بسبب 15 ألف جنيه إيجار.. أزمة جديدة في حزب الوعي

في الأحزاب الراسخة، تبدو النزاعات الداخلية منطقية في ظل صراعات القديم والجديد، بل وحتى بين أفكار الجديد نفسه أو أفكار القديم نفسه، وقد يحدث هذا أيضًا داخل الكيانات الوليدة إذا كان النزاع نزاعًا حول أفكار سياسية، غير أن ما يجري داخل حزب الوعي الليبرالي يبدو لافتًا للنظر، إذ تأتي الانشقاقات فيه من جهة مختلفة نوعًا ما عن جهة السياسة.

وقد ضربت الحزب، الذي خرج من رحم الحوار الوطني، أزمة إثر إعلان أعضاء أمانة محافظة بورسعيد استقالتهم الجماعية المفاجئة عبر السوشيال ميديا، احتجاجًا على عجز الأمانة المركزية عن سداد التزامات المقر الجديد، الذي يبلغ إيجاره نحو 15 ألف جنيه شهريًا، ويعود أصلًا في ملكيته إلى أحد أعضاء الهيئة المركزية في القاهرة، بحسب ما أفاد به مصدر من الحزب لـ"فكر تاني".

ولم تكن الاستقالة الجماعية وحدها ما شهدته الأزمة، ففي أعقاب إعلان أعضاء أمانة محافظة بورسعيد استقالتهم عبر صفحاتهم على فيسبوك، استقال أيضًا أمين محافظة بورسعيد، السعيد الشختور، الذي اعتبر استقالته من الحزب "الجديد" خطوة متأخرة جاءت بعد تحمله خسائر مادية وصحية ونفسية.

وردًا على ذلك، أصدر الحزب بيانًا رسميًا تبرأ فيه من حركة الاستقالات الجماعية، معتبرًا أنها لا تمثل الواقع التنظيمي في الحزب، مشيرًا إلى عدم انتماء بعض الذين أعلنوا استقالتهم للحزب من الأساس.

في المقابل، أصرت الجبهة الأخرى على موقفها المعترض من خلال بيانات نشرتها على حساباتها الشخصية، ومن بين هؤلاء نائب التنظيم والعمل الجماهيري السابق، وائل عبده، الذي ذكر وجود أزمات في التعاملات المالية بين أمانة بورسعيد والأمانة المركزية، موضحًا في حديثه لـ"فكر تاني" أن الأزمة لا تقتصر على الجانب المادي، وأن هناك خلفية من الانفصال بين الأمانة المركزية وأمانة بورسعيد، إلى جانب عدم التعامل الجاد مع توصيات الأمانة أو مطالبها.

ولم تكن أزمة أمانة بورسعيد الهزة التنظيمية الأولى التي يشهدها حزب الوعي في الأوان الأخير، إذ سبقتها مواجهة حادة في قطاع القاهرة الكبرى، بعدما تقدم سكرتير عام مساعد القطاع، المحامي بالنقض إسلام فاضل، بـبلاغات للنائب العام وشكاوى لدى لجنة الأحزاب السياسية والجهاز المركزي للمحاسبات، متهمًا رئيس الحزب باسل عادل بالانفراد بالقرارات وتلقي تبرعات على حسابات بنكية شخصية بالمخالفة للقانون، إلى جانب إصدار قرارات فصل وانتقام سياسي دون الرجوع للائحة الحزب، وهي اتهامات اعتبرها الحزب "حملة ممنهجة لتشويه سمعته" تقودها عناصر مفصولة، موضحًا، في بيان، أن القرار كان في حقيقته "رفضًا للعضوية"، لعدم اجتياز مرحلة الانتساب التجريبية، وارتكاب مخالفات جسيمة للانضباط الحزبي، ومحاولة افتعال أزمات داخلية، مشددًا على التزامه بمعايير الحوكمة والشفافية ومحدودية الموارد في مواجهة ما وصفه بالمصالح الشخصية والمساومات المشبوهة.

وعود برلمانية وخيبة أمل

ويشير وائل عبده إلى أن طبيعة تلك المطالب نابعة من لقاءات جماهيرية نظمتها الأمانة مع سكان محافظة بورسعيد، معولين على وجود رئيس الحزب، باسل عادل، عضوًا في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما أكد لهم في زياراته، قائلًا "اعتبروني نائبًا عن بورسعيد"، على حد قول وائل عبده، غير أن أعضاء أمانة بورسعيد لم تبدُ لهم جدية الوعود.

ولم يبدُ تقييم المطالب واحدًا على الجهتين، إذ يشير رامي زهدي، نائب رئيس الحزب، إلى وجود مطالب ذات أبعاد شخصية، ومطالب أخرى يصفها بأنها "مطالب أكبر من الحزب"، مؤكدًا في الوقت ذاته على عمل رئيس الحزب على رفض مشاريع القوانين التي قد تضر بمصلحة المواطن، على سبيل المثال قانون الإيجار القديم، قائلًا "هل قانون الإيجار القديم لا يهم بورسعيد؟".

ويبرز اختلاف تقييم المشهد الأخير الخاص بالاستقالات في قول رامي زهدي لـ"فكر تاني"، إنهم "صحوا من النوم قدموا استقالتهم"، في حين يصف وائل عبده مشهد الاستقالات الجماعية لـ"فكر تاني" باعتبارها لقطة ختامية لسلسلة من معاناة أمانة بورسعيد مع الأمانة المركزية.

أزمة المقر.. التمويل الشخصي أم العمل الحزبي

ويضع وائل عبده العقد الضمني الذي كان قائمًا بين الطرفين، الأمانة المركزية متمثلة في رئيس الحزب، وأمانة محافظة بورسعيد، لتقييم موقفه في أثناء حديثه مع "فكر تاني"، قائلًا "اتفقنا أن الأمانة المركزية تدفع تكلفة الإيجار وتكاليف التشغيل، وأننا لن ندفع مقابل بقائنا في الحزب".

وعلى الرغم من تأكيد وائل أن الاتفاق كان ساريًا حتى شهر يونيو الذي شهد زيارة رئيس الحزب لمقر الأمانة، فإن تلك الزيارة انتهت بتوجيهات منه بتغيير المقر بداية من يوليو.

وتفاقمت الأزمة بعد تأخر سداد إيجار الشهر الأول في المقر الجديد، إذ اضطرت الأمانة إلى دفعه من نفقتها الشخصية، في محاولة لتهدئة الجو العام داخلها قادها أمين المحافظة، السعيد الشختور، لكن الشهر التالي لم يشهد هو الآخر أي دفعات مالية من الأمانة المركزية، ويشير وائل عبده إلى وجود وعود بالسداد من الأمانة المركزية لم تتحقق، مما جعل أعضاء الأمانة يشعرون بفراغ بينهم وبين الحزب.

ولم يمهل القدر الأمانة المركزية لتصحيح أوضاعها مع أمانة بورسعيد، إذ يقول وائل "يوم 9 أغسطس حُجز على المقر الجديد بسبب عدم سداد الإيجار بعد التأخير في سداد الشهر الأول".

ومن جانبه، يستنكر رامي زهدي المشهد النهائي بالاستقالات، قائلًا "أيه المشكلة، ناس دفعت للحزب، المفروض انه عمل حزبي"، مشيرًا إلى أن ملكية المقر الجديد تعود لأحد أعضاء الأمانة، مما كان من المفترض أن يكون أيسر في توفيق الأوضاع وعدم الضغط على الحزب.

ويطرح رامي سؤاله قائلًا "هنفترض الحزب لم يدفع، هل يكون سبب أنكم تستقيلوا؟"، مؤكدًا أن الأزمة المالية لم تكن متعمدة، وموضحًا سبب تأخير المستحقات المالية بقوله "سيستم الحساب البنكي الخاص برئيس الحزب كان فيه مشاكل، لأن رئيس الحزب بيدفع بنفسه المستحقات المالية لأمانة بورسعيد، باقي الأمانات بتدفع لنفسها".

كما يستنكر رامي زهدي الأسلوب الجماعي والعلني الذي مارس به أعضاء الأمانة حقهم في الاستقالة، قائلًا "هل كانوا منتظرين اننا نقول أرجوكم ما تقدموش استقالتكم".

إلا أن المشهد لم يخلُ بالفعل من أي محاولة لاستبقاء أعضاء الأمانة، إذ يصف وائل عبده رد فعل أعضاء الأمانة المركزية بأنه تضمن بعض التهديدات، على حد وصفه، في حين ينفي رامي زهدي أي رد فعل يتضمن تقليلًا من شأن أعضاء الأمانة.

وأشار رامي إلى أن الحزب لم يقف عند أزمة الاستقالات الجماعية وأنه قادر على تخطيها، مستندًا إلى سرعة تعيين أمين عام لأمانة بورسعيد، موضحًا وجود اختلاف جوهري في العقد الضمني بين الأمين الجديد والأمانة المركزية، قائلًا "هو هيتولى الأمور المادية الخاصة بالأمانة، لأننا خلاص اتعلمنا من أخطائنا".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة