها في غاية البساطة، فالأجر النقدي أو الاسمي هو الراتب الشهري الذي تحصل عليه من وظيفتك، أما الأجر الحقيقي فهو المرتبط بمستوى معيشتك، وهو كمية السلع والخدمات الفعلية التي يمكنك شراؤها براتبك النقدي.

يحل تقرير السياسة النقدية عن الربع الثاني من العام الحالي، الصادر عن البنك المركزي المصري، جزءًا من تلك المعضلة، إذ يكشف عن تباطؤ معدل النمو السنوي للأجور الحقيقية، ليسجل 1.3% خلال الربع الأول من عام 2026، مقابل 11% في الفترة المناظرة من العام السابق، أي الربع الأول من 2025.

ويرجع البنك معدل نمو الأجور الحقيقية المنخفض إلى تباطؤ نمو الأجور الاسمية، أو الراتب الذي يتلقاه العامل من جهة عمله مباشرة أو تحويله لحسابه، بجانب الارتفاع الطفيف في معدل التضخم، وهو الزيادة في وتيرة الأسعار.

ولتقريب الصورة، لنفترض أن موظفًا يتلقى راتبًا قدره 10 آلاف جنيه، وقررت الشركة منحه زيادة 10% ليصبح راتبه 11 ألف جنيه، وفي الوقت ذاته بلغ التضخم 5%، فإن ذلك يعني أن أجره الحقيقي ارتفع بنسبة 5%، هي الفرق بين زيادة راتبه والتضخم.

وبحسب تقرير السياسة النقدية، فإن النمو السنوي للأجور الحقيقية يبلغ 1.3%، أي أن الفارق بين زيادة الراتب ومعدل التضخم لا يتجاوز 1.3%، أو بمعنى آخر فإن الموظف الذي كان يتقاضى 10 آلاف جنيه لم يتحسن راتبه الحقيقي إلا بـ130 جنيهًا فقط في الربع الأول من 2026، بينما تحسن راتب الموظف الذي كان يتقاضى في الربع الأول من 2025 نحو 10 آلاف جنيه بنسبة أكبر بلغت 11%، أي زاد بمقدار 1100 جنيه حينها.

الأجور الحقيقية تتراجع للخلف

وبحسب تقرير لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي عن الربع الثاني من العام الحالي، فإن مستوى الأجور الحقيقية لا يزال دون مستوياته السائدة قبل عام 2023، ما يعني أن الأجور الحقيقية قلت قيمتها بسبب التضخم في الفترة ما بين 2023 و2026 مقارنة بعام 2022.

ويعزو البنك ذلك إلى زيادة معدل التضخم عن التطورات المستمرة في نمو الأجور الاسمية حتى يونيو 2024، وهذا أمر طبيعي، فالمعدل السنوي للتضخم ارتفع بصورة كبيرة منذ قرارات تعويم الجنيه للمرة الثانية في 2022. ففي يوليو 2022 كان معدل التضخم 13.6%، ارتفع في يوليو 2023 إلى 36.6% كأحد تداعيات تعويم الجنيه، ثم بلغ في يوليو 2024 نسبة 25.7%، وفي يوليو 2025 بلغ 13.9%، وفي يوليو 2026 بلغ 14.9%، وكلها معدلات أعلى بكثير من نسب الارتفاع في الأجور.

ارتفاع الأجور الاسمية وتراجع قوتها الشرائية

دافعت الدولة عن ارتفاع الحد الأدنى للأجور للعاملين بها خلال العقد الأخير من 1200 جنيه إلى 8000 جنيه، ما يمثل زيادة اسمية بنحو 6.6 مرة، أو زيادة تجاوزت 560%، لمواجهة التضخم وتكاليف المعيشة.

غير أن معادلة الأجر الحقيقي توضح مدى تحول تلك الزيادات إلى قوة شرائية فعلية، فالأجر الحقيقي أو القوة الشرائية تعني الأجر الاسمي مقسومًا على مستوى الأسعار العام أو التضخم، وبمعنى آخر، حين تقسم راتبك الشهري على مستوى التضخم تظهر لك قدرتك الشرائية الحقيقية.

ويحسب بعض الاقتصاديين قوة الأجور الشرائية بمقاييس أخرى لتوضيح الصورة، من بينها قيمة الراتب أمام لتر البنزين، التي تُظهر أن الحد الأدنى للأجور في مصر يعادل 359.5 لتر بنزين 92 في عام 2026، فلو كان خزان سيارته 30 لترًا، فإن راتبه يكفي لتعبئة السيارة 12 مرة على أقصى تقدير.

ولتوضيح كيف يتأثر الراتب بمستوى الأسعار بصورة أوسع، يمكن اللجوء إلى معادلة الراتب مقابل أنبوبة الغاز، فالحد الأدنى حاليًا يعادل 29 أنبوبة، بافتراض شرائها بسعر المستودع 275 جنيهًا وليس سعر المنزل 300 جنيه، في حين كان الحد الأدنى في 2023 يكفي لشراء 53 أنبوبة رغم أنه كان 4 آلاف جنيه فقط، وذلك بسبب ارتفاع سعر الأنبوبة بنسبة 5400% خلال 10 سنوات.

ميزة للبنك المركزي وعبء على المواطن

يعتبر البنك المركزي ذلك التراجع ميزة بالنسبة له في حساب التضخم، فتباطؤ نمو الأجور الحقيقية يدعم محدودية الضغوط التضخمية الناجمة عن جانب الطلب عبر قناة الأجور، إذ كلما ارتفعت الأجور زادت قدرة الموظف على الإنفاق، وبالتالي يزداد الطلب على السلع وترتفع أسعارها ويرتفع معها معدل التضخم.

أما بالنسبة لخبير الاقتصاد مصطفى عادل، فيمكن إبراز تراجع قيمة الجنيه، ومعه انخفاض القوة الشرائية، بمقارنات بسيطة، ففي 2014 كان مبلغ 150 جنيهًا يشتري نصف جرام ذهب، وفي 2024 أصبح المبلغ ذاته يعادل نصف بطيخة، وفي موازنة 2025-2026 كان الحد الأدنى للأجور 7000 جنيه يعادل 148 دولارًا، وفي موازنة 2026-2027 أصبح الحد الأدنى للأجور 8000 جنيه يعادل 148 دولارًا أيضًا، أي لم يتحرك.

ويضيف عادل أن مليون جنيه في أغسطس 2016 كان يعادل 112.6 ألف دولار، وفي أغسطس 2026 أصبح يعادل 19.8 ألف دولار فقط، وبالتالي فإن القوة الشرائية للنقود تراجعت بنحو 78%، أو أن الأسعار زادت بحوالي 360%، وبحسبة مبسطة فإن مليون جنيه في 2016 يعادل في القوة الشرائية نحو 220 ألف جنيه فقط بأسعار 2026.

ويرى عادل، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن أكبر خدعة قد يقع فيها أي شخص في الاقتصاد هي الخلط بين زيادة الأرقام وزيادة الأموال الحقيقية، فالاقتصاد ليس عملية تحويل عملة ساذجة، كتحويل الدولار إلى أي عملة كالجنيه، وإنما قياس القدرة على الدفع.

يجمع الخبراء على أن الحل الأساسي لمعضلة الأجر الحقيقي في مصر يكمن في أن تكون الزيادة السنوية في الأجر الاسمي أعلى من التضخم المستهدف، لضمان معيشة جيدة للمواطن وتحريك الطلب في السوق على السلع.

وقبل تطبيق الزيادة الحالية البالغة 8 آلاف جنيه، طالب خبراء ونقابات العاملين برفع الحد الأدنى للأجور إلى 9 أو 10 آلاف جنيه شهريًا على الأقل، بما يتناسب مع تكاليف المعيشة الحالية، ويضمن حياة كريمة للعاملين في مختلف القطاعات، لكن الحكومة صمتت أمام رقم الـ8 آلاف جنيه.

وقد طالب شعبان خليفة، رئيس نقابة العاملين بالقطاع الخاص، قبل إعداد الموازنة الحالية، بـرفع الحد الأدنى للأجور إلى 9 آلاف جنيه شهريًا، قائلًا إن المواطن "بيشتغل شغلنتين عشان يقدر يكفي، ومش قادر يلبي احتياجات أسرته الضرورية التي تكاد تخليه يعيش".

كم يحتاج المواطن ليعيش؟

في الوقت الذي يتراجع فيه معدل نمو الأجر الحقيقي، تقول دراسة حديثة أعدها بيت الخبرة البرلماني لحزب العدل، إن حجم الإنفاق الشهري اللازم لتوفير الاحتياجات الأساسية لأسرة حضرية تعيش في المدينة، ومكونة من 4 أفراد، يقدر بنحو 32 ألفًا و51 جنيهًا شهريًا.

وبحسب الأرقام الواردة في الدراسة، فإن نصيب الفرد من هذه التكلفة يتجاوز 8 آلاف جنيه شهريًا، بينما يصل متوسط إنفاقه اليومي إلى نحو 267 جنيهًا، في مؤشر على حجم الإنفاق المطلوب لتغطية الاحتياجات الأساسية.

وتشير الدراسة إلى أن الجزء الأكبر من ميزانية الأسرة يتركز في أربعة بنود رئيسية، تستحوذ مجتمعة على نحو 69.5% من إجمالي الإنفاق الشهري، وهي الغذاء والسكن والتعليم والنقل، وهي الاحتياجات التي تمثل النسبة الأكبر من تكلفة المعيشة الأساسية للأسرة وفقًا للأرقام التي رصدتها الدراسة.

ويقول المهندس علاء السقطي، عضو المجلس القومي للأجور، إن الحد الأدنى الحالي للأجور لا يزال غير كافٍ لتغطية احتياجات الأسرة، في ظل الضغوط المتزايدة على تكاليف المعيشة، مضيفًا أن هناك تراجعًا في مستويات الدخول بصورة عامة، سواء بالنسبة للموظفين أو أصحاب الشركات والمستثمرين، وهو ما انعكس على القدرة الشرائية خلال الفترة الأخيرة.

لا يزال الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الخاص حاليًا 7 آلاف جنيه، وهو أقل من الحد الأدنى للعاملين في الدولة بحوالي 12.5%، ورغم ذلك يرى السقطي أن الشركات لا تستطيع تحمل تحقيق المساواة بين الحدين، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل ومستلزمات الإنتاج، معتبرًا أن تحسين أجور العاملين يظل هدفًا مهمًا، لكن تحقيقه يحتاج إلى مراعاة الظروف الاقتصادية والمالية للقطاع الخاص.

غير أن تلك التفاصيل الدقيقة التي يسوقها السقطي عن تكاليف التشغيل وظروف القطاع الخاص لا تُغير من واقع المعادلة الحقيقية، التي تظل معلقة عند ذلك الحد الذي يفصل بين الرقم على الورق وقدرة المواطن الفعلية على العيش به، فبينما ترتفع الأجور الاسمية بنسب تبدو كبيرة، يظل السؤال الحقيقي معلقًا عند من يعمل "شغلنتين عشان يقدر يكفي"، ولا يجد في زيادة الأرقام ما يكفي لسد احتياجات أسرته الضرورية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة