في كل صيف تحاول شيماء أن تمنح أطفالها الـثلاثة، الذين تبلغ أعمارهم 15 و8 و4 سنوات، إجازة تحمل شيئًا من المتعة وتكسر روتين الدراسة، على أن هذا العام بدا مختلفًا تمامًا، بحسب وصفها، فما إن تراودها نية لإشراكهم في نشاط حتى تتحول سريعًا إلى حسبة مرهقة، فالتكلفة لا تُحسب لطفل بمفرده وإنما تتضاعف 3 مرات.
تقيم شيماء في حي ناءٍ بالجيزة، حيث الخيارات المتاحة أمام أطفالها محدودة من الأساس، إذ تبعد أقرب مكتبة عامة أو بيت ثقافة نحو 30 دقيقة بالسيارة، وهو ما يعني تحمل نفقات مواصلات إضافية لا تستطيع الأسرة توفيرها، لذا لم يبق أمامها من ثم سوى حلقات تحفيظ القرآن في أحد المساجد القريبة، أو الأنشطة التي يقدمها مركز الشباب بالمنطقة.
ومع ذلك، لم يعد هذا الخيار سهلًا، فبحسب شيماء ارتفعت رسوم الاشتراك في مركز الشباب هذا الصيف بنحو 20% مقارنة بالعام الماضي، لتجد نفسها مضطرة إلى تقليص ما كانت تخصصه لأطفالها من أنشطة، وهكذا بعدما كان كل طفل يشارك في اثنين من الأنشطة خلال الإجازة الصيفية، أصبح عليها هذا العام أن تكتفي لكل منهم بنشاط رياضي فحسب، مع إلغاء فكرة إلحاقهم بمجموعات تحسين الخط أو أي أنشطة أخرى كانت ترى أنها تساعدهم على استثمار الإجازة وتنمية مهاراتهم. وتقول شيماء لـ"فكر تاني" إن أكثر ما يؤلمها ليس ارتفاع الأسعار في حد ذاته، وإنما شعورها بأنها أصبحت مضطرة في كل صيف إلى إخبار أطفالها بأن هناك أشياء كانوا يستمتعون بها لم تعد الأسرة قادرة على تحمل تكلفتها، في وقت أصبحت فيه حتى أبسط الأنشطة الترفيهية عبئًا يفوق إمكانات كثير من الأسر.
وتعكس بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حجم التراجع الذي يشهده الإنفاق على الترفيه داخل ميزانيات الأسر المصرية، فوفقًا لأحدث نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك (2019/2020) بلغ متوسط الإنفاق السنوي للأسرة نحو 61.9 ألف جنيه موزعة على مختلف بنود المعيشة، واستحوذ بند الطعام والشراب على النصيب الأكبر من الإنفاق بنسبة 31.1%، تلاه المسكن ومستلزماته بنسبة 19.2%، ثم الخدمات والرعاية الصحية بنسبة 10.4%. وفي المقابل، جاء الإنفاق على الثقافة والترفيه في ذيل قائمة أولويات الإنفاق الأسري، إذ لم يتجاوز 2.3% من إجمالي الإنفاق السنوي، وهو ما يعكس محدودية ما تخصصه الأسر لهذا الجانب، خصوصًا مع تزايد الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
الثقافة والترفيه في ذيل الأولويات
صارت الإجازة الصيفية لهبة فؤاد، وهي أم في أواخر العشرينيات من عمرها لطفلتين تبلغان 6 و4 سنوات، رحلة للبحث عن بدائل يمكن للأسرة تحملها. وتقيم هبة في محافظة سوهاج، لكنها تقول إن معظم الأنشطة الصيفية المخصصة للأطفال تتركز في مناطق بعيدة عن محل سكنها، وهو ما يجعل الوصول إليها مكلفًا وصعبًا، خصوصًا مع ارتفاع أسعار المواصلات وضيق الوقت.
وأمام هذا الواقع، تخلت عن فكرة إلحاق طفلتيها بأي أنشطة صيفية هذا العام، واختارت بديلًا أقل تكلفة يتمثل في شراء بعض الألعاب التفاعلية التي تساعدهما على قضاء جزء من وقتهما داخل المنزل، وإن كانت تدرك أن الألعاب وحدها لا تعوض حاجة الأطفال إلى الاختلاط بأقرانهم وممارسة الأنشطة خارج البيت.
ولذلك تحاول هبة تعويض هذا النقص بطرق بسيطة تناسب إمكانات أسرتها، فهي تحرص على تنظيم زيارات عائلية بصورة منتظمة، وتخصص فوق ذلك كل شهر يومين تخرج فيهما مع طفلتيها إلى مكان ترفيهي مهما كانت التكلفة، خوفًا من أن يؤدي بقاؤهما داخل المنزل لفترات طويلة إلى حرمانهما من التفاعل الاجتماعي والذكريات التي تصنعها الإجازة الصيفية. وتقول لـ"فكر تاني" إن أكثر ما يشغلها هو أن تنشأ طفلتاها بعيدًا عن التجارب والأنشطة التي تساعد الأطفال على اكتشاف العالم من حولهم، على أن الظروف الاقتصادية أصبحت تفرض على كثير من الأسر الاكتفاء بما هو متاح، حتى وإن كان أقل كثيرًا مما يتمنونه لأبنائهم.
وتنص المادة 31 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل على أن لكل طفل الحق في الراحة ووقت الفراغ، وممارسة اللعب، والمشاركة في الأنشطة الترفيهية المناسبة لسنه، إلى جانب المشاركة بحرية في الحياة الثقافية والفنية، وتُلزم الدول في الوقت ذاته باتخاذ التدابير اللازمة لضمان تمتع الأطفال بهذه الحقوق، وتشجيع توفير فرص متكافئة وآمنة لممارسة الأنشطة الثقافية والفنية والترفيهية.
وتشير دراسة بعنوان "أهمية اللعب في تعزيز النمو الصحي للأطفال والحفاظ على قوة العلاقة بين الوالدين والأطفال"، نشرَتها الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال عام 2007، إلى أن اللعب ليس مجرد وسيلة للتسلية، وإنما عنصر أساسي في النمو العقلي والبدني والاجتماعي والعاطفي للأطفال.
وتؤكد الدراسة، التي أعدها طبيب الأطفال والباحث كينيث آر. جينسبيرج، أن اللعب الحر يطور مهارات الإبداع وحل المشكلات والتعاون والقدرة على التكيف مع الضغوط، فضلًا عن تعزيزه الروابط بين الأطفال وذويهم من خلال التفاعل المباشر. وفي المقابل، حذرت الدراسة من أن الأطفال باتوا يفقدون جزءًا كبيرًا من وقت اللعب نتيجة ضغوط الحياة اليومية، وارتفاع التركيز على الدراسة والأنشطة المنظمة، إلى جانب تراجع المساحات والفرص المخصصة للعب الحر. وخلصت إلى أن حماية حق الأطفال في اللعب يجب أن تكون أولوية لدى الأسر والمدارس وصناع السياسات، من خلال توفير بيئات آمنة وفرص متكافئة لممارسة الأنشطة الترفيهية، مؤكدةً أن الاستثمار في اللعب لا يقل أهمية عن الاستثمار في التعليم، لما له من دور مباشر في بناء أطفال أكثر صحة وقدرة على التعلم والتكيف مع المجتمع.
اللعب حق أصيل لا رفاهية عابرة
يرى الدكتور هاني هلال، أمين الائتلاف المصري لحقوق الطفل ورئيس المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة، أن الترفيه واللعب ليسا رفاهية يمكن الاستغناء عنها، وإنما حق أصيل نصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، التي ألزمت الدول بتوفير مساحات آمنة للعب والترفيه، ودمج الأنشطة الترفيهية ضمن العملية التعليمية باعتبارها جزءًا من النمو المتكامل للطفل. ويؤكد، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن المجتمع المصري لا يزال ينظر إلى اللعب باعتباره أمرًا ثانويًا أو شكلًا من أشكال التدليل، وليس حقًا من حقوق الطفل، وهو ما يعكس بحسب وصفه ضعف الوعي المجتمعي بمفاهيم حقوق الطفل، مضيفًا أن اللعب والترفيه يؤديان دورًا أساسيًا في تفريغ الضغوط النفسية والطاقة السلبية لدى الأطفال، ويسهمان في بناء شخصية متوازنة، على أن هذه الثقافة لا تزال غائبة بمختلف المستويات الاجتماعية، وإن كانت آثارها أكثر وضوحًا بين الأسر محدودة الدخل.
ويوضح أمين الائتلاف المصري لحقوق الطفل أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة دفعت كثيرًا من الأسر إلى التضحية بالإنفاق على الأنشطة الترفيهية لصالح الاحتياجات الأساسية، بعدما أصبحت الخدمات، بما فيها الأنشطة المخصصة للأطفال، أكثر تكلفة، مشيرًا إلى أن هذا الواقع يدفع بعض الأسر، خصوصًا في الشرائح الأقل دخلًا، إلى إلحاق أطفالها بسوق العمل خلال الإجازة الصيفية بدلًا من إشراكهم في الأنشطة الرياضية أو الثقافية، وهو ما يفسر ارتفاع معدلات عمل الأطفال خلال تلك الفترة. ويضيف أن نسبة الأطفال الملتحقين بالأندية الرياضية في مصر لا تتجاوز 5%، وهو ما يعكس محدودية الوصول إلى هذه الخدمات.
لذلك ينتقد هلال تراجع دور الدولة في توفير البدائل المجانية أو منخفضة التكلفة للأطفال، موضحًا أن قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته عام 2008 أكد أهمية نشر الثقافة بين الأطفال، وإنشاء المكتبات وبيوت الثقافة داخل الأحياء السكنية، على أن كثيرًا من هذه المؤسسات شهد تراجعًا في نشاطه خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن قصور الثقافة التي كانت تقدم برامج وورشًا فنية وثقافية للأطفال في مختلف المحافظات أصبحت أقل فاعلية، فيما تراجع الإقبال أيضًا على المكتبات العامة مع انحسار المبادرات التي كانت تشجع الأطفال على القراءة.
وينص قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996، المعدل بالقانون 126 لسنة 2008، على مسؤولية الدولة في تلبية احتياجات الأطفال الثقافية، بما يشمل الأدب والفنون والمعرفة، وربطها بقيم المجتمع والتراث الإنساني والتقدم العلمي، ويُلزم القانون بإنشاء مكتبات للأطفال في القرى والأحياء والأماكن العامة، إلى جانب إنشاء نوادي ثقافة الطفل، على أن تضم المكتبة دارًا للسينما والمسرح، وهو ما يعكس أن توفير مساحات للثقافة والمعرفة والأنشطة الموجهة للأطفال ليس ترفًا، وإنما جزء من مسؤولية الدولة تجاه تنشئتهم وتلبية احتياجاتهم الثقافية.
مراكز الشباب... الملاذ الأوسع رغم تراجع إمكاناته
تكشف النشرة السنوية لإحصاء النشاط الرياضي في المنشآت الرياضية لعام 2024، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن البنية الأساسية لممارسة الرياضة في مصر تعتمد بشكل رئيسي على 5380 منشأة رياضية، تضم 812 ناديًا رياضيًا و4568 مركز شباب موزعة بين المدن والقرى، وهو ما يجعل مراكز الشباب المنفذ الأوسع لممارسة الأنشطة الرياضية، خصوصًا للأطفال والشباب. وتشير البيانات إلى أن الأندية الرياضية سجلت تراجعًا في عدد اللاعبين إلى 255.5 ألف لاعب عام 2024، مقارنةً بـ260.2 ألف لاعب في العام السابق، بانخفاض بلغت نسبته 1.8%، وفي المقابل ارتفع عدد اللاعبين في مراكز شباب المدن بنسبة 27% ليصل إلى 154.6 ألف لاعب، وفي موازاة ذلك ارتفع عدد اللاعبين في مراكز شباب القرى بنسبة 11% مسجلًا 267.7 ألف لاعب، وهو ما يعكس اعتماد شريحة أكبر من الأسر على مراكز الشباب باعتبارها الخيار الأقل تكلفة مقارنةً بالأندية.
ورغم هذا الإقبال، أظهرت النشرة تراجعًا في بعض مؤشرات النشاط الرياضي، إذ انخفض عدد المباريات المقامة في مراكز شباب المدن بنسبة 16%، وفي مراكز شباب القرى بنسبة 28.3% مقارنةً بعام 2023، وبالتوازي تراجع عدد المدربين في مراكز شباب القرى بنسبة 16.2%، وفي مراكز شباب المدن بنسبة 6%، وهي مؤشرات قد تعكس تحديات تواجه قدرة هذه المنشآت على استيعاب الأعداد المتزايدة من الممارسين والحفاظ على مستوى الأنشطة المقدمة. وتبرز هذه الأرقام أهمية مراكز الشباب باعتبارها المتنفس الرياضي الرئيسي للأطفال، خصوصًا في ظل ارتفاع تكلفة الاشتراك في الأندية والأنشطة الخاصة، وهو ما يجعل أي زيادة في رسوم الاشتراك أو تراجع في الخدمات المقدمة داخل هذه المراكز يؤثر بشكل مباشر على فرص الأطفال في ممارسة الرياضة خلال الإجازة الصيفية.
وعودةً إلى رؤية أمين الائتلاف المصري لحقوق الطفل ورئيس المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة، فإنه يوضح أن استعادة حقوق الأطفال تتطلب أن يصبح ملف الطفولة على رأس أولويات الدولة، انطلاقًا من أن الأطفال يمثلون "نصف الحاضر وكل المستقبل"، وأن تراعي جميع السياسات والخطط الحكومية المصلحة الفضلى للطفل عند وضع أي تشريع أو برنامج أو إجراء يمس حياتهم ومستقبلهم. وأشار إلى أن التقارير الدورية الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل، والتي تُراجع أوضاع الدول كل 5 سنوات، تتضمن ملاحظات متكررة بشأن وضع الطفولة في مصر، لافتًا إلى أن أبرز التحديات تتمثل في غياب قاعدة بيانات وطنية موثقة عن الأطفال، وقال "لا توجد لدينا أرقام دقيقة يمكن الاستناد إليها بشأن عدد الأطفال الأيتام أو أطفال الشوارع أو غيرها من المؤشرات الأساسية، وهو ما يمثل مشكلة حقيقية أمام التخطيط ووضع السياسات".
وأوضح أن المجلس القومي للطفولة والأمومة هو الجهة المعنية بملف الطفل في مصر، وتعاونه مختلف الوزارات وفقًا لاختصاصاتها، إلا أن البلاد لا تمتلك حتى الآن مرصدًا وطنيًا شاملًا ومتاحًا للباحثين والإعلاميين وصناع القرار، يوفر بيانات دقيقة ومحدثة عن أوضاع الأطفال، مشيرًا إلى أن محاولات سابقة لإنشاء هذا المرصد بدأت بالفعل، لكنها لم تكتمل. ولفت إلى أن الملاحظات الدولية لا تقتصر على نقص البيانات، وإنما تشمل أيضًا ارتفاع معدلات العنف ضد الأطفال، وتراجع جودة العملية التعليمية، إلى جانب عدد من القضايا الأخرى المتعلقة بحقوق الطفل. وفيما يتعلق بمستقبل هذا الملف، يرى هلال أن تحقيق تقدم حقيقي يتطلب وجود إرادة سياسية تضع قضايا الطفولة ضمن أولويات الدولة، مؤكدًا أن الملفات الكبرى في مصر تشهد تقدمًا عندما تحظى باهتمام مباشر من القيادة السياسية، معربًا عن أمله في أن يستعيد ملف الطفولة مكانته خلال المرحلة المقبلة، بما ينعكس على حقوق الأطفال في التعليم والثقافة واللعب والتنمية.
حق الطفل كتحد اقتصادي
ويمثل تحول حق الطفل في اللعب والترفيه من ممارسة طبيعية إلى تحدٍ اقتصادي تواجهه الأسر إحدى القضايا الملحة في الواقع المعاصر، بحسب الدكتورة جيهان النمرسي، أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر، التي تدعو إلى نقاش جاد من المتخصصين والمهتمين بقضايا الطفل وصحته النفسية. فالترفيه، من منظورها، لا يمثل مجرد وسيلة للتسلية، وإنما يؤدي دورًا أساسيًا في تكوين شخصية الطفل: يمثل اللعب المجال الأول الذي يكتشف من خلاله الطفل ذاته والعالم المحيط به، ويسهم في بناء الذكاء العاطفي من خلال تعلم إدارة المشاعر والصبر والتعامل مع الإحباط، فضلًا عن دوره في التنشئة الاجتماعية عبر تعلم القواعد والتفاوض والقيادة والعمل الجماعي، بينما تعزز الأنشطة الترفيهية في الوقت نفسه التطور المعرفي والحسي من خلال تنمية الإبداع والقدرة على حل المشكلات والنمو الحركي الدقيق والجسدي.
ومن هذا المنطلق، يؤدي غياب الترفيه، خصوصًا عندما يكون مفروضًا بسبب الضغوط الاقتصادية، إلى تراكم التوتر لدى الطفل نتيجة فقدانه منفذًا طبيعيًا لتفريغ طاقته، بما يجعل الضغوط المنزلية الناتجة عن أعباء الوالدين تنعكس بصورة مباشرة على استقراره النفسي. وقد يفضي انحسار الأنشطة الترفيهية إلى الجمود السلوكي وتراجع الخيال والقدرة على الابتكار، بما يدفع بعض الأطفال إلى القلق أو الانطواء. أما على المستوى الأسري، فقد يحول غياب النشاط الموجه المنزل من بيئة للنمو إلى مساحة للضجيج أو التوتر، إذ يفرغ الطفل طاقته في صورة سلوكيات عدوانية أو من خلال الاستخدام السلبي للأجهزة الإلكترونية، فيما قد يؤدي ذلك اجتماعيًا إلى نشوء أجيال أقل قدرة على التكيف الاجتماعي وأكثر عرضة لاضطرابات نفسية قد تظهر لاحقًا في صورة ضعف في الإنتاجية أو التفاعل مع الآخرين.
ويتعارض اعتبار الترفيه سلعة باهظة التكلفة، بحسب النمرسي، مع مفهوم حق الطفل في اللعب والترفيه المنصوص عليه في المادة 31 من اتفاقية حقوق الطفل، لأنه يؤدي إلى تفاوت في فرص النمو بين الأطفال، إذ يحصل بعضهم على فرص التحفيز والنمو السليم بينما يُحرم آخرون منها، بما يمثل انتهاكًا غير مباشر لتكافؤ الفرص في بناء المستقبل. وقد تكون للحرمان من الترفيه آثار نفسية واجتماعية، من بينها الشعور بالدونية مقارنةً بالأقران، والقلق والاكتئاب والاضطرابات السلوكية، إلى جانب صعوبة بناء صداقات حقيقية واللجوء إلى العالم الافتراضي، الذي لا يوفر مهارات التواصل الواقعية.
وعلى صعيد التغيرات الملحوظة في أنماط قضاء الأطفال للإجازة الصيفية، يتمثل أبرزها في الانتقال المتزايد للعب من الساحات والأندية إلى الشاشات، سواء من خلال ألعاب الفيديو أو منصات التواصل، بالتزامن مع تراجع ممارسة الرياضات الجماعية لصالح أنشطة فردية ساكنة، وفقدان الشارع أو النادي باعتبارهما مساحة للتفاعل العفوي لصالح أنشطة منظمة ومكلفة. وفيما يتعلق بالبدائل الحكومية، مثل مراكز الشباب والأنشطة المدرسية، فقد أصبحت في ظل ارتفاع الأسعار "طوق النجاة الوحيد" لكثير من الأسر، لكنها لا تزال غير كافية، إذ تعاني في كثير من الأحيان من ضعف الإمكانيات والبرامج التي تواكب اهتمامات أجيال "الديجيتال"، فضلًا عن المركزية أو عدم الانتشار، بما يجعلها غير قادرة على الوصول إلى جميع الأطفال بالمستوى نفسه من الجودة. وتمثل هذه البدائل، من وجهة نظر النمرسي، المجال الذي يجب الاستثمار فيه وتطويره لتصبح بديلًا حقيقيًا، وليس مجرد "حيز فراغ".
وفي ضوء ذلك، تقترح النمرسي عددًا من الإجراءات لحماية حق الطفل في الترفيه، من بينها توفير أنشطة منخفضة التكلفة وإعادة إحياء الألعاب التقليدية والأنشطة الجماعية في الأحياء والمساحات العامة، وتشجيع الأسر على البحث عن أنشطة تعتمد على الوقت النوعي أكثر من المال. كما تدعو إلى تفعيل دور الجمعيات الأهلية في تنظيم معسكرات وأنشطة صيفية مدعومة، وتغيير النظرة المجتمعية إلى الترفيه باعتباره رفاهية، مؤكدةً أنه جزء أساسي من بناء الصحة العقلية للطفل، إلى جانب دعم المبادرات التي تطالب بفتح المدارس ومراكز الشباب مجانًا أو برسوم رمزية خلال الصيف، مع تقديم محتوى تربوي حقيقي.
فحين تتحول مراكز الشباب من متنفس متاح إلى عبء إضافي يُثقل ميزانية الأسرة، يصبح واضحًا أن المشكلة لا تنتهي عند حدود منزل شيماء أو هبة، وإنما تمتد إلى منظومة كاملة تحتاج مراجعة، من قانون يكفل الحق منذ عام 1996 دون أن يجد طريقه كاملًا إلى التطبيق، إلى دراسات نفسية تحذر من كلفة هذا الغياب على شخصية الطفل وقدرته على التكيف، إلى بيانات رسمية تضع الترفيه في ذيل أولويات الإنفاق الأسري. وبين كل هذه الخيوط، يبقى السؤال الذي طرحته الأسر نفسها هو الأجدر بالإجابة، هل يستمر اللعب بندًا يُحذف عند أول أزمة اقتصادية، أم يصبح استثمارًا لا يقل أهمية عن التعليم في بناء جيل أكثر قدرة على مواجهة المستقبل؟