في جلسة عامة عاصفة عُقدت في 16 يونيو الماضي، لم يكن النقاش حول اتفاقية قرض جديدة بين مصر وبنوك أوروبية لصالح وزارة النقل مجرد إجراء روتيني، فقد شنّ عدد من النواب هجومًا حادًا على حجم اقتراض الوزارة، بعدما كشف النائب أحمد فرغلي أنها تستحوذ وحدها على 52% من إجمالي اقتراض الدولة.
كان هدف هذا الاقتراض تنفيذ مشروعات واسعة لتطوير القطاع خلال السنوات السابقة، شملت نظم الإشارات والجرارات والعربات والمحطات والمزلقانات، بتمويل من الاستثمارات الحكومية والقروض والجهات الدولية، وذلك في محاولة لمعالجة استمرار حوادث القطارات، وما تسببه من وفيات وإصابات وخسائر مادية وبشرية. فمثلًا، وافق البنك الدولي في مارس 2021 على تمويل مشروع تطوير وسلامة سكك حديد مصر (RISE) بقرض قيمته 440 مليون دولار، ضمن مشروع تبلغ تكلفته الإجمالية 681.1 مليون دولار.
وشرحت رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي وقتها، أن المشروع يهدف إلى "تحديث نظم الإشارات، وتحسين سلامة التشغيل وجودة الخدمة على خطوط رئيسية، إلى جانب دعم قدرة الهيئة القومية لسكك الحديد على إدارة الأصول وتحسين الأداء".
وتمتد خطوط شبكة الهيئة لمسافة 9570 كم، وتخدم 23 محافظة، وتنقل ما يقرب من 420 مليون مواطن سنويًا، ولديها 3040 عربة ركاب، منها 850 مكيّفة، إضافة إلى 8553 عربة مخصصة للبضائع، ونحو 793 جرارًا.
وفي الوقت نفسه، سارت الدولة في خطة لرفع الدعم تدريجيًا عن قطاع النقل، ما أدى إلى قفزة في أسعار تذاكر القطارات عدة مرات، حيث شهد عام 2026 زيادتين متتاليتين، إحداهما في مارس 2026، والأخيرة في الأول من الشهر الجاري "يونيو 2026"، وتراوحت نسبة الزيادة بين 12.5% و25%.
فهل أسفر هذا الاقتراض الواسع عن تطوير السكك الحديدية؟ وهل أدى رفع أسعار تذاكر القطارات إلى الحد من حوادث القطارات ووفيات المواطنين؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، يجب أن نلقي نظرة على عدة بيانات ومؤشرات، منها النشرة المعلوماتية الشهرية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (مايو 2026)، التي سجلت زيادة في إيرادات السكك الحديدية بنسبة 42.6%. في المقابل، لم تُظهر البيانات الرسمية لحوادث القطارات خلال الفترة نفسها انخفاضًا مماثلًا يعكس هذا التطور المالي والتشغيلي، وعلى العكس، كشفت عن تصاعد في المؤشرات السلبية، ما وضع نتائج السلامة في مواجهة مباشرة مع حجم التمويل ومشروعات التطوير. فوجود استثمارات وقروض مخصصة لتحديث الإشارات وتحسين التشغيل لا يكفي وحده لتقييم أثرها، ما لم يظهر ذلك في انخفاض مستمر للحوادث والوفيات والإصابات. ومع زيادة ما يدفعه مستخدمو السكك الحديدية، تصبح السلامة نتيجة أساسية يجب قياسها، وترتبط بمدى تقليل المخاطر التي يتعرض لها المواطنون.
زيادة الحوادث وتراجع مؤشرات السلامة
على النقيض من التحسن المالي والتشغيلي الذي شهده المرفق، كشفت البيانات الرسمية للهيئة القومية لسكك حديد مصر عن صورة قاتمة تعكس تراجعًا ملحوظًا في مستويات السلامة بالقطارات. فبدلًا من أن تنعكس استثمارات التطوير على تقليل المخاطر، سجلت المؤشرات العامة للحوادث والخسائر البشرية ارتفاعًا واضحًا.
جدول (1): تطور المؤشرات العامة للسلامة (إبريل 2025- إبريل 2026)
| المؤشر العام | أبريل 2025 | أبريل 2026 | نسبة التغير |
| إجمالي عدد الحوادث | 70 | 85 | +21.4% |
| إجمالي الوفيات | 46 | 50 | +8.7% |
| إجمالي الإصابات الجسيمة | 18 | 21 | +16.7% ️ |

(المصدر: النشرة المعلوماتية – الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء – يونيو 2026)
وفقًا للجدول السابق، جرى تحليل تلك الحوادث لمعرفة أسبابها، فوُجد أن "حوادث الأشخاص" استحوذت على النصيب الأكبر (75.3% من إجمالي الحوادث)، وهي المسؤولة وحدها عن 92% من الوفيات (46 وفاة) و100% من الإصابات الجسيمة (21 إصابة). ورغم أن وزارة النقل تعلن بشكل دوري عن حملات مكثفة لغلق المزلقانات العشوائية وتسييج الخطوط، إلا أن ارتفاع هذه الحوادث بنسبة 10.3% يؤكد أن الحملات الأمنية والوعظية وحدها غير كافية، وأن هناك فجوة حقيقية في البنية التحتية الوقائية (الكباري والأنفاق) في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
وسجلت حوادث "مسؤولية الغير"، وهي الحوادث الناتجة عن خرق أو ضعف في المزلقانات وأرض حرم السكة الحديد، قفزة حادة بنسبة 63.6% (من 11 إلى 18 حادثًا)، والأخطر أن الوفيات في هذه الفئة تضاعفت أربع مرات (من حالة وفاة واحدة إلى 4 حالات)، وهذا يعكس تزايدًا في المخاطر الخارجية، سواء بسبب العبور غير الآمن للمركبات أو التعديات على خطوط السكك، ما يشير إلى ضعف في التنسيق الأمني والهندسي لتأمين التقاطعات.
ورغم أن العدد المطلق "لحوادث مسؤولية الهيئة"، وهي الحوادث التي تنتج من إهمال فني وتقني أثناء التشغيل، لا يزال صغيرًا (3 حوادث)، لكن معدل نموها البالغ 200% يمثّل جرس إنذار، وهو ما رصده تقرير البنك الدولي من وجود "تحديات جوهرية في تطبيق نظام إدارة السلامة (SMS)" داخل الهيئة.
إيرادات أعلى تحت ضغط القروض والالتزامات
بوتيرة متسارعة، ارتفعت إيرادات الهيئة القومية للسكك الحديدية في الآونة الأخيرة، فقد زادت عن نفس الفترة من العام السابق بمعدل 42.6%، كما هو موضح في الجدول التالي.
جدول (2): تطور إيرادات الهيئة في الفترة (مارس - مايو 2025/2026)
| الشهر | الإيرادات 2025 | الإيرادات 2026 | نسبة نمو الإيرادات |
| مارس | 574.3 | 819.2 | +42.6% |
| أبريل | 754.7 | 896.9 | +18.8% |
| مايو | 794.8 | 996.9 | +25.4% |
(المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، النشرة المعلوماتية الشهرية )

(المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، النشرة المعلوماتية الشهرية)
وجاءت هذه الزيادة في ظل استمرار الاعتماد على القروض والتمويل الحكومي لتنفيذ مشروعات تطوير السكك الحديدية، بما يشمل شراء الجرارات والعربات، وتحديث الإشارات، وتجديد الخطوط، وتحسين السلامة.
ولا تكشف بيانات الإيرادات وحدها عن حجم الموارد المتاحة للإنفاق على السلامة، لأن الهيئة تعمل داخل وضع مالي يتسم بارتفاع الالتزامات وتزايد الاعتماد على التمويل المقترض. فوفقًا لبيانات الحساب الختامي للهيئات الاقتصادية عن العام المالي 2023/2024، بلغت أصول الهيئة القومية لسكك حديد مصر نحو 191 مليار جنيه، بينما سجلت حقوق ملكية سالبة بنحو 60.7 مليار جنيه، بما يعني أن التزامات الهيئة تجاوزت قيمة أصولها.
كما أظهرت بيانات الضمانات الحكومية أن هيئتي السكك الحديدية والأنفاق تستحوذان معًا على التزامات وديون مضمونة تقترب من 675 مليار جنيه، ولا يمثل هذا الرقم ديونًا فحسب، لكنه يوضح حجم الأعباء التمويلية المرتبطة بأكبر هيئتين في قطاع النقل، اللتين تعتمد مشروعاتهما بدرجة كبيرة على القروض والتمويل المضمون من الخزانة العامة، هذا بالإضافة إلى قرض البنك الدولي البالغ 440 مليون دولار، الخاص فقط بمشروع تحسين السلامة للسكك الحديدية، والذي أُبرم عام 2021.
وبهذا، لا تعني زيادة الإيرادات بالضرورة زيادة الإنفاق على الصيانة أو الإشارات أو تأمين المزلقانات، فالإيرادات تُستخدم داخل هيكل مالي يضم تكاليف التشغيل والالتزامات التمويلية وأعباء المشروعات الجديدة، كما أن القروض الموجهة للتطوير تتحول إلى التزامات تتطلب السداد، وتتحمل الموازنة العامة جزءًا من مخاطرها من خلال الضمانات الحكومية. وهنا تظهر العلاقة بين الإيرادات والسلامة، ففي حين ارتفعت إيرادات المرفق واستمر تدفق القروض والاستثمارات، زادت معها الحوادث، ولا يعني ذلك أن القروض أو زيادة الإيرادات تسببت في تراجع السلامة، لكنه يوضح أن حجم التمويل وحده لم ينعكس في انخفاض الحوادث، ليصبح السؤال مرتبطًا بأولويات الإنفاق، وحجم ما يوجَّه إلى الصيانة والوقاية وتجديد البنية الأساسية، مقارنة بما يوجَّه إلى التوسع وشراء الوحدات الجديدة وسداد الالتزامات.
لماذا لم ينعكس القرض والاستثمارات على السلامة؟
تثير المقارنة بين ضخامة التمويلات، والقفزة في الإيرادات، وتزايد الحوادث (بزيادة 21.4%)، تساؤلات جوهرية حول فاعلية الإنفاق وآليات التنفيذ. ولتفسير هذه الفجوة، يمكن رصد أربعة أسباب جوهرية مستندة إلى تقارير المتابعة الدولية والواقع التشغيلي.
1- توجيه الاستثمار
ركّز مشروع RISE، الممول من البنك الدولي، بشكل رئيسي على تحديث نظم الإشارات الإلكترونية، وتطوير الجرارات والعربات، وتحسين المسارات. وتهدف هذه الاستثمارات بالأساس إلى منع حوادث الاصطدام بين القطارات أو خروج القطارات عن القضبان. وقد أشارت تقارير البنك الدولي إلى تحديات في وتيرة الصرف والتنفيذ، وفقًا لـتقارير حالة التنفيذ والنتائج (ISR) الصادرة عن البنك الدولي، حيث صنّف التقرير التقدم العام للمشروع بأنه "مُرضٍ بشكل معتدل (Moderately Satisfactory)"، وليس "مُرضيًا" بالكامل. كما أشار إلى أن نسبة الصرف الفعلي للقرض لم تتجاوز نحو 32% حتى منتصف عام 2025، ما يعني أن الغالبية العظمى من الأموال لم تُضخّ بعد في الاقتصاد الحقيقي للمشروع.
ونتيجة لذلك التقييم، اضطر البنك الدولي إلى تمديد تاريخ إغلاق المشروع من منتصف 2025 إلى سبتمبر 2027، مما يؤكد أن منظومة السلامة الشاملة لم تكتمل بعد على أرض الواقع.
2- تحديات الحوكمة ونظام إدارة السلامة
تطابق الارتفاع المفاجئ في حوادث مسؤولية الهيئة بنسبة 200%، كما أوضحته النشرة المعلوماتية، مع ما رصدته تقارير البنك الدولي من وجود "تحديات جوهرية في تطبيق نظام إدارة السلامة" داخل الهيئة القومية لسكك حديد مصر، والذي أشار إلى أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع سلامة إذا لم تواكبها حوكمة صارمة، ومساءلة للمقصرين، وتغيير في الثقافة التنظيمية للعاملين.
3- الإيرادات في مواجهة الديون والتشغيل
فعلى الرغم من أن إيرادات السكك الحديدية قفزت بشكل كبير، فإن هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة توفر سيولة فائضة لإعادة استثمارها في مشاريع السلامة الطارئة، فالقطاع يعاني من أعباء ديون متراكمة لمشاريع سابقة، إضافة إلى التكاليف التشغيلية الضخمة، ما يجعل تلك الإيرادات المتزايدة تذهب غالبًا لسداد أقساط القروض القديمة وتغطية العجز التشغيلي، مما يُبقي ميزانية "الصيانة الوقائية" و"تأمين المزلقانات" محدودة وغير كافية لمجاراة حجم المخاطر الخارجية المتزايدة (والتي تجلّت في ارتفاع حوادث مسؤولية الغير بنسبة 63.6%).
حفظ الأرواح
في النهاية، تبقى نتائج السلامة هي المعيار الأكثر ارتباطًا بتقييم مشروعات تطوير السكك الحديدية، فاستمرار حوادث الأشخاص في تسجيل النصيب الأكبر من الوفيات يشير إلى أن المخاطر تمتد إلى المزلقانات ومناطق العبور والبيئة المحيطة بخطوط السكك الحديدية. ولذلك، لا يكفي تحديث البنية الأساسية للحكم على نتائج التطوير، ما لم يصاحب ذلك انخفاض واضح في الوفيات والإصابات. ويحتاج تأمين المزلقانات وممرات العبور غير الآمنة إلى أن يكون جزءًا من أولويات الإنفاق، باعتباره أحد المسارات الرئيسية للحد من الخسائر البشرية، فنجاح أي تطوير للسكك الحديدية يُقاس بقدرته على تقليل المخاطر التي يتعرض لها الركاب والعاملون والمواطنون على امتداد الشبكة.